الأرض الأولى الفصل 23 — الأرض الأولى 23

اقرأ الأرض الأولى الفصل 23 — الأرض الأولى 23 باللغة العربية على مانجا تايم.

لم يكن القسم القديم مجرد غرفة منسية داخل المجمع، بل كان أشبه بجزء من الماضي أُغلق بعناية وظل ينتظر من يملك الجرأة على فتحه. كانت الأجهزة القديمة تعمل بصعوبة، تصدر أصواتاً متقطعة وسط الظلام، بينما بدأت الشاشات التي غطاها السواد منذ سنوات تستعيد بيانات لم تظهر في أي نظام حديث، وكأن المعلومات كانت مدفونة هنا طوال هذا الوقت وتنتظر اللحظة التي يعود فيها أحد للبحث عنها.

وقف عيسى أمام الشاشة الرئيسية يراقب الملفات وهي تظهر تباعاً، بينما بقي علي وليان خلفه يتابعان ما تكشفه البيانات. لم تكن السجلات تتحدث عن مراحل تطوير المشروع كما توقعوا، بل عن أمور أقدم بكثير، أمور لم تصل إلى التقارير الرسمية التي اعتمد عليها الجميع طوال السنوات الماضية. كانت معظم الملفات مرتبطة بالأرض نفسها، بالأرض التي يستعدون للوصول إليها بعد سبعة أيام.

اقتربت ليان من الشاشة وبدأت تراجع التواريخ والرموز بعناية. وبعد لحظات قالت إن هذه ليست خططاً للمستقبل، بل سجلات لما حدث بالفعل.

رفع عيسى نظره إليها، ثم عاد إلى الشاشة. لم يكن يحتاج إلى تفسير طويل حتى يفهم خطورة ما أمامه. البيانات لم تكن توقعات وضعها علماء قبل سنوات، بل آثاراً لأحداث وقعت قبل أن يبدأ العد التنازلي الذي يعرفه الجميع.

اقترب علي من الشاشة وبدأ بمراجعة الملفات، إلا أن عيسى لاحظ أمراً لم يستطع تجاهله. لم تظهر على وجه علي دهشة الرجل الذي يرى هذه المعلومات للمرة الأولى، بل كان يتعامل معها بحذر رجل يعرف أن بعض الأشياء لا ينبغي أن تظهر أمامه.

قال عيسى إن علي يعرف هذه الملفات.

توقف علي للحظة، ثم أجاب بأن معرفة الشخص بشيء لا تعني بالضرورة أنه كان يخفيه عن الآخرين.

لم تعجب عيسى الإجابة. كانت لا نفياً واضحاً ولا اعترافاً صريحاً، وإنما محاولة لإبعاد السؤال عن مكانه الحقيقي. أخبره أنه لم يسأله إن كان يعرف الملف، بل سأله إن كان يعرف ما وراءه.

ساد الصمت بينهما.

وبعد لحظات قال علي إن هناك أشياء لو عرفها عيسى في وقت أبكر، فربما اتخذ قرارات مختلفة.

ظل عيسى ينظر إليه قليلاً. كان يعرف أن علي لا يتحدث بهذه الطريقة إلا عندما تكون الحقيقة أثقل من أن تُقال دفعة واحدة، لذلك لم يضغط عليه أكثر، وعاد إلى الشاشة التي بدأت تعرض مجموعة جديدة من البيانات المرتبطة بالانتقال.

كانت التواريخ أقدم مما توقعوا، وبعضها يعود إلى سنوات سبقت الإعلان الرسمي عن المشروع.

فتحت ليان أحد الملفات، واستمرت في القراءة حتى توقفت فجأة. أخبرت عيسى أن هناك شيئاً مهماً في الداخل، ثم فتحت الصفحة أمامه.

ظهر عنوان بسيط.

الرحلة الأولى.

بدأت البيانات بالظهور تباعاً. تجهيزات، فحوصات، أسماء أفراد، تقارير عن المركبات، واختبارات للأنظمة. لم يكن في البداية ما يثير الشك، لكن كلما تقدمت الصفحات ظهرت تفاصيل جعلت الصمت في الغرفة أثقل.

