اليوم الاول من منتصف الشتاء، شروق الشمس مغادرة إريو دخول أنون
سبق الصوتُ العالمَ. كنت قد سمعت هذا الصوت من قبل. كان صوتاً هادئاً لرجل في شروق صباح منتصف الشتاء:
قال: "ترحب بك أرض أنون في موطنك يا برين.
لم تمنح أي هبة.
في حوزتك أثر واحد.
لقد حزت: حجر القدر
قدرات الأثر المفتوحة: تصغير وتكبير - حجر القدر رد إلى المرسل - حجر القدر
انتباه: تم تقييم تلف الأثر الآثار غير معروفة"
سألت: "من أنت؟"
وما زلت محبوساً في عتمة الفراغ الفاصل. لم يأتنا رد، بل صوت العدم المطبق. خطرت لي فكرة بغتة.
تنحنحت وقلت بلهجة بريطانية: "أيتها الحاسوبة! شاي إيرل غراي، ساخن".
بقيت الحال على صمتها. حسناً، لا بأس بالمحاولة. تبدو هذه الفكرة منطقية مثل أي شيء آخر في هذا الصباح. لا مؤشر البتة على أنني لا أزال على كوكب الأرض. في الحقيقة، لا توجد هنا أي معالم البتة. كنت أطفو في فراغ شاسع، بلا حتى نسمة هواء أو درجة حرارة تذكر. بدأ ضوء دوّار يزحف ببطء ليعود إلى طرف بصري. انتبهت إلى الألوان وهي تشرع في تنظيم نفسها ضمن أشكال هندسية. شرع عالم في التشكّل أمام ناظري.
انبثقت الأشياء والأشكال من وسط دوامات الألوان العشوائية تلك. عادت الجاذبية فجأة ووجدتني أبتلع جرعة ماء فجأة. كان الماء يتناثر حولي في كل اتجاه. سعقت تحت الماء، ورفست بقوة متوجهاً نحو السطح. حين شعرت بالهواء أخيراً، وجدتني في منتصف مسطح مائي واسع، يحيط به عالم غريب تماماً. بدا المشهد الطبيعي كأنه يعتمد على طيف ضوئي مرئي مغاير. كانت السماء تكسوها حبة ليلكيّة فاتحة. تتحرك الغيوم وتتبدل أشكالها كأنما تمتلك حياة خاصة بها.
جالت عيناي في المياه المحيطة. رأيت شخصاً آخر يرفس صاعداً نحو السطح. مورياس! استطعت رؤية في وهي ترفرف فوق الماء على بعد أقدام قليلة. رمتنا بنظرة نفاد صبر.
قالت: "هيا أيتها المعكرونة المبللة! علينا إخراجكما من هذه البركة".
التفت ورائي لأرى مورياس إن كان يفلح في الطفو، وبدو أنه لا يواجه خطراً بالغاً بالغرق. بدا جل اهتمامه منصباً على ما يقع خلفنا. تتبعت نظراته نحو جبل ضخم يتصاعد منه الدخان في الأفق.
صاح وهو يسبح: "هل نحن في المكان الذي أظنه؟"
سألت وفي عينيها ومضة: "أتقصد أنك تسبح في بركة قلب الأبدية؟"
قال: "أجل".
لو لم تكن أذناي ممتلئتين بالماء، لجزعت حتماً وأنا أسمع نبرة الهلع في صته. لكني تجاوزت ذلك المجهول الصغير للحظة. كان هناك الكثير مما يفوق استيعابي. كان بإمكان فيادان أن تخبرنا ببساطة أننا نَسْبَحُ في منخر ديناصور. في هذه اللحظة، لم يكن أي مما أسمعه أو أختبره منطقياً بأي شكل.
قالت: "أجل... لسبب ما أرسلنا الحجر إلى هنا عوضاً عن فليمبرايت".
واصلت أنا ومورياس السباحة مبتعدين عن البركان، وبعد دقائق وجدنا طريقنا نحو شاطئ مقلم بعناية. بدا أن هناك حافة من رخام أبيض نقي تحيط تماماً ببركة قلب الأبدية هذه (أياً كانت). كانت حافة الماء شديدة الضحالة. تذكرني ببركة أطفال تمتد على طول ملعب كرة قدم. تعثرنا عبر الماء الذي يبلغ علوه الكاحل صعوداً نحو اليابسة. امتد أمامي مشهد طبيعي مورق لم أره إلا في مقاطع التطبيقات المعدلة.
كان هذا المكان أخضراً لدرجة تفوق التصديق، مع أجمل الأشجار التي وقعت عليها عيناي قط. كانت الازهار والثمار بكل ألوان الطيف، وربما بألوان أخرى لا وجود لها أصلاً. بدا المشهد غريباً علي لعدة أسباب. أولاً، لم تكن درجة الحرارة هنا كقر الشتاء في منتصف كانون الأول. شعرت بأن حرارة الهواء تعادل منتصف السبعينيات، وشرعت فوراً في خلع معطف الشتاء المشبع بالماء والذي كان يثقل كاهلي.
السبب الثاني لكون هذا العالم الجديد غريباً يتمثل في العدد الهائل لما بدا أنها جنّيات تنتشر فوق التلال العسلاء بين الأشجار. كن يحدقن فينا. بدا بعضهن مذهولاً لرؤيتنا، بينما بدت أخريات غاضبات. طارت فيادان فوراً نحو مجموعة منهن وبدأت محادثة حامية. لم استطع سماع ما يقلنه بالضبط، لكن الوجوه الغاضبة كثرت إلى جانب الأصابع الكثيرة التي تشير في اتجاهنا. التفت لمساعدة مورياس في خلع معطف الشتاء الخاص به.
