اليوم الرابع عشر من منتصف الشتاء، الغروب العالم العميق أنون
طيف من سقطوا ولم يحرقوا فوراً في أنحاء العالم العميق كأبطال. ترأس موكب الجثمان الملك نيت. لم أرافق موتانا بل التقيت تيثرَا وبقية مقاتلي الفوموريين عند برج التعليق في تور كروختا، وسط المدينة.
سألني رُوادان: "إذن، ماذا الآن؟"
لم يبرح كيسي منذ ساعات.
قلت: "الآن تصبح تيثرَا ملكة، وننتظر كيف سيتفاعل هاجتاور".
رفع حاجبيه.
"أنت تعلم كيف سيتفاعلان".
أقررت: "أعلم".
"أهي الحدس، أم منحتك الجديدة الحديثة التي تصنع هذا التنبؤ بالذات؟"
"منحة عرافة التوازن ليست واضحة هكذا. تتيح لي فقط رؤية التنافرات...لا تريني كيف أصلحها أو أغيرها".
فكرت فيما أرتنيه المنحة. بدا غزوُنا لبرو نا دالتا كأنه ألقى بكل شيء في الفوضى. أومأ رُوادان. وراقب الرجال والنساء الضخام يتدفقون إلى تور كروختا، حيث وضعوا موتانا الكثيرين بإجلال.
"أإذن نحن هلكى أم لا؟"
"تقريباً. لكن برين يرافق حامل الكأس مجدداً. ربما يعود بأنباء طيبة".
"تنتظر ملك الفوضى ليأتيك بأنباء طيبة؟ نحن هلكى تماماً إذن".
هززت رأسي له، كاتماً ضحكة. طالما استطعت التعويل على رُوادان لتخفيف حدة الأجواء، حتى في يوم مظلم كاليوم.
"تعال يا أحمر. حان وقت تقديم تعازينا لدوبلين ومورفرا".
سرنا إلى نهاية طريق الموكب، قرب صف المقاتلين المترجلين. كانت تيثرَا تقف هناك، محاطة بأربع نساء. ثلاث كن بشريات، والرابعة فومورية. اقتربت من النساء، محنياً رأسي احتراماً.
"السلام عليكن، منا نا مارا".
كان هذا الترحيب المعتاد "بنساء البحر"، وهي جماعة تحظى بتبجيل كبير من زوجات وأمهات وبنات الملوك، أو في إحدى الحالات، ملكة مستقبلية.
حازت هؤلاء النساء احترامي. مع أن كل امرأة في الطبقة العليا للمجتمع الفوموري كانت مؤهلة لتكون عضوة، إلا أن كون المرء امرأة وحدها لم يكن كافياً. كانت كل عضوة في منا نا مارا مقاتلة بحق. شكلن معاً حاشية تيثرَا. أولاهن كن الأرامل الناجيات الأخيرات للملك السابق نيت. كانت دوبلين أم كورب. وكانت مورفرا أم تيثرَا. أما البشْرية الثالثة، سيثلين، فكانت زوجة بالور. وكانت ابنتهما الفومورية، إثلين، أم لوغ.
شعرت بوخزة، متذكراً التواتا الذين قتلتهم دفاعاً عن النفس على إيماين أبلاخ. كن هؤلاء النساء اللاتي يمسكن بنبض الشعب في العالم العميق. وبينما قاد الملك الجيش وأصدر المراسيم الهامة، عملت منا نا مارا السحر السياسي خلف الكواليس. للأسف، علمت أن أغلب هؤلاء النساء لم كنَّ معجبات بي. ورغم التزامهن بقواعد مقاتل صارمة، لن تغفر لي سيثلين وإثلين أبداً قتل أقاربهن. ومع أنهن علمن أن لوغ قد اصطف مع التواتا بدلاً من الفوموريين، ومات في قتال عادل، فلم يقبلنني يوماً تماماً كواحد منهن.
نعمة كون المرء ابناً بالتبني، حتى لو كان لملكهن المحبوب، تصل إلى حد معين فقط. تبعت دوبلين خطى ابنها كورب، الذي تبع بالور في الهجوم. لذا عارضت دوبلين علانية خططي وخطط الملك السابق. في النهاية، ورغم أن منا نا مارا بأسرها قد أيدت غزوَنا لبرو نا دالتا، فلم يكن حلفائي الحقيقيون الوحيدون في هذه الجماعة النافذة سوى تيثرَا وأمها مورفرا.
قالت النساء بصوت واحد: "السلام عليك، ماكان".
لم يخاطبن رُوادان. كان غريباً هنا أكثر مني، وربما أكثر من أي وقت مضى، فالملك هو من رحب به رسمياً بناءً على توصيتي. وبقي خطوة خلفي، مطأطئ الرأس.
"نود تقديم احترامنا، المعلمة دوبلين والمعلمة مورفرا".
أومأت الاثنتان إقراراً. وعلقت أن هذا واحد من تبادلات عديدة خاضتاها طوال يوم طويل. التفتُّ إلى أختي بالتبني، ملتقطاً عينيها حالكيتي السواد.
"الليدي تيثرَا، أتسااءل إن كان بإمكاننا الحديث عن المراسم".
أومأت تيثرَا، ثم التفتت إلى منا نا مارا لتودعهن. سرنا نحن الثلاثة معاً نحو قاعة العرش. بعد لحظات هادئة، طرحت السؤال الذي يثقل قلبي.