كانت هناك قائمة أسماء.

وتحتها تاريخ قديم يسبق المشروع الذي عرفوه بسنوات.

ثبت عيسى نظره على القائمة. لم يحتج إلى أحد ليشرح له معناها. هؤلاء الأشخاص سبقوهم إلى الأرض.

سألت ليان أين هم الآن إن كانوا قد وصلوا فعلاً.

لم يجب أحد.

كان غياب أي سجل لعودتهم كافياً لخلق الاحتمال الأسوأ.

التفت عيسى نحو علي وسأله إن كان يعرف بالأمر.

بقي علي ينظر إلى الأسماء لبعض الوقت قبل أن يعترف بأنه كان يعرف بوجود رحلة قبلهم، لكنه لم يكن يعرف ما حدث لأفرادها بعد الوصول.

سألته ليان عن سبب إخفائه الأمر، فأجاب بأن معرفة وجود أشخاص وصلوا إلى الأرض لا تعني أنهم سيجدون إجابة هناك. ثم سكت قليلاً قبل أن يضيف أن الإنسان أحياناً يبحث عن شيء طوال حياته، ثم يكتشف متأخراً أن الشيء نفسه كان سبباً في ضياع من بحثوا عنه قبله.

لم يرد عيسى.

كان ينظر إلى الأسماء وكأنه يحاول تخيل أولئك الأشخاص قبل أن يختفي أثرهم. كانوا في يوم من الأيام بشراً يحملون الخوف والأمل نفسيهما، وربما وقفوا أمام نفس الأسئلة التي يقف أمامها الآن. ومع ذلك لم يبقَ منهم سوى بضعة أسماء داخل ملف قديم.

وفي تلك اللحظة اشتغلت إحدى الشاشات.

لم يلمسها أحد.

ظهرت صورة قديمة ومشوشة لشخص يقف أمام إحدى مركبات الانتقال الأولى، بينما كان التاريخ الموجود أسفل التسجيل يعود إلى سنوات بعيدة.

خرج صوت الرجل من السماعات وأخبر من سيشاهد التسجيل أن وصوله إلى هذه المرحلة يعني أنهم قرروا الذهاب رغم كل شيء. ثم حذرهم من النظر إلى الأرض باعتبارها بداية جديدة، فهي تحمل آثار أشخاص سبقوهم إليها.

انقطع التسجيل فجأة.

بقيت الشاشة مضاءة لثوانٍ قبل أن تعود إلى السواد.

لم يتحدث أحد.

كان السؤال الذي تركه التسجيل أبسط من أن يحتاج إلى صياغة، وأثقل من أن يملك أحد إجابة عنه.

ماذا وجد الذين سبقوهم؟

عاد عيسى إلى الملفات وبدأ يبحث عن أي سجل آخر يمكن أن يوضح مصير الرحلة الأولى. وبينما كان يقلب البيانات ظهر ملف جديد لم يكن موجوداً قبل لحظات.

سجل صادق.

توقفت يد عيسى فوق لوحة التحكم.

لم يكن الاسم مجرد مفاجأة، بل كان دليلاً على أن صادق كان أقرب إلى بداية هذه القصة مما أخبره طوال حياته.

فتح الملف.

ظهرت شاشة سوداء.

ثم انطفأت الأجهزة كلها في اللحظة نفسها.

ساد الظلام داخل القسم، وبعد ثوانٍ ظهرت جملة واحدة وسط الشاشة.

لقد كان يعلم.

ظل عيسى واقفاً دون حركة.

لم يسأل من المقصود، ولم يحتاج إلى ذلك. فقد بدأت كل الطرق تقوده إلى الحقيقة نفسها. الأسرار التي يطاردها لم تولد مع المشروع، ولم تبدأ عندما بدأ العد التنازلي، بل كانت موجودة قبلهم بسنوات طويلة، وربما قبل أن يعرف أي واحد منهم أن هذه الرحلة ستصبح جزءاً من حياته.

وفي الخارج استمر العد التنازلي في الانخفاض.

سبعة أيام.