انحنى الأب وشمّ جرومه الصغار، ثم انتقل إلى البقيّة. بدا راضياً عمّا يتفقّده، فقال: حسناً إذن. الآكل ليس قريببي، لذا سنمكث هنا بضعة أيام أولاً. وحوّل نظرَه المخيف صوب ديرت وأردف: إلّا أنت. اجمع أغراضك. أطرق ديرت برأسه، محاولاً إخفاء خيبته المفاجئة، وهرع ليجمع أغراضه القليلة. ارتدى ثيابه باستعجال شديد جعل قميصه مقلوباً في المحاولة الأولى، ممّا أثار تسلية الجروم التي تحلّقت فوقه لمراقبته.
وما إن انتعل حذاءه واستوى في هندامه، حتى أللقى حقيبته على كتفيه وقال: حسناً، هل توجد وجهة معينة تودّ مني قصدها؟ أم... مجرد الابتعاد فحسب. لم يخفِ مشاعر خيبته ورفضه، ولم يحاول تصنّع شعور آخر ليبرع في الدبلوماسية ويتجنب الإساءة. فذاك كان عبيماً على أي حال، والأفضل له الاستعجال عوض أن يكون ثقيلاً. لاحظت سوكس أمره فأرسلت إليه نفحة صغيرة من التعاطف. لم يرد الأب. بل نفخ بضريقة وأشاح بوجهه، ممّا جعل ديرت يتساءل للحظة إن كان الذئب العظيم مسروراً أم منزعجاً.
وقبل أن يتسنى لديرت اختيار اتجاه من تلقاء نفسه والشروع في المسير، تلاشى العالم من حوله. انطلق ديرت بسرعة لا تُعقل، وراوح في ارتطامات عنيفة يميناً ويساراً، عاجزاً عن رؤية أي شيء أو سماعه أو شمّه. وحين أدرك ما جرى، هبط على أرض لينة وهو تائه. السفر عبر الجذور! إنّ الارتطام بالأرض بمثل تلك القسوة أخرج منه كلّ المشاعر السيئة، إذ عرف مكانه فوراً. لم يكن هناك خطأ في هذه التربة السوداء الرطبة.
كم بدا أحمق حين شكّ في الأب. ومتى أبدى له الذئب العظيم أدنى قسوة قط؟ أبداً. تمتم قائلاً، وفمه بالكاد يتحرك، تحسّباً لكون الأب يراقبه: شكراً لك! وثب واقفاً بسرعة كادت ترسيه أرضاً، فاستند بمعانقة محكمة لـهوم. وجدها باللمس أكثر منه بالرؤية، إذ عصيت عيناه عن التركيز بهذه السرعة. بادلته العناق، من غير شدّة مفرطة، واستنشق بعمق ليلتمس عطرها الخفيّ من اللحاء والأوراق. لقد عاد أخيراً!
بدا الأمر وكأنّه استغرق وقتاً طويلًا، معظم الصيف وجزءاً وافراً من الخريف أيضاً. لاحظ أنّ الجو هنا أدفأ. نفس درجة الحرارة المعتادة. الدرجة المثالية. سأل ديرت: مرحباً يا هوم. كيف عرفتِ جلبِي؟ أجابت هوم بابتسامة دافئة: أمرنا أبو الذئب باستدعائك. الجزء مني الذي يمثّل عضدك، أو عصاك، أو درعك، سيبقى هناك إلى حين أوان إعادتك. وحين صار لديرت دراية أوسع بالبشر، تذكّره لغة جسدها وقامتها بالدوقة، على الرغم من أن درياديتها ما زالت بحجمه.
مدّ ديرت ذراعه وسحب الكم فإذا بالدعامة قد اختفت بالفعل: أوه، إنّه الجميع! وما إن استعاد ديرت توازنه بما يكفي لتأمّل محيطه، حتى وجد نفسه محاطاً بحشد هائل من الدريادات، أولئك اللواتي تعرفهنّ وكثيرات غيرهنّ ممّن لم يرهنّ من قبل. لكنهنّ بَدَوْنَ مختلفات، واستغرق الأمر لحظة ليدرك السبب. الثياب. الكثيرات منهنّ—وإن لم يكن الكلّ—يرتدين الثياب الآن، لا مجرد سجادة الأوراق الزغبية التي اعتدن عليها.
