سيد المناجم: بقاء وبناء قزم الفصل 45 — الكولهان

اقرأ سيد المناجم: بقاء وبناء قزم الفصل 45 — الكولهان باللغة العربية على مانجا تايم.

في الصباح التالي، وقبل الشروق بزمن طويل وراء التلال المحجوبة، وقبل أن تصل خيوط النور إلى الوادي بساعات عديدة، تجمّع الأقزام في قاعة الاجتماعات. لمع فانوس واحد معلّق من وتد خشبي مدقوق في فجوة حفرها المثقاب أعلى السلالم. كان ضوؤه كافياً لما أرادوه. تفكّر يورفيغ في الوافدين الجدد المصطفّين أمامه. عرف ما ينتظره، وأكّدت له الواقعة جلّ ما توقّعه. هؤلاء عمال مناجم صغار، وحرفيون، وأناس لم يملكوا ما يخسرونه خلفهم في شقّ العمق، لكنّهم كسبوا الكثير من هكذا مغامرة.

كانوا أقزاماً أصغر سنّاً من عائلات أفقر، أو أولئك الذين عجزوا عن حفر مساحة لأنفسهم في شقّ العمق، صخرة كانت تلك المساحة أو حديقة أو مرعى. كانوا من الطينة ذاتها التي أتى منها يورفيغ وغيره من أصحاب الحقوق.

قال ستيجفيست: "يوم طيّب، يا يوغان".

هكذا تُلفظ بلسان الأقزام كلمة "أيدي"، وهي أقل رسمية من كولهان، كما بدت أكثر ملاءمة ما دامت الأقسام لم تُحلف بعد.

وأضاف: "كما أخبرتكم، هذا تشاغريم، رينلين الحق في هذا المنجم. اسمعوه".

تقدّم يورفيغ. جلس الأقزام المتجمّعون القرفصاء على الحجر، وارتكزت كل العيون عليه. ارتدوا أحزمة عدّتهم. واستقرت المعاول والمجارف فوق ركبهم. ساد ترقب عجيب بينما حاولوا تقدير أيّ نوع من الرينلين يكون هذا.

"يوم طيّب. لدينا الكثير لننجزه، وعلينا الاعتماد على أنفسنا لنفعله. هذا منجم فتيّ بعد. القليل من وسائل الراحة هنا. لكن الثروة هنا موجودة، وأكثر ممّا نعلم بعد".

كان تحرّك العيون الجماعي كتيّار هواء يمرّ في القاعة، إذ انتقل الأقزام من مراقبة يورفيغ إلى التطلع نحوه ومن خلفه. استدار يورفيغ. كانت أونيكس تنزل على السلالم متّجهة إلى القاعة، مرتدية فستانها البرتقاليّ فوق سروال بنيّ داكن من دون حجاب أو غطاء رأس. صنعت ضفائرها السوداء الكثيفة نتوءاً بارزاً في منتصف رأسها، مدهونة ولامعة على ضوء الفانوس وهي تنسدل على ظهرها. كانت تلك المرّة الأولى التي يرى فيها يورفيغ وجهها سافراً.

كان فكّها قوياً، بخطوط عضلية ملساء تقوس نحو أذنيها، وتألق جلدها المدهون والأسمر على ضوء الفانوس. كان فمها عريضاً. لم ينتظروها كي يبدؤوا. كان ذلك خطأً. بدا كل ما نوى قوله يتساقط كالقشور تحت المطرقة. استدار يورفيغ مجدداً نحو الأقزام. عادت عيون قليلة إليه، لكنّ غالبيتها بقيت مسمّرة على أونيكس. عرف يورفيغ من صوت خطواتها أنّها أتت لتقف بين أصحاب المناجم الآخرين. كان ذلك خياراً.

لم يكن مصادفة أبداً أن تنزل تلك السلالم بوجه مكشوف للمرة الأولى منذ وصولها إلى المنجم. ومع ذلك لم يدرك كنه الاستراتيجية قط. فحسبه حيرة محاولته استعادة مساره الخاص. شعر بلفحة حرارة وتسارع في نبضاته. قرّر تجاهل مقاطعتها.

"قبل أن نبدأ عملنا، علينا تسوية الأقسام والشروط. أعلم أن ستيجفيست تفاوض بشأن الأجور..."

