الأرض الأولى الفصل 22 — الأرض الأولى 22

اقرأ الأرض الأولى الفصل 22 — الأرض الأولى 22 باللغة العربية على مانجا تايم.

لم يكن عيسى من الأشخاص الذين تظهر عليهم الحيرة بسهولة؛ فقد اعتاد طوال حياته أن يخفي أفكاره خلف هدوء ثابت يصعب على معظم الناس اختراقه. لكن بعد ظهور اسم صادق في التسجيل القديم، حدث شيء مختلف. لم يكن تغيراً واضحاً يمكن لأحد أن يلاحظه بسهولة، بل مجرد لحظة قصيرة توقف فيها عن الحركة، وكأن عقله عاد إلى مكان بعيد لا يستطيع أحد الوصول إليه.

لاحظ علي ذلك، لكنه لم يقل شيئاً. كان يعرف أن عيسى لا يحب الحديث عن الماضي، وأن هناك أبواباً معينة في حياته لم يقترب منها أحد، حتى أولئك الذين عملوا معه لسنوات طويلة. وبعد صمت امتد لثوانٍ، قال علي بهدوء:

“هل كنت تعرف أن هناك تسجيلات كهذه؟”

رفع عيسى نظره إليه. كانت عيناه هادئتين، لكن هدوءه هذه المرة كان مختلفاً، وكأنه يخفي خلفه أسئلة أكثر مما يخفي إجابات.

“لا.”

توقف للحظة، ثم أضاف:

“لكن يبدو أن هناك من كان يعرف أكثر مني.”

بقي علي صامتاً. لم يعجبه معنى الجملة، لأنه أدرك أن عيسى لم يكن يسأل عن التسجيل وحده، بل عن كل شيء مرتبط به؛ عن الأشخاص الذين أخفوا المعلومات، وعن السبب الذي جعل الماضي يعود إلى الواجهة في هذا الوقت بالذات.

خرج عيسى من الغرفة متجهاً نحو الأرشيف القديم للمجمع، وهو قسم لم يعد يستخدم إلا نادراً. كان هذا المكان يحتفظ بالملفات التي تعود إلى السنوات الأولى للمشروع، قبل أن يتخذ الشكل الذي يعرفه الجميع اليوم. تبعه علي بعد لحظات من دون أن يطلب منه ذلك، ولم يمنعه عيسى أيضاً، وكان ذلك وحده كافياً ليعرف علي أن الأمر تجاوز حدود التحقيق العادي.

كانت غرف الأرشيف باردة وخافتة الإضاءة، والأجهزة القديمة مغطاة بطبقة رقيقة من الغبار. لم يشبه المكان المجمع الحديث في الخارج، بل بدا كأنه بقايا مرحلة حاول الجميع دفنها تحت طبقات من الزمن والتقارير الجديدة.

توقف عيسى أمام أحد الخزائن الإلكترونية، ومرر يده على سطحه قبل أن يقول:

“كل شيء بدأ هنا.”

نظر علي حوله، ثم قال:

“غريب… كنت أعتقد أن هذا المكان لم يعد مهماً لأحد.”

فتح عيسى الخزانة وأجاب من دون أن يلتفت إليه:

“وهذا ما جعل إخفاء الأشياء هنا أسهل.”

ظهرت مجموعة من الملفات القديمة أمامه، وبدأ يقلب بينها واحداً تلو الآخر. كانت بعضها تتحدث عن المراحل الأولى للمشروع، وبعضها الآخر عن الأشخاص الذين شاركوا في تأسيسه، لكن شيئاً واحداً بدأ يتكرر في أكثر من ملف.

اسم واحد.

صادق.

توقفت يد عيسى فوق الشاشة للحظة، بينما بقي علي ينظر إلى الاسم بصمت.

لاحظ عيسى ذلك وقال:

“أنت تعرف شيئاً.”

رفع علي عينيه إليه، ثم أجاب بهدوء:

“لو كنت أعرف، هل كنت سأدعك تصل إلى هنا؟”

كانت إجابة منطقية، لكنها لم تكن كاملة، وهذا بالضبط ما أزعج عيسى.

قال:

“هذا ليس ما سألت عنه.”

ساد الصمت بينهما، ولم يحاول أي منهما كسره. وبعد لحظات قال علي:

“هناك أشياء لا أخفيها عنك لأنني أريد خداعك… بل لأن معرفتك بها قد تغير كل شيء.”