لم تكن قماشاً فاخراً كالذي يرتديه الدوق وعائلته. ولا حراراً زاهية مزدانة بالجواهر. وليست قماشاً عادياً كالذي يمتلكه الآخرون في أوجينا، بنقوشها الملونة وطبقاتها. بل كانت ثياب عمال، بسيطة ولونهم رمادي مائل للبُنّ. ألياف غير مصبوغة مُغزولة ومنسوجة. قال كاليوس وهو يدور حول نفسه ثم يضع يديه على خاصرتيه: مرحباً بعودتك، الصديق ديرت. ما رأيك؟ - هل صنعتم هذه بأنفسكم؟ - فعلنا!
أتريد أن تراها؟ قال كاليوس ووجهه يطفح بالحماس. - بلى أريد بالطبع، قال ديرت. - عظيم! سأريك كيف نصنعها لاحقاً، قال كاليوس. - أوه، قال ديرت. إذن، حتى ذلك الحين، أعتقد أن بإمكاننا— - انظر حولك، يا ديرت الأحمق، قال كاليوس. انظر. تفرّس ديرت في جميع الدريادات، غير متأكد ممّا يُفترض به ملاحظته سواه. مئات الفتيات ذوات البشرة الرمادية والشر الرمادي في عمره. اللواتي ارتدين ثياباً جعلنها قصيرة، لا تتجاوز الركبتين أبداً، سواء أكانت تنورة أم سروالاً، كيلا تتسخ بالمشي عبر التربة السوداء.
وعند التفكير في الأمر، ربما كان على ديرت خلع حذائه وجوربيه وشمر ساقي سرواله، على أقل تقدير. بل لعلّه كان عليه خلع كل شيء في الواقع. فلن تكون هناك سُبل للعب مع الدريادات من دون التلطخ على نحو جميل ومستحبّ. لا حاجة لتخريب ثيابه. على الرغم من أنه، ربما طالما أنهن مرتديات للثياب جميعهنّ، فعليه أن يكون كذلك؟ أم أنهنّ... تلاشت أفكاره في غيبوبة مذهولة حين تنبّه إلى المباني.
كانت تملأ كل مكان، في صفوف منتظمة تماماً كما يذكرها. حجارة رمادية ملطخة بالتربة السوداء تنهض من بين السرخس لتنتصب صامتة تحت الأشجار. وحيث تعذر إيجاد حجارة لرقع المبنى وإصلاحه، كانت كروم خشبية تملأ الفراغات. لم تكن للأسقف تقريباً أي قرميد، وبدلاً من ذلك غُطيت بأوراق عريضة خماسية الرؤوس أضخم من ديرت نفسه. لقد زال معظم الطلاء والملاط بعد هذا الطول من الزمن، لكنه ما زال يتعرف إليها.
لقد عرف مكانه بدقة متناهية. قال بصوت خفيض: توريكوم. كان هذا شارعاً سالماً، شارعاً يعرفه حق المعرفة. وهناك يقع أحد أرقى النزل في المدينة، وهو مزدحم طوال ساعات اليوم. وبجواره، حانة كلافيوس، المتميزة بلحم الضأن والخضار الطيبة، الساخنة دائماً والجاهزة. لقد عرف أبيطوس كلافيوس المعرفة الحقّ بعدما أكل هناك مراراً وتكراراً. كاد يتخيل الرجل. كاد يفعل. لم تكن الشوارع معبدة بالكامل، تاركة فجوات لتربة عارية تنبت فيها سرخسات صغيرة، لكنها كانت هناك.
الحجارة الأصلية. بدا الكثير منها تماماً كما يذكره، حتى وإن باهتة الألوان، ومفقودة الملاط إلى الأبد، وطلاؤها ممحياً عن آخرها. بقيت أحواض الزهور والمنحوتات، وواجهات جزئية فوق المداخل. افتقدت معظم المباني مظلاتها الخشبية الظليلة، لكن الدريادات لم يكنّ ليدرين بأمر تلك، ولم تكن الحاجة للظل قائمة الآن على أي حال. سار ديرت—لا، أبيطوس—في الشارع وهو هائم، وقد استقام قامته واكتست وقاراً.