—كانت عُشْرين مشتركين من ثروة المنجم، حصة سخية، لكنّهم اتفقوا جميعاً على حاجتهم لاستقطاب الكولهان والاحتفاظ بهم— "...لكنّنا لم ناقش المدّ".

عنت المدّة الفترة التي يقسم القزم على العمل فيها بالمنجم. ويُعدّ نكث القسم قبل انقضاء المدّة عاراً على القزم، ويُسمّى هروباً. بلغت المدّة النموذجية في شقّ العمق عشر سنوات، وخمس سنوات للأقصر. مع ذلك، بدا غير طبيعي في شقّ العمق أن يكون أصغر عمال المناجم رينلين. أشياء كثيرة قد تُعدّ عاراً في شقّ العمق، بينما تمثّل البقاء ومحض الثروة في البراري. لذا استعد يورفيغ للقيام بما هو غير مألوف.

قال يورفيغ: "للبقاء في هذا المنجم، عليكم أن تحلفوا أقسمكم. أعلم أن كثيراً منكم أتى إلى هنا لالتماس أكثر من أجر كولهان في هذا المنجم، مهما بلغ سخاؤنا فيه. لذا أُعرض عليكم هذا. التزموا أقسمكم هنا لمدة عام ويوم. إن بقيتم أوفياء لكلماتكم لعام ويوم، يحقّ لكم الرحيل كيفما شِئتم لتثبيت حقوقكم، أو يمكنكم البقاء. إن عجزتم عن حفظ قسمكم لفترة قصيرة كهذه، فماذا عسى أيّ منا أن يقول في أمركم؟"

تعالتتمتمات في الحشد، وتبادل الأقزام نظرات الدهشة. بدا هذا، على الأقل، أكثر إثارة لاهتمامهم من أونيكس—أغلبهم على الأقل. لم يسمع أحد بمدة عام واحد من قبل. ولم يسمع بها يورفيغ أيضاً. لكنّه شعَرَ أنّه إن استطاع إبقائهم هناك لعام، فسيُكتب للمنجم البقاء، وأكثر من البقاء. ورغم ذلك، شكّ في مدى أهمية أقسمهم بعيداً هكذا عن شقّ العمق، أو فيما إن كانوا سيحفظونها؛ فقد أطال التفكير في أقسم الأقسام مؤخراً.

أومأ يورفيغ لستيجفيست الذي تقدّم بدوره.

"لقد سمعتم شروط الرينلين. من أراد الحلف، فليقف!"

امتلأت القاعة بصوت جرّ الأقدام بينما نهض الأقزام. لم يتوقّع يورفيغ غير ذلك حقيقة، نظراً للمسافة التي قطعوها، لكنّ احتمال رغبة البعض في السفر رفقة الآخرين والانفصال بمفردهم بمجرد الوصول ظلّ قائماً. لم يبقَ أحد جَالساً. قادهم ستيجفيست في القسم، وارتفعت أصواتهم جميعاً معاً. كانت تجربة غريبة، لكنّ يورفيغ تقبّلها بلا تعبير، أو هذا ما تمناه. أنهى الأقزام القسم بهتافات.

"يجب أن أحيطكم علماً ببضعة قواعد بسيطة. توجد أورسي في هذه التلال. لا أحد يصعد إلى السطح منفرداً أو بلا إذن منّي أو من رئيس فرقتكم. إن كانت لكم أعمال على السطح، فاسألوا. والآن اجلسوا لنناديكم ونقسّمكم".

سأل ستيجفيست: "عمال المناجم أولاً كما ناقشنا؟"

أومأ يورفيغ وتابع: قال يورفيغ: "أعلم أن هنا صانع جعة، وثلاثة مزارعين، ومربّي نحل، وصهّارين اثنين، وحدّاد منجم".

كل هذا علمه من ستيجفيست.

"قفوا".

نهض بضع أقزام متفرقين بين الآخرين.

"انتقلو إلى مؤخرة القاعة، أخشى أننا سنصل إليكم أخيراً".

تحرّك الأقزام نحو المؤخرة، متبادلين الحديث بصوت خفيض.

