21 كانون الأول 2014. 8:19 صباحاً كايروينت، المملكة المتحدة إريو
تحول التل إلى كتلة مضيئة. احترقت عيناي بضوء الشمس. فقدت كل إدراك للزمن في تلك اللحظة. سمعت صوتاً عميقاً، متقطعاً كأنه ينادي من بعيد، قبل أن يغدو أكثر وضوحاً. كان ذكورياً بلا شك، ورقيقاً ومانحاً للحياة في الوقت نفسه. استحال ألا أشعر بالذهول التام والاتصال به:
"أستطيع رؤيتك يا برين، وكذا كل من يبحث عنك".
لم أدرِ ما أقول. تدفقت الكلمات في داخلي وعبرت كياني. أيقنت في أعماقي أن الكلمات تمثل الحقيقة، مع أنني عجزت عن استيعاب معناها:
"لا يمكن منح الهبات والنطاقات ما دمت تقيم في إريو".
اصطدمت كل كلمة بعقلي و كادت تطرحني أرضاً. بدأ الضوء يخفت و أرغمُ عينيَّ على الإغلاق في وجه تلك المشاعر الطاغية. سمعت أخيراً صوت رجل آخر مألوف ينادي باسمي.
— برين!
هل أنت بخير؟ كان تاثان إلى جواري يهزني بينما يمسك بي لكي لا أقع. شعرت أن ركبتيَّ واهنتان و غير ثابتتين. واصلت التشبث بحجر الكهنة لأحافظ على توازني.
— لا أعرف.
ماذا حدث للتو؟ بدأت عينيَّ تعودان إلى التركيز على التل. بدا مختلفاً. غمرنا ضوء الفجر مع بقاء ظلال بين الأشجار و أحجار التل. قفزت ألوان مألوفة بين تلك الظلال. ظهرت على هيئة خيوط من الهواء و الضوء تتنقل خفيفة من شيء إلى آخر. كانت هذه الألوان بقايا الصوت و الضوء اللذين كادا يبتلعانني قبل لحظات.
— أترَى ذلك؟
سألت تاثان و أنا أشعر بشيء من القلق. ابتسم لي و تفحص سفح التل حيث كنت أتابع اللون و هو يبتعد.
— أجل.
تلك هي ألوان العالم الآخر. لكن لا تقلق… أنا وحدي من أراك تستطيع رؤيتها.
— هذا هو ما يقلقني في الواقع.
— أعني أن أي شخص زار أنون — العالم الآخر — يستطيع رؤية خيوط النسيج.
— ما زلت قلقاً!
لم يكن أي شيء يقوله منطقياً بالنسبة لي. تسارع نبض قلبي و شعرت بعرق بارد يبدأ بالتجمع على جبيني. ابتعدت عن تاثان و بدأت أتراجع إلى أعلى التل. رفع تاثان يديه مطمئناً.
— أحيضتك إلى هنا هذا الصباح لأساعدك على تذكر ماضيك.
واصلت التراجع عنه بينما كان يتكلم. بدأت الهياكل والنباتات على التل تتغير حوله. عندما مرت الألوان فوق أشياء معينة بدت كأنها تنمو وتتحرك. بدا تاثان نفسه مختلفاً. كانت ملابسه تتبدل. كانت تومض بين ملابس التنزه الحديثة ورداء صوفي ريفي أكثر خشونة. فركت عينيَّ.
— أظن أن احدهم خدرني البارحة.
— لم يخدرك أحد.
خطا تاثان خطوة حذرة نحوي.
— الحجاب بين هذا العالم وذاك رقيق في هذه اللحظة.
أنت ترى كل هذا من خلال عدسة لا قواعد زمنية لها. يتفاعل النسيج أحياناً مع عالم البشر بطرق غريبة جداً. أخبرني بما تراه. كان هذا الرجل ولي أمري طوال أربع سنوات. كان أقرب شيء إلى أب أملكه في العالم لكنه بدا في تلك اللحظة غريباً تماماً عني. لذا فعلت الشيء الوحيد الذي خطر ببالي. ركضت. صعدت التل عابراً بسرعة أمام أحجار الكهنة الأخرى. استمر المسرب في الصعود صعوداً نحو قمة التل.