كانت هذه مدينته، المأهولة بيومه بأبناء شعبه. لم تكن تشبه أطلال أوكريكوم، حيث لا يتبقى من معظم المدينة سوى الأساسات والقواعد. هنا، بُعثت مبانٍ بأكملها من جديد تماماً، رغم أن المدينة لم تُعاد عمارتها كلياً. بعض المباني كانت جزئية فقط، من طابق واحد عوض سبعة، لكن الطوابق العليا كانت جميعها خشبية ولم يكن للأشجار أن تعرف ذلك من بين الأطلال. وبعض المباني لم تُرفع من الأرض البتّة لأي سبب كان.
لعلّ ما تبقى منها لم يكن كافياً ليهتم به أحد، أو ربما احتاجت الدريادات لترك مساحة للسرخس واليرقات وكل الحشرات الصغيرة التي تعيش في التربة. علاوة على ذلك، بدا أوكريكوم كيكلاب قديم يهوي إلى تراب. بقايا مكان، لا المكان ذاته. غير أنّ الدريادات هنا شغلن المباني، ملوحات له من داخل النوافذ والمداخل ومستراحات على المقاعد للدردشة. كنّ يبتسمن كلّما مرّ بجانبهن. من أجله. كل هذا من أجله.
كمّ هائل من الجهد والوقت والعناية. كنّ يرتدين الثياب لأن ذلك ما يفعله البشر، وكنّ يسترحن أو يدردشن أو يتجولن تماماً كما رأين البشر يفعلون في أوجينا، عبر عصا هوم. كل ذلك من أجله. كان الأمر أكثر من أن يتحمّله. اختلطت الألففة الغالية بامتنانه لحبّهم فأخذت منه مأخذها. التفت وفي عينيه دموع واحتضن كاليوس، الذي كان الأقرب. همس وصدره يهتز: شكراً لكم! ومدّ ذراعه نحو دون، التي كانت قريبة منه فجذبها هي الأخرى.
قاطعت اللحظة فكرة شاردة لكنها قوية فصاح: أوه! مهلاً، أتذكر... أتذكر أين يقع! لم يتمالك نفسه فابتعد، رامشاً ليطرد الدموع. ربت على كاليوس ودون باعتذار، ثم استدار وهرع في الشارع، منعطفاً عند التقاطع الخماسي. تجاوز المسرح الصغير والشقق التي سكنها دروكوس وإيكيديا. عبر متجر صانع النحاس وخزّافيْن رخيصين. ركض متجاوزاً الضريح القديم وعدداً إضافياً من البيوت المتلاصقة، متجاوزاً متجر الساحر حيث عمل بعض متدربيه، متجاوزاً مخفر القاضي.
انعطافة أخرى، ثم نزولاً في الشارع، وهناك كان. سوره الحجري، المُعاد تشييده بمعظمه، مسوّراً فلته الخاصة. وداخلها، منزله. استعيدت الجدران تماماً وكان السقف بالشكل الصحيح، رغم استبداله بالكروم والأوراق القياسية. عادت جميع الأعمدة تقريباً أيضاً، رغم تشقق معظمها وبقائها متماسكة بالكروم. اصطفت على الممرات، لا تحصن شيئاً لغياب المظلات. حسناً، يمكنه إصلاح ذلك بنفسه لاحقاً.
قال أبيطوس بذهول وهو يحدق: لقد كان هذا بيتي. كانت الدريادات تتدفق إلى الفيلا، واقفة على الممرات ومناطق الحديقة الفارغة، متقدمة كلها بوجوه متلهفة. أجاب كاليوس بحرارة: إذن أنا مسرور لأننا حفرنا لاستخراجه. عليك الدخول يا صديقي ديرت. بدت فلته حية، رغم أنها كانت ميتة. لقد كانت أطلالاً، لكنها لم تعد كذلك، ليس بعد الآن. تلك كانت الحجارة الأصلية. الخرسانة الأصلية المرقعة لتعود مجتمعة.