"والآن، من منكم أتمّ فترة تدرّب من عمال المناجم؟"

ما نهض سوى ثمانية أقزام، لكنّ ذلك كان جيّداً بالنظر للظروف كافة. لم يُتمم كل الأقزام الراغبين بالتعدين أو التنقيب فترة تدرّب. لسبب واحد، وُجد عدد محدود من مقاعد المتدربين في شقّ العمق. اشْتُري بعضها، وتُمودل بالخدمات بعضها الآخر. وامتلك آخرون مقاعد موروثة، مثلما حدث مع ستيجفيست ويورفيغ—فقد تدرّبا في الشركة ذاتها التي عمل والدها فيها لأكثر من مئة وخمسين عاماً.

قال يورفيغ: "أنتم الثمانية، رتّبوا أنفسكم بحسب الخبرة، من اليمين إلى اليسار".

استغرق الأقزام وقتاً أطول للتجمّع في المقدمة مقارنة بالوقت الذي تطلّبه تحديد ترتيبهم عبر بضع محادثات مكتومة.

قال يورفيغ مشيراً إلى هوبلفوت، وستيجفيست، وورمكوت: "سيكون هؤلاء الأقزام رؤساء الفرق".

وقال للرؤساء: "قسّموهم"، وفي لحظات قُسّم المتدربون بين الثلاثة.

تلا ذلك تقسيم بقية القادمين كعمال مناجم أو عمالة غير مهنية. لكن بينما كان الكولهان يجوبون المكان أثناء العملية، لفت أحدهم انتباه يورفيغ. كان قنزماً عجوزاً، تجعّد جلده ولفحته الشمس. ساعد حقيقة أن لحيته مائلة إلى الرمادي القذر لا البياض على إخفاء عمره وسط الحشد. وبينما كان الرؤساء يقسمون ويتحدثون إلى أقزام فرقهم، التقت عيون يورفيغ بعيني القزم العجوز فأشاره ليقترب.

سأل حين وقف القزم أمامه: "ما اسمك؟"

قال: "تونكيل".

إما أنه من أتباع نهج المتمسكين بالقوة، أو أن الاسم حمل معنى جهله يورفيغ. قد يُعد الاستفسار إهانة الآن، لذا مضى يورفيغ قُدُماً.

"لماذا جئتَ يا تونكيل؟"

"مثل البقية".

"أجد صعوبة في تصديق ذلك".

"ولِمَ هذا؟"

"أنت طاعن في السنّ".

ضحك تونكيل وقال: "وأنت جريء".

كانت الجرأة أكثر ممّا ينبغي في الردّ على لقاء الرينلين، لكنّ يورفيغ لم يرغب بلعب دور القاسي مع عجوز كهذا. بدا واضحاً أنه الأكبر سناً في المنجم بلا منازع، ورغم صعوبة التخمين، ربما زاد عمره عن عمر يورفيغ بمئة عام.

"يا عمّ، لا أبتغي إهانة. لقد اعتدتُ البراري. لكنّ تقع عليّ مسؤولية المعرفة".

خفّ مرح تونكيل لابتسامة ساخرة.

قال: "هذا جيّد. البراري تأخذ أشياء كثيرة وتمنح أكثر. لقد خسرتَ وكسبتَ مسبقاً. لكن لا تخف. رغم كبر سني، أنا أصلب من كثير من الأقزام الشبان هنا".

ومضت عيناه نحو الآخرين. اضطر يورفيغ للاعتراف، فبنيته لم توحِ بالبطالة أبداً.

"تتحدث كمن خبر البراري".

وأشار خلفه قائلاً: "قضيتُ في البراري سنوات أكثر ممّا عاضه أغلب هؤلاء".

"بعد حياة طويلة كهذه، أليس لديك ما تركون إليه، لتأتي إلى هنا؟"

"لا رغبة لي بالراحة. ما أبتغيه حقاً هو رؤية أحشاء الجبال البعيدة، استنشاق هواء مناجم غريبة. لقد زرتُ المرتفعات الطويلة، وسافرتُ إلى الممالك البشرية عبر القوافل، وحفرتُ في التلال البنية، وزرتُ تلال الحمراء الغربية، كل ذلك قبل أن تُولد".