لم أكن أعرف إن كان تاثان يتبعني. لم أكن أسمع شيئاً سوى دقات قلبي و الصوت المتزايد لريح تصفر. بعد قليل وجدت نفسي ألتقط أنفاساً عملاقة. تحول ركضي إلى مشية بطيئة و منهكة. بينما خففت سرعتي بدأت أسمع أصواتاً في الريح.
— من هناك؟
سألت ملتفتاً و ناظراً في كل الاتجاهات. تعثرت في عجلي إلى الخلف فوق منخفض منخفض. غرست الصخور في ظهري و شعرت بندى العشب المتجمد يذوب على أي جلد مكشوف يلمس الأرض. كنت ممدداً في قاع ما لا يمكن وصفه إلا بأنه حفرة مصنوعة من صخور خشنة النحت. صارعت لأقف على قدمي و نظرت إلى العشب الطويل النامي بين الصخور. لابد أن هذا هو حصن التل المعروض الذي ذكره تاثان. كان منخفضاً من صنع البشر بوضوح.
مع مرور هذه الفكرة في عقلي عثر علي الضوء الملون مجدداً و بدأ يغير الأحجار من حولي. رأيتها تنمو وتثبت في مكانها مع الأحجار الأخرى. رأيت العشب يتراجع إلى الأسفل عبر الشقوق في الصخور. رأيت الصخور تمتد إلى الأعلى لتشكل سقفاً. انطلقت عائداً إلى أعلى الصخور قبل أن أُحتجز في الداخل. و بدأت أركض مجدداً صعوداً في التل.
— أهلاً أيها القصير.
كان للصوت النسائي الحاد لهجة غريبة. توقفت. كنت أعرف ذلك الصوت من مكان ما.
— أسمعك.
قلت للهواء. قال الصوت شيئاً رداً علي لكن الكلمات تلاشت في الريح. نظرت حول فوجدت أني بلغت قمة التل. كانت مسطحة و قد أُزيلت أشجارها بمرور الوقت. هبّت ريح مجمدة شرسة من الغرب، و إذ لم يكن شيء يعيق طريقها، انتزعت الدفء من جسدي.
— برين.
التفت لأرى تاثان خلفي. كان منحنياً من شدة تنفسه الثقيل. بوضوح كان يحاول مواكبة ركضي إلى أعلى التل. خطوت خطوة إلى الوراء.
— تاثان، أنا أفقد صوابي حقاً هنا.
أنت لست خادمي حقاً، أليس كذلك؟ توقفت لحظة لألتقاط أنفاسي و لأدع ثقل كل ما جرى يستقر في داخلي.
— بحق الجحيم، ما الذي يحدث؟
— أيكون هذا هو الوقت غير المناسب لأخبرك أن اسمي ليس تاثان حقاً؟
ضحك تاثان بخفة و توتر أمام تعابيري المصدومة.
— ألا تمزح؟
قلت محاولاً كبح إحساسي التام بالضياع.
— من بين كل الأمور التي جرت هذا الصباح، فهذا أقل ما يقلقني.
— اسمي الحقيقي هو مورياس.
لكنني حملت أسماء عديدة على مر السنين. تاثان هو في الواقع اسم استعملته حين كانت تلك الجدران الرومانية في البلدة قد بنيت حديثاً للتو. في ذلك الوقت سموني تاثيوف، لكن التأثير الروماني علق. هز كتفيه.
— لذا، أصبح تاثان.
— شكراً لك على درس التاريخ المنير هذا…
لكن أتريد حقاً مني أن أصدق أن عمرك ألفا سنة؟ ابتسم.
— أه، أنا أقدم بكثير من ذلك.
— ما الذي يحدث الآن؟
أيفقد كلانا عقله؟
— كلا.
نحن لا نفقد عقولنا، لكنني قادر على شرح بعض ما تحتاج إلى معرفته فحسب.
— حسناً.
و مع أن عالمي قد انقلب فجأة رأساً على عقب، بدا لي أن شيئاً في تلك اللحظة صحيح بطبيعته. نظرت إلى الرجل الماثل أمامي كأنني أراه للمرة الأولى، وبدا الأمر حقيقياً. أخبرتني نظراته أنه يشعر هو الآخر كأن حاجزاً قد أُزيل. تنهد.