ثبت عيسى نظره عليه، محاولاً فهم ما وراء كلماته، لكنه لم يجد سوى الهدوء المعتاد الذي يتقنه علي أكثر مما ينبغي.

قبل أن يزداد الحديث، وصلت رسالة إلى جهاز عيسى.

كانت من ليان.

بعد دقائق اجتمع الثلاثة في غرفة التحقيق، حيث كانت ليان تقف أمام شاشة كبيرة امتلأت بالسجلات والبيانات القديمة. وما إن دخل عيسى حتى قالت:

“وجدت شيئاً.”

اقترب منها، فظهرت أمامه مجموعة من الملفات التي تم تعديلها على فترات متباعدة.

قالت ليان:

“الشخص الذي كان يعدل الملفات لم يكن يحذف المعلومات فقط.”

سألها عيسى:

“ماذا كان يفعل؟”

أجابت:

“كان يترك علامات.”

تدخل علي وسأل:

“لماذا؟”

نظرت ليان إلى البيانات قبل أن تقول:

“لأنه كان يريد أن يعرف شخص ما أين يبحث.”

ساد الصمت.

كان معنى ذلك أخطر من مجرد إخفاء المعلومات. الخائن لم يكن يحاول محو الحقيقة بالكامل، بل كان يترك خلفه خيطاً، خيطاً يقود شخصاً مجهولاً نحو شيء لم يكن من المفترض أن يجده.

قال عيسى:

“إلى ماذا؟”

لم تجب ليان مباشرة، بل فتحت ملفاً آخر.

ظهرت أمامهم خريطة قديمة للمجمع، تختلف عن المخططات الحديثة التي يعرفونها. كان هناك قسم كامل لم يعد يظهر في أي خريطة رسمية.

قالت ليان:

“إلى هذا.”

اقترب عيسى من الشاشة، وبقي ينظر إلى القسم المحاط بعلامة حمراء.

قال:

“هذا القسم لم يعد موجوداً.”

أجابته ليان:

“في السجلات الرسمية.”

ثم أشارت إلى البيانات القديمة.

“لكن في النظام الأصلي… ما زال موجوداً.”

في الوقت نفسه، كان حميد في القاعدة العسكرية يراجع تسجيلات المنطقة المحيطة. وبعد ساعات من المراقبة، اكتشف أمراً جعل الوضع أكثر تعقيداً؛ الشخص الذي كان يراقب القاعدة لم يكن يحاول الدخول إليها، ولم يكن يراقب الأسوار أو مخازن الأسلحة.

كان يراقب مسارات الجنود، وأوقات الحراسة، ونقاط الضعف.

قال أحد الجنود:

“هل نتحرك؟”

بقي حميد ينظر إلى الشاشة للحظات، ثم أجاب:

“لا.”

توقف قليلاً قبل أن يضيف:

“أريد أن أعرف من الذي يملك هذا القدر من المعرفة.”

عاد إلى المجمع في الوقت نفسه تقريباً، بينما كان عيسى يستعد لدخول القسم القديم برفقة ليان وعلي. وقبل أن يفتح الباب، ظهرت رسالة جديدة على الشاشة أمامهم.

لم تأتِ من النظام الحالي.

بل خرجت من ملف قديم فُتح من تلقاء نفسه.

ظهرت صورة تسجيل لرجل من أحد الجنرالات.

لكن المفاجأة لم تكن في هويته.

بل في التاريخ الموجود أسفل التسجيل.

كان أقدم من بداية المشروع بسنوات.

اشتغل التسجيل، وخرج صوت الرجل وسط تشويش خفيف:

“إذا كنت تشاهد هذا الآن، فهذا يعني أن الخطة لم تنتهِ كما أردنا.”

توقفت الصورة للحظات، ثم عادت من جديد.

ظهر سطر أخير على الشاشة:

“واحد منكم كان يعرف الحقيقة منذ البداية.”

لم يتحرك عيسى.

نظر إلى أسماء الجنرالات الموجودة في الملفات، ثم التفت ببطء نحو علي.

لم يقل شيئاً.

فالسؤال لم يعد: من الذي يخفي الحقيقة؟

بل أصبح أكثر خطورة.

من كان يعيش معها طوال هذه السنوات؟

وفي مكان آخر من المجمع، استمر العد التنازلي بصمت.

تسعة أيام.