لقدح قرابة ثلاثة قرون منذ أن قاد تورمالين قومهم في الهجرة الجماعية، حفر الأقزام واختبؤوا داخل كهوف ومخانق شقّ العمق، نادراً ما صعدوا لسطح القفر. ورغم خلوّه من الفضة أو الذهب أو الأحجار الكريمة ونحوها، فقد حوى كل ما لزم للحياة. وبينما تلاشت في ممالك البشر ذكريات الأقزام الرحّالة لتغدو أشبه بحكايات السمر، تكاثر أهل شقّ العمق رويداً رويداً. كان أحفاد أولئك اللاجئين الأوائل، بلا ذكريات سوى حكايات العالم خارج شقّ العمق، هم من تسلقوا مجدداً إلى السطح من مخانق المعادن الملوّنة، والأعمدة المتآكلة، والصخور المتوازنة، ليبحثوا في القفر والأراضي الحدودية بعدها.

وهناك التقوا بالبشر مجدداً، لكنّهم حملوا هذه المرة تجارة أرادها البشر: الملح والفولاذ والفحم، غالباً. وهكذا انطلقت القوافل. وكلما وجد مزيد من الأقزام الحياة في شقّ العمق مقيدة، انتشروا نحو المرتفعات الطويلة وحتى التلال الحمراء.

قال يورفيغ: "لم أرد إساءة يا عمّ".

قال: "لم أقبل إساءة. أنا أجيب عن سؤالك وحسب. قد تُفقر الثروات القزم إن منعته من الحفر أو ارتياد الجبال. تلك كانت طريقة تورمالين، وطريقة الملك المقعد".

أومأ يورفيغ. كانت تلك فلسفة تُلقّن له كجلكي، رغم أن قليلاً ممن امتلكوا الثروات بدوا جادين تجاهها. كانوا دائماً المشاكسين هم من يمضون قُدُماً باحثين.

قال يورفيغ: "مع ذلك، هذه جبال خطيرة".

"أ حقاً؟ من كلام ذاك المعسول اللسان هناك، إنها فردوس".

أشار تونكيل نحو ستيجفيست، ثم مال مقترباً أكثر.

"لكنّك واجهتَ من المتاعب مع الأورسي أكثر ممّا أخبرنا به".

"لمَ تقول هذا؟"

"رأيتُ الجانب السفليّ للجسر. أفعْلتم ذلك بأنفسكم؟"

"لم يدرِ ستيجفيست بأمر ذلك. حدث بعد رحيله".

أومأ تونكيل وارتد إلى الخلف.

"بدأ الأمر ذاته في المرتفعات الطويلة. مناوشات هنا وهناك. يكرهوننا مثلما نكرههم".

"كيف تغلبوا على الحفريات هناك؟ لا بد أنهم بلغوا الآلاف".

"بلغوا الآلاف بالفعل. لكنّهم لم يتغلبوا على الحفريات. هجرناها نحن. جوّعونا وانتظرونا لنصعد إلى السطح. ولم ينجح كثيرون في العودة إلى شقّ العمق".

حدّق يورفيغ مضوّراً عينيه. لم تكن تلك حكاية مريحة. علم أن الكثيرين لم يعودوا، لكنّه اعتاد سماع وصف الأمر كمعركة اكتسحت فيها الأورسي المناجم ببساطة. لكنّه أدرك حينها ما قاله تونكيل أيضاً.

"نحن؟ أتتحدث عن قومنا، أم أكنتَ هناك؟"

"بلى، كنتُ هناك. رونديلا شابّاً في منجم عمّي".

"أرى ذلك".

قال ستيجفيست مقترباً: "يا تشاغريم، لقد انتهينا".

قال يورفيغ بصوت علا بما يكفي ليسمعه ورمكوت وهوبلفوت أيضاً: "أنت تعلم ما ينبغي فعله".

أومآ وبدءا يطلقان الأوامر لفرق الكولهان. خططوا لكل هذا لساعات طوال في الليلة السابقة. سيبدؤون بإنجاز التوسعات المخططة. ومع وجود هذا العدد من عمال المناجم، يجب أن تكتمل الحفريات الأساسية في غضون أسبوعين. لم ينشغل يورفيغ بالتعدين أساساً، لكنهم احتاجوا للتنظيم، وبجعل الأقزام منشغلين في الفرق حالاً، امتلك أساساً لإصدار الأوامر. وما زال بحاجة لمعرفة المزيد عن هؤلاء الكولهان الجدد.