"أيكون هناك منافسون؟"
حين دخلنا القاعة الحجرية وسط الصواعد العظيمة، أبطأت تيثرَا خطوها، بادية كأنها تتأمل تفاصيل الغرفة.
"ترب دوبلين أن نفصل المراسم عن الجنازة".
تمتم رُوادان: "بالتأكيد تفعل ذلك. لابد أن يضايقها ألا يؤخذ كورب بالحسبان".
"لكي نكون منصفين، مع موت ألاها وبالور، ومقتل عائلة ألاها، وتشابك عائلة بالور مع التواتا، كان كورب التالي في ترتيب السلالة".
لم أتقابل قط مع ألاها أو عائلته. حرص من قتل الأمير ألا يترك خيوطاً عالقة. اختفت زوجته أويفين وابنته بريومهايث، ولم تتركا سوى بقع دم في غرفة نوم بريومهايث. ظلت قصتهما مأساة ولغزاً. جال فكري نحو أفراد العائلة الذين عرفتهم والنقاشات المحتدمة التي جرت في هذه الغرفة بالذات.
"إلا أن كورب مذنب بقدر بالور في معارضة رغبات ملكه".
ألقت تيثرَا نظرة حاسمة عليَّ.
"لن تتدخل دوبلين في المراسم. لمَ تسأل عن المنافسين؟"
عرفتني تيثرَا جيداً... وعرفت أمر منحتي، وغالباً ما اشتبهت في أن سبب سؤالي هو خوفي من المستقبل القريب، الذي أراه غارقاً في التنافر.
"في الأعلى، كنت أجرب شكل تأمل ذكره أخي. حين أزلت كل المشتتات، بدأت أرى...محاليق. هذه أفضل طريقة أصفها بها. كأن الواقع ضبابي. وانطلقت المحاليق نحو الأفق، إلى البحر".
سألت ملكتي المستقبلية: "أهكذا ترى التنافرات عادة؟"
قذف رُوادان بطرفة: "هكذا يرى المرء مجنوناً عادة".
ألقت تيثرَا نظرة قذرة على رُوادان.
"أتساءل إن كانت هذه المحاليق تحاول إراءتك كيف سحاول نوادا جلب الهلاك إلى جزرنا".
أقريت: "تساءلت الأمر ذاته. أعتقد حقاً أنها تمثل أسطولاً يبحر نحو إينيس فير فالجا، لكن..."
قلب رُوادان عينيه وجلس على إحدى الطاولات الحجرية النصفية: "لمَ يوجد حرف لكن دائماً؟"
تابعت، وشعرت بقشعريرة تسري في عمودِي الفقري: "المحاليق هنا الآن، في هذه الغرفة".
أومأت تيثرَا لنفسها: "أفهم. أياً ما كان سيحدث، سيحدث في هذه الغرفة. أثق في استشرافك، بيستين. لقد خدمنا جيداً. لكن هل تفقدت العراف مؤخراً؟"
تمتم رُوادان: "الشيء اللعين لا يعمل مع نوادا بعد الآن. كنت أحاول طوال الظهيرة. ربما لدي ميل للتجسس على الناس... أي فرصة لاستعارة ذلك الشيء حين تنتهي الحرب؟"
جاء دوري لأقلب عيني. وقبل أن أرد، دخل حاملو نعش الملك نيت قاعة العرش. راقبنا في صمت حين وضعوا تابوته المزخرف على محرقة الجثث وسط الغرفة، أسفل الثريا الهائلة المليئة بالشموع. انحدر الضوء من الفتحة الكبيرة فوق الثريا إلى داخل الغرفة. علمت أن الدخان سينفث عبر الفتحة حين تُشعل محرقة الملك. حين غادر حاملو النعش الغرفة، التقطت تيثرَا حديثنا.
"لا أرى كيف تساعدنا هذه المعلومة".
قلت: "موافق. فقط...كوني مستعدة لأي شيء خلال المراسم".
هزت تيثرَا رأسها. ظل وجهها جاداً للحظة وجيزة قبل أن ترميني بابتسامة ماكرة سريعة.
"تعلم، لم يفوت الأوان لترشيحك بدلاً مني".
مزح رُوادان مؤدياً تحية المسدسين المزدوجة: "أَتظن حقاً أن ذلك سيكون جيداً لغروره؟!"
أقريت: "لا أريدها أكثر مما تريدها أنت. لكنك على الأقل تعلم أنك ستملك رعيّة مخلصاً واحداً".
ابتسمت ناظراً إلى رُوادان.
"اجعلها واحداً ونصفاً".
حول رُوادان أصابعه المسدسة إلى أصابع وسطى. دَقَّ جرس في أنحاء المدينة، وبدا صوته الخافت واضحاً حتى عبر بابي قاعة العرش المزدوجين الثقيلين. نظر بعضنا إلى بعض في صمت، عالمين أن وقتنا معاً قد انقضى. قريباً ستنتليء الغرفة بالوجهاء وأقارب الملك السابق. تأملت ذراعي تيثرَا القويتين وضفائيرها الشقراء الجميلة، وبريق أورنا، سيفها ذي الصيت الذائع. نظرت إلى صديقي ومحل ثقتي، ملكة الفوموريين المستقبلية، مراقباً بذعر المحاليق الضبابية تنمو وتلتئم وتطوق كلاً منها ورُوادان.