بعد ظهور حقيقة الرحلة الأولى، لم يعد المجمع كما كان. لم تتغير الجدران، ولم تتوقف الأجهزة عن العمل، ولم يظهر شيء واضح يدل على وجود خطر قريب، لكن نظرة العاملين إلى المكان تغيرت بالكامل. أصبح كل ممر وكل غرفة وكل شاشة تحمل احتمالاً جديداً، وكأن السنوات التي عاشوها داخل هذا المجمع لم تكن سوى طبقة رقيقة تخفي تحتها تاريخاً لم يكن أحد مستعداً لقراءته.
لم تعد الأرض مجرد وجهة ينتظرون الوصول إليها.
أصبحت سؤالاً لا يعرف أحد أين تنتهي إجابته.
وقف عيسى أمام الشاشات القديمة في القسم المحظور، يراجع التقارير التي تركها أفراد الرحلة الأولى. كانت الملفات مليئة بتفاصيل بدت في البداية بلا أهمية؛ ملاحظات عن الرحلة، تغيرات في الأنظمة، أوامر متفرقة، وقراءات لم يفهم أحد سبب تسجيلها. لكن مع مرور الوقت بدأ عيسى يلاحظ شيئاً يتكرر بينها جميعاً.
كل الخيوط كانت تقود إلى لحظة واحدة.
لحظة اختفاء الرحلة الأولى.
لم يكن ما حدث عطلاً تقنياً، ولم يكن حادثاً بسيطاً كما حاولت التقارير الرسمية أن تصفه. شيء ما وقع بعد وصولهم إلى الأرض، شيء جعل أفراد الرحلة يقطعون الاتصال، ثم اختفت أخبارهم وكأنهم لم يكونوا موجودين من الأساس.
دخل علي إلى الغرفة بصمت، ووضع مجموعة من الملفات القديمة فوق الطاولة أمام عيسى.
قال إنه وجدها في الجزء السفلي من الأرشيف.
رفع عيسى عينيه عن الشاشة وسأله كيف عرف مكانها.
توقف علي للحظة قصيرة، وكأن السؤال كان متوقعاً منذ البداية، ثم أجاب بأنه بحث عنها من قبل.
عاد الصمت بينهما.
لم تكن الإجابة اعترافاً صريحاً، لكنها لم تكن شيئاً يمكن لعيسى تجاهله أيضاً.
نظر إلى الملفات ثم قال إن علي كان يعرف بوجود الرحلة الأولى.
نظر علي إلى الشاشة التي تحمل أسماء أفرادها، وأخبره أنه كان يعرف أنها حدثت، أما ما جرى بعدها فلم يكن يعرفه بالكامل.
لم يعجبه الجواب، لكنه لم يجادل. كان يعلم أن علي لا يخفي المعلومات من دون سبب، وأن وراء صمته شيئاً لم يصل إليه بعد.
في تلك اللحظة دخلت ليان وهي تحمل جهازاً صغيراً يحتوي على مجموعة من البيانات القديمة. وضعته أمام عيسى وفتحت أحد الملفات، ثم أخبرته أنها وجدت شيئاً في سجلات الاتصال.
ظهرت أمامهم مجموعة من الإشارات المتقطعة.
أوضحت ليان أن الاتصال مع الرحلة الأولى لم ينقطع فوراً بعد وصولهم، بل إن النظام استقبل إشارات من الأرض لفترة قصيرة قبل أن تختفي تماماً.
نظر عيسى إليها وسألها عن سبب غياب هذه الإشارات من التقارير الرسمية.
أجابته بأن شخصاً حذفها.
لم يكن الحذف مجرد محاولة لإخفاء معلومة، بل كان دليلاً على أن شخصاً ما كان يتابع ما حدث بعد وصول الرحلة، ثم قرر أن يمنع الآخرين من معرفة الحقيقة.
بدأت ليان بتشغيل التسجيلات التي بقيت في النظام. ظهر صوت قديم وسط تشويش كثيف، ضعيفاً في البداية، لكنه كان واضحاً بما يكفي لفهم كلماته.
أخبر التسجيل من سيصل إليه أن سماعه يعني أنهم لم يتمكنوا من العودة.
بقي الجميع صامتاً.