— أولاً، لم يُقتل والداك.
— أوالداي جاسوسان أو ما شابه؟
لم أستطع منع نفسي من المقاطعة. لقد كنا نبني هذه الديناميكية طوال أربع سنوات.
— هذه إحدى تلك اللحظات…
بدأ.
— حيث أحتاج إلى العمل على حسن الاستماع؟
قلت محاولاً إتمام فكرته.
— أجل.
توقف.
— يمكنني إخبارك بالكثير فقط.
إن كان والداك ما زالا على قيد الحياة، فهما يعيشان في مكان يُدعى أنون، مع قومك.
— ماذا تقصد بقومي؟
— أنون هي مملكة سحر.
للآلهة والسيذي. قومك هم السيذي.
— مهلاً، ماذا؟
أخبرتني نظرة وجهه أنه لم يكن متأكداً من أفضل طريقة للمضي قدماً.
— امشِ معي إلى الحافة الغربية للتل.
إنها مسيرة خمس دقائق فقط. انطلقنا عابرين قمة تضاريس وولفز هيل. كانت هناك أجزاء لا أسمع فيها سوى هدير الريح، لكن كانت هناك أيضاً منخفضات كنت واثقاً من أني أسمع فيها أيضاً صوتاً حاداً ينادي باسمي. بلغنا منحدرأ عظيماً يواجه الغرب مباشرة. في الأفق، استطعت رؤية بلدة نيوبورت الكبيرة، حيث استقللنا القطار من لندن في اليوم السابق. على حافة التل كان هناك حجر آخر خشن النحت بحجم مبرّد مياه.
تحرك مورياس ليقف أمامي وأشار إلى الحجر.
— هذا هو «ليا فال»، حجر القدر.
لقد كان في رعايتي منذ فجر زمانكم. هناك حجر آخر يحمل الاسم نفسه في إيرلندا. ذاك مزيف، كما خمن كثيرون على مر السنين. أدرت عينيَّ.
— حجر القدر؟
أتمزح حقاً يا رجل؟
— برين، أرجوك لا تحطّم قدر واحدة من أعظم الذخائر قيمة في كلا العالمين.
— صحيح، يا لتفاهتي.
أرجو أن تتابع.
— يقول الأيرلنديون إن وضع ملك إيرلندا الشرعي قدميه على هذا الحجر، فإن الحجر سيطرد طرباً.
— أتحاول القول إني ملك إيرلندا الشرعي؟
سيكون ذلك رائعاً حقاً، فكرت.
— كلا.
— إذاً، أنت تفقدني.
— عُهد إليَّ بمهمة إعدادك لهذا اليوم.
اليوم سيعود حجر القدر إلى أنون، وستكون أنت من يحمله. نظرت إلى الحجر. ربما كان الشيء يزن قدر سيارة صغيرة.
— أأنت جاد يا كلارك؟
ضحكت. لابد أنه كان يمزح.
— أنا أقوى رجل في العالم!
ضربت صدري ووضعت قدمي بافتخار على الحجر. فجأة، حدث صوت تحطم هائل. بدأ كصوت حادث سيارة، ثم تحول إلى زئير ألف أسد، كلها في طبقات صوتية مختلفة. قفزت إلى الخلف فوراً، ساحباً قدمي عن الحجر. ابتسم لي مورياس.
— هناك أمر آخر ينبغي أن تعرفه عن الحجر…
تلاشى صوته. انتقل انتباهه مرة أخرى إلى المنطقة العامة للحجر المعني، وتبعته عيناه عيناي. تحدث صوت من مستوى الأرض، بنفس الصوت الحاد الذي سمعته على الريح.
— إنه ينكمش!
أعلنت المرأة الصغيرة المجنحة الواقفة حيث كان الحجر الكبير قبل لحظة واحدة فقط.
— شكراً لأنك جعلت العثور عليك سهلاً، أيها القصير.
انحنت والتقطت صخرة بحجم راحة يدي ورمتها إلي. ارتدت بلطف عن صدري وسقطت عائدة إلى الأرض بينما كان فمي مفتوحاً بدهشة. قال مورياس: — برين، اسمح لي أن أقدمك إلى فيادان إيليلون.