تحرّك تونكيل ليرافق العمال.

قال: "انتظر جانباً يا تونكيل، قد تكون لدينا مهام أخرى لك".

في الحقيقة، لم ينتهِ يورفيغ من الحديث معه بعد. هزّ تونكيل كتفيه وبقي مكانه، مبتعداً بضع خطوات في الانتظار. من بين الملاك، لم تبقَ سوى أونيكس، واقفة قرب قاعدة السلالم بذراعين متقاطعتين. وبينما اصطف بقية الأقزام صعوداً على السلالم، نظر كثيرون نحوها. أشار يورفيغ نحو الأقزام المنتظرين في مؤخرة القاعة. انقسموا إلى تجمّعات مصغّرة متحدثين بخفوت، لكن بعضهم لمّح إشارة يورفيغ فاصطفّوا جميعاً في طابور مرن أمامه.

قال يورفيغ: "المزارعون؟"

مدّ ثلاثة أقزام أذرعهم للأمام بباطن كفّين متجهتين للأسفل. بدا الثلاثة شباباً للغاية، لكن ربما بلغوا سنّ يورفيغ.

"كم من الوقت تحتاجون قبل قدوم الربيع؟"

تبادل الأقزام الثلاثة النظرات. تطلب الأمر بضعة لحظات قبل أن يقرر أحدهم الحديث نيابة عنهم.

قال: "نحتاج كل وقت نستطيع نيله. نعلم أن لديكم نوعاً من المدرّجات، رأيناها من الخارج، لكنّنا لم نرها عن قُرب".

"ما اسمك؟"

قال: "أنا وورنستوك".

"يا وورنستوك، ستكون صوت البستانيين حتى أغير رأيي. ما المهام التي تحتاجون إنجازها؟"

قال: "علينا إيجاد التربة المناسبة وإعدادها. سيحلّ الربيع في غضون شهر—"

قاطعه يورفيغ: "بل شهرين هنا، لكن تابع".

"التربة رقيقة فوق الصخر في هذه الجبال. نحتاج لنقل التربة وصنع أحواض. سنحتاج للزراعة في الوادي والمدرّجات أيضاً، ما لم نستطع حفر خمسة أضعاف عدد المدرّجات".

احمر وجه البستاني. استشف يورفيغ شعوره بعدم الارتياح، لكنّه تعلّم الكثير بالفعل من القزم.

أشار يورفيغ نحو الخادمة قائلاً: "تولّت أونيكس أمر حدائقنا حتى الآن. سترفع تقاريرك إليها، وهي سترفعها إليّ".

أبدت أونيكس ارتعاشة خفيفة في حاجبها.

أومأ يورفيغ لها قائلاً: "امضيا قدماً".

أشارت إلى المزارعين فتبعوها صعوداً على السلالم.

قال يورفيغ: "الصهّارون؟"

رفع قزمان أيديهما. كانا شابين، مثل غالبية القادمين.

"تبدأ فرقة ستيجفيست بحفر مسبكين. اذهبا، ساعداه، وإن احتاج الأمر تغييراً فاقترحوه على ستيجفيست. حين ينتهي، ارفعوا التقرير إليّ".

انحنى الصهّاران برأسيهما وأسرعا نحو السلالم.

سأل يورفيغ: "صانع الجعة؟"

بدا القزم الذي رفع يده أكبر سناً من يورفيغ، بمئة عام ربما، وامتلك عينين ضيقتين منحتاه نظرة فاحصة.

قال يورفيغ: "لا مصادر سكر لديّ الآن. لكن عصارة القيقب والبتولا ستجري قبل حلول الربيع حقاً".

لم يكاد صانع الجعة يسمع، بل بدأ يحسب على أصابعه.

"أحتاج إلى براميل. أححضرتُ ما يكفي من الحديد لقطّارتي. سأحتاج للورشة من أجل ذلك. أحتاج لصنع صنابير للأشجار ودلاء. سأحتاج لمرجل. أحضرتُ بذور الشمندر للبستانيين. سأحتاج لزراعة الكثير منها. سأحتاج لورشة بمدخنة".

"ستحظى بورشة على الممر حيث يحفر ستيجفيست. ستُحفر هذا الأسبوع، إن سار كل شيء على ما يرام".