ثم تابع الصوت بأنهم عندما وصلوا إلى الأرض اكتشفوا أن كل ما قيل لهم لم يكن كاملاً.
انتظر عيسى بقية الرسالة، لكن التشويش ازداد فجأة حتى كاد يبتلع الكلمات، ثم عاد الصوت للحظات قصيرة.
لا تبحثوا عنا.
توقفت الرسالة.
ثم ظهرت الجملة الأخيرة بصوت أكثر ضعفاً:
ابحثوا عن السبب الذي جعلنا لا نعود.
انتهى التسجيل.
وبقي الصمت في الغرفة أطول من التسجيل نفسه.
في الخارج كانت الاستعدادات للانتقال تتسارع. لم يعد هناك وقت لإعادة الحسابات أو تأجيل الخطط، فقد اقترب الموعد وأصبح آلاف الأشخاص يعتمدون على القرارات التي تُتخذ داخل هذه الجدران.
وفي القاعدة العسكرية، وقف حميد أمام الجنود يراجع معهم التعليمات الأخيرة. لم يخبرهم بكل ما عرفه القادة، لكنه لم يحاول أيضاً إخفاء حقيقة أن الرحلة القادمة لن تكون مجرد انتقال إلى مكان جديد.
قال لهم إن الشيء الذي لا يعرفونه قد يكون أخطر من العدو الذي يرونه، ولذلك لا ينبغي أن يجعلوا جهلهم سبباً للخوف.
كانت كلماته بسيطة، لكنها حملت ثقل سنوات قضاها بين الجنود والحروب، سنوات تعلم فيها أن الخوف لا يأتي دائماً من الخطر نفسه، بل من الفراغ الذي يتركه الجهل خلفه.
عاد عيسى إلى ملف صادق بعد ذلك. كان هناك جزء مغلق بطريقة مختلفة عن بقية الملفات، وكأن الشخص الذي أنشأه لم يكن يريد حماية المعلومات من الآخرين فحسب، بل أراد منعها من الظهور حتى لو بقي النظام موجوداً.
حاول فتحه عدة مرات، حتى استجاب النظام أخيراً.
ظهرت صفحة واحدة.
لم يكن فيها تقرير طويل ولا تفاصيل كثيرة.
كان فيها اسم واحد من أفراد الرحلة الأولى.
وتحته جملة:
تم العثور عليه.
ثبت عيسى نظره على الكلمات.
لم يكن وجود ناجٍ هو أكثر ما أثار قلقه، بل حقيقة أن شخصاً ما عرف بوجوده وأخفى الأمر طوال هذه السنوات.
رفع عينيه نحو علي.
هذه المرة لم يسأله شيئاً.
كان يعرف أن علي يحمل جزءاً من الحقيقة، وربما أكثر مما يريد الاعتراف به.
قالت ليان إن وجود شخص بقي هناك يعني أنه قد يعرف ما حدث للبقية.
أجابها عيسى بأن الأمر قد يكون أخطر من ذلك، فربما كان يعرف السبب الذي جعلهم يختفون.
وقبل أن يكمل، تغيرت الشاشة أمامهم.
لم يلمسها أحد.
ظهرت رسالة جديدة من ملف الرحلة الأولى، ثم استقرت الكلمات في منتصف الشاشة.
لم نكن أول من وصل.
قرأ عيسى الجملة دون أن يتحرك.
هذه المرة لم تكن المفاجأة في أن هناك من سبقهم إلى الأرض. ذلك أصبح حقيقة يعرفونها الآن. المفاجأة كانت في المعنى الذي حملته الكلمات.
فالذين سبقوهم لم يكونوا بالضرورة أول من وطئت قدماه تلك الأرض.
كان هناك من جاء قبلهم.
أشخاص لم تذكرهم السجلات.
وأسماء لم تصل إلى أي ملف.
وتاريخ حاول أحدهم أن يمحوه من الوجود.
بقي عيسى أمام الشاشة، بينما بدأ سؤال جديد يتشكل في ذهنه.
من كان هناك قبل الرحلة الأولى؟
ولماذا كان على أحد أن يخفي وجودهم؟
في مكان آخر من المجمع، استمر العد التنازلي في الانخفاض بصمت.
ستة أيام.