خطا إلى مدخل منطقة المعيشة وتعقّب بأصابعه شرخاً في الجدار، ثم دخل، مسلوب الأنفاس من فرط التوق. مشى عبر الردهة القصيرة إلى الردهة الكبيرة، تماماً كما تركها، ناقصة من كل الأثاث الخشبي. بدا المكان مألوفاً للغاية. كانت النافورة الداخلية فارغة، ولم يتركوا فتحة في السقف فوقها، مما جعل الغرفة بأسرها أكثر ظلمة مما يفترض لها أن تكون. أخفت الظلال ما تبقى من رسوم الجدار، لكن معظم الأرضية المتباينة الجميلة بالبلاط قد عادت، وفي مكانها الصحيح.
وكانت التماثيل هناك، الفتى الذي يصب الماء في البركة والمرأة ذات الطائر المستقرّ على إصبعها. قال بصوت خفيض: اعتدت على استقبال الضيوف هنا. كانت هناك أرائك ومقاعد منخفضة، مزودة بوسائد. في الواقع، كانت هذه الزاوية موضعي المفضّل للقراءة. أحبّت هيلاريا الجلوس قرب النافورة والتطريز. أتذكر ذلك. وجد صعوبة في تذكر أن الدريادات ما زالت هنا، بغض النظر عن تجمهرها للمشاهدة. كان عقله مشتتاً للغاية بالاستمتاع بشعور الألف و محاولة انتزاع بعض ذاكرته الضائعة من العدم.
تذكر إحساس البشر، لكنه لم يتذكر سوى القليل غير ذلك. اسماً أو اسمين، بلا أدنى فكرة عمن كانوا. اعتاد رجل قوي الوقوف هنا، مطمئناً وودوداً. وهناك، مجموعة نمّامة من النساء اللواتي ضحكن وغنّين. أكنّ نسله؟ أكانت إحداهن زوجته؟ لم يكن يدري. لكنه شعره منجذباً إلى زاويته، ليكون الرجل الذي شغل هذا الحيز وتطارده ذكرياته الباهتة الآن. تنهّد أبيطوس وولج باباً مختلفاً، متابعاً ردهة أوسع إلى اليسار.
عبر الحمام الساخن، الفارغ الآن والمشقق وغير المرجح لاحتفاظه بالماء مجدداً، والحمام البارد، مثله تماماً. مستودع وضع فيه يوماً... حسناً، بات فارغاً الآن، بلا رفوف متبقية حتى. مستودع آخر، بنفس الصِغَر، لكن بباب أوسع. آه، صحيح، الثياب والمناشف وما شابه. هذا ما خزّنه هناك، من دون باب يتيح سهولة الوصول. ثم أخيراً، في نهاية الردهة، غرفة نومه. بُنيت محاذية للجدار الخارجي، مزودة بنوافذ نحو الأمام والجانب، وبدت الآن متسخة ومظلمة.
ملأت التربة السوداء جميع الخطوط بين بلاط الأرضية، بارزة الأنماط. استعيدت مدفأة التدفئة وبدت وكأنها لا تزال صالحة للعمل، رغم زوال الشبك المعدني. ولم يكن هناك ما يُحرق، وكان عليه إصلاح المدخنة المسدودة. بدا وكأنه لم يستخدمها قط، حين فكر في الأمر، لكنه لم يستطع تذكر السبب. لكن أول ما كان عليه فعله هو صنع فراش جديد. قالت دون: لم نكن نعلم أي منزل كان لك، وإلا لكنا اعتنينا به بدرجة أكبر.
لاحظ أنها أضخم قليلاً الآن، أكثر امتلاء وأوثق أنوثة. في الواقع، ذكرته بإيليا. لكنها احتفظت بتلك البهجة الطفولية. كانت هي حقاً من دون شك. قال ديرت: الأمر على ما يرام. لم أكن أتوقع أياً من هذا. لقد نسيت أن هذا المكان وُجد أصلاً. اعتدت النوم هناك تماماً، على سرير. قبل ثلاثة آلاف عام. يمكنني تنظيفه بنفسي، إن استطعت إيجاد من يصنع لي الماء. قال كاليوس: نعلم أنك لم تكن تتوقعه، وهذا ما يجعله مفاجأة.