أومأ صانع الجعة، وما زال ناظراً لأصابعه يعدّها.

تابع يورفيغ: "وهناك خشب أرز مكدّس في النفق السفلي. اتبع الممر الرئيسي وانزل السلّم. ستراه. ابدأ حيث تستطيع".

أومأ القزم، وهرول هو الآخر مسرعاً. لم يبقَ سوى قزمين. بدا أحدهما شاباً بشكل مثير للدهشة بلا تجاعيد على وجهه. امتلك شعراً أصولاً ولحية مائلة للحمرة قليلاً عند الجذور، وبدا بالكاد متجاوزاً سنّ الروندال. على الأرجح، كان أصغر جلكي يأمل بفرصة لشيء ما، ولم يتح له الوقت لادّعاء لقب حدّاد منجم. لذا خمن يورفيغ أنه ينحدر من عائلة مربي نحل. وقف القزم الثاني وقد دُست لحيته داخل قميصه، مرتدياً مئزراً جلدياً—دليل آخر واضح.

لم يحمل معراجاً ولا مجرفة، لكنّه أمسك بحقيبة قماشية طويلة مطوية امتلأت بلا شك بالعدّات.

سأله يورفيغ: "أفترض أنك رأيت الحدادة مسبقاً؟"

أومأ.

قال يورفيغ مشيراً نحو السلالم: "ستكون هناك عدّات لتنظيمها".

بلا كلمة أخرى، مضى القزم في سبيله. ترك ذلك القزم الشاب في الانتظار وتونكيل واقفاً جانباً.

قال يورفيغ: "توجد نحل في هذه الغابات. وجدنا خلية في الوادي ذات مرة".

وقف القزم هناك، مطيلاً النظر إليه بلا كلام.

"ما الذي تحتاجه لتربية النحل هنا؟"

قال القزم: "أه، سأحتاج لصنع خلايا سلة، رغم قسوة الطقس هنا. أقصى قسوة من شقّ العمق. وربما خلايا خشبية. سأحتاج لصنع فخاخ أيضاً".

"فخاخ للنحل؟"

قال القزم: "فخاخ طرود. أحضرتُ قرص حضنة أسود".

لم تتبين ليورفيغ ماهية ذلك. احتاج للحديث مع هذا القزم أكثر بكثير. ربما حين يهدأ الشاب—فقد كان يعرق وبدا محمرّ الوجه تماماً.

"كم من الوقت تحتاج؟"

"حسناً، لن تخرج في طرود حتى يدفأ الطقس".

سأل يورفيغ: "كم يلزم للإعداد؟ لا يمكننا البقاء عاطلين ننتظر".

قال: "أسابيع. وسأحتاج لاستطلاع مواقع الفخاخ".

"إذن ستكون ضمن فرق الصيد. سيساعدك ذلك".

اتسعت عينا القزم.

سأل يورفيغ: "ما تحتاجه كي تبدأ؟"

"خشب فحسب".

أدرك يورفيغ أنهم لم يخصّصوا ما يكفي من الأخشاب. لكن مجدداً، لم يكونوا مستعدين لكل هؤلاء الوافدين الجدد، ليس بعد. سيتعين عليهم الخروج لقطع مزيد من الأخشاب.

قال يورفيغ: "سنخرج لقطع الخشب اليوم. انتظِرونا عند النفق العالي".

هرول القزم الشاب صعوداً على درجات السلّم. وأدرك يورفيغ أنّه لم يسأل القزم عن اسمه. ولم يسأل صانع الجعة، ولا الحدّاد، ولا البستانيين. تنهّد ناظراً إلى تونكيل.

سأل يورفيغ: "أقاتلتَ من قبل؟"

وظنّ أنه يعرف الإجابة.

"بلى، نعم، لقد فعلتُ ذلك".

أومأ يورفيغ.

"حسناً، نحارب اليوم الأشجار وحدها. آمل ذلك".