سألت وأنا أتوقف، غير مصدق لما أنا آت على قوله: "لماذا تبدو تلك..."
التزمت الصمت، "...الجنّيات منزعجات إلى هذا الحد؟"
ألقى نظرة سريعة على الحشود المتجمعة على طول الشاطئ.
"بركة قلب الأبدية هي أقدس مسطح مائي لدى شعب تواتها. يبدو أن الإليلون يقومون بدوريات حول البركة الآن، لسبب ما".
"حسناً، تاتان... أمم... مورياس... عليك إخباري بما يجري هنا... ابدأ من البداية".
"البداية ستستغرق وقتاً طويلاً. لكنك على حق، فهناك أمور يجب أن تعرفها، ويمكنني إطلاعك على بعضها. لكني ابتعدت لفترة أطول من أن تمكنني من سرد أجزاء أخرى من القصة".
حدقت في المشهد المورق.
"ما هذا المكان؟ سمعت صوتاً في رأسي يسميه أنون".
"آه نجل، لعل ذلك داغدا. أظن أنه كان يرحب بعودتك إلى الديار. أنون هي حيث نوجد. أتتذكر القصص التي رويتها لك عن تير نا نوغ؟"
أومأت برأسي.
"نجل، بالطبع، لكن تلك كانت مجرد قصص".
"حسناً، أنت هنا الآن يا صديقي. أنت في العالم الآخر، أرض الشباب الأبدي".
أطلقت نفساً عميقاً، وألقيت نظرة حولي مجدداً. في الأفق، استطعت رؤية رأس رجل يرتفع فوق الأشجار. كان يبتعد عنا.
التقطت أنفاسي بذهول: "ما هذا؟"
"ما ظنك أنه يكون؟"
أطلقت الكلمات دفعة واحدة: "يبدو كعملاق ملعون".
"أجل، إنه كذلك. يعيش عمالقة كثر بالقرب من ماغ ميل. لحسن الحظ أن الكائن ليس فاخان أو ترو. مصطلح عملاق دقيق في هذه الحالة".
توقف وبدو أنه لمح ما يثير اهتمامه.
"لكن ليس العملاق هو ما ينبغي أن يشغل بالنا في الوقت الحالي".
"ما الذي ينبغي أن يشغل بالنا إذن؟"
كيف لا يقلق بشأن عملاق؟
"المبدل".
أشار مورياس إلى رجل يمشى نحونا. بدا الرجل بشرياً، باستثناء استدقة طفيفة في أذنيه. كانت له لحية كستنائية مشذبة بعناية ترتفع قليلاً وهو يبتسم في اتجاهنا. توقفت الجنّيات عن الجدال والتفتن إليه لدى اقترابه.
"أيمكن أن يحدث هذا؟"
اتسعت عيناه من الصدمة. أمسك مورياس من كتفيه.
"مورياس أو فالياس؟ لعرفتك حتى بعد عشرة آلاف دورة للقمر".
ابتسم باتساع وعانق مورياس.
قال مورياس وهو يبادله العناق: "كنت أتمنى ذلك يا تادغ. إذ إن الأمر يقترب من عشرين ألف دورة".
"وفي تلك المدة أنسيت أن السباحة في بركة قلب الأبدية أمر غير مستحب؟"
رفع تادغ حاجبه. بدا مورياس مرتبكاً.
"غورياس كانت وجهتنا. لا أعلم ما حدث".
قال الرجل وهو يترك مورياس: "أمر غريب حقاً حقاً".
التفت إلي.
"ومن الذي أحضرته معك؟"
"سامحني. نجل، التعارف واجب".
ألقى مورياس نظرة على في التي قطبت حاجبيها نحوه.
"تادغ ماك نودات، هذا الشاب أنقذنا من كايليخ بهيرا. لم أكن لأسطتيع تركه خلفي بحال".
"بالتأكيد لا".
بدا تادغ مرعوباً لمجرد الفكرة.
"وهل لهذا الشاب اسم؟"
ألقى مورياس نظرة علي وهز رأسه بخفة شديدة.
وقبل أن أتمكن من الكلام، قال: "أعتقد أنه قال إن اسمه برين، لكني لا أتذكر".
"هذا صحيح".
لم أكن متأكداً مما يدور تحديداً بين مورياس وتادغ، لكني عرفت متى أتبع خطى شخص آخر.
"برين كالاهان".
"حسناً... برين كالاهان".
تحولت نبرة الرجل إلى الرسمية، "نحن مدينون لك بإعادة الباحث الشهير في فالياس إلينا، سالماً".
أخذ بيدي وهزها بحزم، ثم التفت مجدداً إلى مورياس.
"سيكون الأب في غاية السعادة لأنك... حي وبخير".
مال مورياس برأسه.
"يا تادغ، أنا متحمس للغاية للعودة إلى الديار والتحدث مع الأصدقاء القدامى، لكننا مبتلون ومتعبون. أيمكننا أن نجفف أنفسنا ونجلس قليلاً قبل أن نتابع؟"
"بالتأكيد".
حنى تادغ رأسه قليلاً.
"سأتحدث مع الإليلون وألطف أجواء... أنشطتكم الترفيهية المائية الأخيرة".
التفت ومشى مبتعداً. أومأت في وتادغ إحداهما للأخرى أثناء مرورهما.
بدأ تادغ يشير للجنّيات الأخريات بطريقة مسكنة، بينما اكتفت في بالتمتمة تحت نبرتها: "الوقت ضيق، أيها الحمقى، ولدينا الكثير لنتحدث عنه".