سأل ديرت: إنها مفاجأة رائعة! أحبها. حقاً، أنا أحبها فعلاً. ألديك خطط للمرور بالمدينة، أم أنكم فعلتم ذلك من أجلي وحدي؟ قال كاليوس: لقد منحتنا عالماً بأكمله، يا صديقي ديرت. وبوسعنا منحك مدينة صغيرة واحدة بالمقابل. قالت دون، وهي تقبض على يده وتمنحه جذبة رقيقة: تعال، لدينا ما هو أكثر لنريك إياه. إنها في المدرسة، حيث أسرك الموتى الملعونون. أم أنك ستكون منزعجاً أكثر من اللازم لرؤية ذلك المكان مجدداً؟
قال ديرت: أه، لقد أعدتم بناء ذلك المكان أيضاً؟ لا بأس، لن يزعجني. تذكره سليماً بمعظم أجزائه، ولكن كي نكون منصفين، لم يقضِ وقتاً طويلاً هناك، وكان مشغول البال. قالت دون شادة يده بإلحاح أكبر، وعيناها الجافتان الزجاجيتان تكادان تبرقان: إذن تعال. قال ديرت بابتسامة خافتة: أنا أعرف الطريق. استنشق المانا ووثب عبر نافذة، ثم ركض في الشارع. انطلق متهادياً نحو طريق رئيسي واتبعه خارج المدينة، متعجباً من كبرها، ومن كم ما أُعيد ترميمه.
كانت أكبر من أوجينا وليلويلا معاً، بكل سهولة. تجاوز أكثر من عشر أشجار قبل بلوغ السوار الخارجي للمدينة، وكانت تفصل بينها مئات الخطوات. خارج البوابة وإلى ما كان يوماً ريفاً، مع أجزاء واسعة من الطريق السريع المُعاد تشييده، فضلاً عن أي مبانٍ حجرية أو خرسانية وُجدت بمحاذاة الطريق. في الغالب فيلات مزارعين. كانت المسافة طويلة من هناك إلى المدرسة، واجتازا قريتين مختلفتين، إيغوفيوم ودولو، اللتين كانتا في حالة أسوأ بكثير الآن، نظراً لبنائهما من كميات أكبر بكثير من الخشب.
ثم الطريق الفرعي المنفصل عن الطريق السريع الرئيسي، حيث قامت لافتة يوماً، وبئر ليسقي المسافرون خيولهم. لم يكن أي منهما هناك الآن. انعطف ديرت، يتبعه حشد مؤلف من مئات الدريادات السعيدات، وأسرع على الدرب حتّى لاح في الأفق. مدرسة بريسكا، تماماً كما تركها. ما عدا أن الحدائق المزخرفة باتت في هندام أفضل، والحجارة الساقطة أُقيمت مجدداً والممرات والجدران وما شابه استعيدت كلها.
حتى الأعمدة في واجهة المبنى أُعيد تركيبها، وكثير من الواجهة. صار بمكانه قراءة الاسم الآن، المنحوت في حجر الإفريز الذي كان مفقوداً من قبل: سكولا سابينتياي أنتكواي، مدرسة الحكمة القديمة. ابتسم لذلك. معظم ما عُلم هناك لم يكن قديماً إلى هذا الحد. أم أكان قديماً بمعنى مختلف؟ شيء في تلك الكلمة جذبه، لكنه لم يستقر في مكانه قط. القدماء. حسناً لا بأس. سؤال لوقت آخر. توقف ديرت عند أحواض الماء الصغيرة، مسروراً لرؤيتها تعمل الآن، وكلها مفعمة بماء بارد ووضّاح عوضاً عن حوض واحد فحسب.
انحنى وغطس وجهه ليشرب حتى يروي غليله، ثم نهض ومسح الماء. تساقط بعضه على قميصه، مانحاً إياه قشعريرة خفيفة، لكنه حتى مع ذلك لم يكن بارداً كموضع تركه لسوكس، لذا وجده لطيفاً. توقف عند مدخل المدرسة مع ذلك. كانت مظلمة كالليل بالداخل، تماماً كالسابق. عبق ذكرى الرعب من المكان وتخلل جلده، تاركاً إياه شاحباً رطباً. أخذت هوم بيده وأمسكتها بإحكام: لا تخف يا ديرت العزيز. سأل جامعاً شجاعته: أنا بخير.