في تلك الليلة بعد عناء العمل، كان يورفيق يمصّ قطعة صغيرة من اللحم المدخّن في غرفته الخاصة حين طرق سليدجفيست الباب ودخل، قاطعاً حسابات الطعام التي كان يورفيق يديرها في ذهنه. كان سليدجفيست قد نام في غرفة يورفيق الجديدة الليلة السابقة، إذ لم يمتلك وقتاً لحفر غرفته بعد ولم يرغب في النوم بالرواق الآن وقد وصل الوافدون الجدد. بالكاد لاحظ يورفيق قدومه؛ ففي غضون يومين، نما العدد لبلغ حجماً غيّر تماماً كل خططه لفصل الشتاء.

"يوم جيد"، قال سليدجفيست.

"سنكون متقدمين على الجدول الزمني، كما أعتقد. الكولهان يحفرون بحماسة".

"جيد، جيد"، أاب يورفيق.

"عليك المجيء خلال النهار لتفقد التقدم"، قال سليدجفيست.

"مثلما كان الرينلن يفعلون في الشق العميقة".

"أأفعل؟"

"ولا ينبغي لك مغادرة الحيازة لقطع الخشب"، قال سليدجفيست.

"أنت الرينلن".

"لم أكن أعلم أن هناك هذا القدر من القواعد، وظننت أن الرينلن هو من يضعها".

في الحقيقة، رينلن التعدين في الشق العميقة لم يكن بحاجة للقلق بشأن خلايا النحل وبراميل التخمير. نفخ سليدجفيست من أنفه.

"ليس بالكثير من القواعد بل التوقعات. مع ذلك، هناك قواعد لكل شيء، وحيث لا توجد، سنصنعها".

"هذا أصدقه"، قال يورفيق.

نظر إلى أخيه، وجهه الكبير العريض المنفتح، كتفيه العريضتين. كان سليدجفيست يبسط أغطية نومه فوق فروة، وبدواً مسروراً بيومه.

"يبدو أنهم جميعا يعجبون بك"، ذكر يورفيق.

خفت مرح سليدجفيست قليلاً، وانحنى ليُهمس، رغم أن الباب الحجري كان مغلقاً.

"للحق يا تشار، لن أقبل برينلن الآن ولو حاولت إجباري. كان التخطيط لهذه الحملة كابوساً، خصوصاً وأنا سكران. قد تكون أخي الأصغر، لكن يمكنني الاعتراف بأنني لا أملك عقلاً للخطط الكبرى مثلك. لو لم تكن لدي بضعة رؤوس صلبة وسط الحملة، لربما سارت الأمور بشكل سيء. كان الأمر مختلفاً عندما كنا أربعة فقط. أنا معدن يا أخي الأصغر. لا أحب التفكير في الجوارب والأغطية. اليوم وجهت حفر الكادر وطلبت المتاعب جانباً لك. هذا ليس سيئاً للغاية".

رغم تقليل سليدجفيست من شأن نفسه، جلبت الحملة الكثير من المؤونة الضرورية والمفيدة على زلاجاتهم: حزماً كاملة من لقم الثقب الطويلة، بل وبعضها بطول خمسة عشر قدماً، وأكياساً من الملح أيضاً.

"أوه، هي".

مد سليدجفيست يده داخل سترته الثقيلة وأخرج حزمة ملفوفة.

"من أجلك"، قال.

ضرب عبير اللحم أنف يورفيق فور وصوله إلى يده. دخان التلال.

"شكراً لك"، قال، وكان جاداً.

"منحني الرحلة وقتاً للتفكير أيضاً، على الرغم من انشغالي. لن أستسلم بهذه السهولة بعد، ولن أتركها لهوبلبووت دون منافسة. لم أفرغ من محاولات الظفر بأونيكس. لدي خطط جديدة تماماً في هذا الجانب".

لمس سليدجفيست أنفه وغمز ليورفيق. هوت معدة يورفيق.

"أوه، وظننت أننا سنشارك هذا".

مد سليدجفيست يده في معطفه مرة أخرى وأخرج قارورة فضية منقوشة.

"مسكر العسل"، قال.

رفع يورفيق حاجبيه. كان ذلك تقطيراً مكلفاً. صفد سليدجفيست كتف يورفيق.

"نحن أغنياء الآن، أتدري؟"

فك الغطاء وتجرع رشفة، مناولاً إياها ليورفيق. شمها يورفيق، وروائحها الغنية تتصاعد إلى ممرات أنفه، ثم رشف. كان أفضل ما تذوقه منذ وقت طويل طويل.