يعجبني كيف أعدت إرساء هذا المكان بهذا الشكل الجيد. أندخل إلى الداخل؟ سيكون الأمر على ما يرام. بالتأكيد. فرقع بيده الأخرى صانعاً ضوءاً، ثم قسّمه إلى عدة أضواء أخرى وأرسلها أمامه، ثم تتبعها. جعل التوهج الأصفر لأضوائه قاعة المحاضرات دافئة ومرحبة، كأنها بنيران رقيقة في ليلة باردة. راحت تومض حين دفعها ذهنياً نحو الأعماق الأبعد للقاعة الهائلة. وقفت مقاعد خشبية عتيقة في أمكنتها السليمة، وبعضها جديد، أفتح لوناً، لا بد أن الدريادات صنعته.
أضفت اللوحات الجدارية والتمثال حياة إضافية على المكان، وتلاشى خوف ديرت، ليحل محله الحنين. شيء ساحر بحقّ، المدرسة، وكانت هذه إحدى أعظم المدارس. والأكثر كلفة، وهو ما ظل بادياً، طوال هذه السنين. بلاط وزخارف في كل مكان، هندسة دقيقة تنقل الصوت بامتثال تام من الأمام إلى كل أذن. أُزيل أي أثاث متهالك واستُبدل عموماً بنسخ مقبولة، كل شيء من الكراسي والطاولات إلى الرفوف والشمعدانات والمصابيح.
أيقن ديرت أنه لو تفحّص عن قريب، لوجد المصابيح صلبة وغير صالحة للاستعمال. ستشير تلك المؤشرات والأخرى إلى أن الدريادات لم تكن تدرري لما صُنع أغلب هذه الأشياء. ومع ذلك، فحسب عيني ديرت، نافست القصر الدوقي. قال: هذا مذهل. لقد أعدتم ترميم الكثير منه! أذلك لأن هذا المكان لم يغرق قط، فبقي الكثير من الأثاث الخشبي؟ قالت دون، مساحبة يده من هوم وجاذبة إياها: ليس هذا ما أردنا إطلاعك عليه يا صديقي ديرت.
تعال. من هنا. - ماذا؟ أكان هناك المزيد؟ - تعال! قالت دون بإصرار. كانت تقفز عملياً. جرّته نحو باب جانبي، إلى الردهة المؤدية إلى غرف أخرى من المدرسة. تعثر محاولاً مواكبة خطاها، لكنها لم تلِن. كانت خطواتها رقصة وهي تجره للأمام، متجاوزة بابين فارغين ومتوقفة أمام ثالث، على الجانب الآخر. قالت مشيرة إلى الظلال: ادخل. فرقع ديرت مجدداً، مستحضراً شرارة ساطعة أخرى، وأرسلها إلى الداخل.
دفعته دون مباشرة خلفها، كادت تطرحه أرضاً. ضحك كاليوس موبخاً: كوني رقيقة مع ديرتنا الصغير يا عزيزتي. هذا مكان خاطئ للسقوط وكسر شيء ما. عجز عن تصديق ما رأته عيناه. بدأت الغرفة كمكتبة، بمئات الجيوب للففاف، وكلّ واحد منها ممتلئ تماماً. ممتلئ باكتظاظ بل فاق ما وُجد ليحتويه قط، ليفيض على الأرضية حيثما أمكن. أمام الرفوف، مغطيةً تقريباً كل شبر من الأرضية من الجدار إلى الجدار، كانت سلال وصناديق لكل شيء يمكن تخيله، مكدسة جميعها فوق بعضها من الأرض إلى السقف، تاركةً تكاد تكون مساحة معدومة للمشي رغم سعة الغرفة.
رأى فضة وذهباً وكؤوساً منحوتة من حجر ثمين، أعمالاً جميلة من عاج أصفر عتيق، وكهرماناً، وأكثر من ذلك. لم يعلم حتى من أين يبدأ. الثروة. الكلمة المعبرة عن هذا هي الثروة. الغنى. كل قطعة تحسّ وتستحق التأمل لذاتها. قال كاليوس: هذه كل الأشياء التي وجدناها عندما حفرنا لاستخراج المدينة. جلبنا أي لفافات محفوظة لنضعها هنا مع البقيات، لكننا لم نكن ندري أين نضع كل شيء آخر. وضعناها كلها هنا لأن هذه غرفة للتخزين.