الأرض الأولى الفصل 19 — الأرض الأولى 19

اقرأ الأرض الأولى الفصل 19 — الأرض الأولى 19 باللغة العربية على مانجا تايم.

حلّ الليل على المجمع البحثي بهدوءٍ بدا غريباً بعد الأيام المضطربة التي مرّت على الجميع. كانت الأضواء البيضاء تنعكس فوق الممرات الطويلة، بينما استمرت آلاف الأجهزة بالعمل دون توقف، وكأن شيئاً لم يحدث. لكن الحقيقة كانت مختلفة تماماً، فكل شخص داخل هذه الجدران كان يشعر أن المشروع لم يعد كما كان قبل ظهور الرسالة.

في الطابق السفلي، حيث يقع الأرشيف القديم، جلس عيسى وحيداً بين عشرات الملفات التي تراكم عليها الغبار عبر السنوات. كان المكان شبه مهجور، إذ استبدلت أغلب السجلات الورقية بأنظمة رقمية منذ زمن بعيد، لكن بعض الملفات القديمة بقيت محفوظة كما هي، وكأن أصحابها أرادوا أن يتركوا خلفهم أثراً لا يمكن محوه بضغطة زر.

أعاد عيسى فتح الملف الذي وجده في اليوم السابق.

كان ملفاً عادياً في ظاهره.

اسم.

صور.

تقارير.

وتوقيعات قديمة.

لكن ذلك الاسم لم يكن عادياً بالنسبة له.

كلما قرأ الصفحات ازداد اقتناعاً بأن هناك شيئاً ناقصاً في الرواية الرسمية التي سُجلت داخل الأرشيف.

فالوثائق تؤكد أن الرجل غادر المشروع منذ سنوات طويلة، وبعضها يذكر أنه توفي بعد ذلك بمدة قصيرة، ومع ذلك كانت آثار نشاطه تظهر في أماكن لا ينبغي أن تظهر فيها.

بقي عيسى يراجع الوثائق حتى تجاوزت الساعة منتصف الليل.

ثم انتقل إلى النظام المركزي للمشروع.

وبدأ يقارن بين الملفات القديمة والسجلات الحديثة.

استغرق الأمر ساعات.

لكن النتيجة جعلته يتوقف أخيراً.

ظهر أمامه سجل صغير مهمل بين ملايين السجلات الأخرى.

سجل لم يلفت انتباه أحد.

ولم يحاول أحد البحث عنه.

أما عيسى فقد ظل ينظر إليه بصمت.

لأن السجل احتوى على معلومة واحدة فقط.

آخر تعديل مرتبط بالإشارة التي سبقت ظهور الرسالة.

وعندما انتقل إلى خانة هوية المستخدم المسؤول عن ذلك التعديل…

ظهر الاسم نفسه.

الاسم الموجود داخل الملف القديم.

الاسم الذي يفترض أنه اختفى من المشروع منذ سنوات.

بقي عيسى يحدق بالشاشة دون أن تتغير ملامحه.

لكنه لم يغلق النافذة هذه المرة.

بل بدأ يبحث أعمق.

وأعمق.

وأعمق.

حتى وصل إلى شيء آخر.

شيء لم يكن يتوقع العثور عليه.

في الوقت نفسه كانت ليان داخل مكتبها الهادئ في مقر الاستخبارات العامة.

أمامها عشرات التقارير المفتوحة، وخرائط رقمية، وسجلات اتصالات تعود إلى الأشهر الماضية.

منذ أيام وهي تجمع الخيوط المتفرقة بصبر شديد، دون أن تسمح للحماس أو التسرع بالتأثير على حكمها.

وكانت تعرف أن أي خطأ صغير قد يجعلها تتهم الشخص الخطأ.

لكن الليلة بدت مختلفة.

لأن إحدى القطع المفقودة عادت أخيراً إلى مكانها.

توقفت عيناها عند تقرير معين.

ثم انتقلت إلى تقرير آخر.

ثم إلى سجل ثالث.

وببطء بدأت الصورة تكتمل.

لم يكن دليلاً نهائياً.

لكنه كان أكثر من مجرد شك.

أكثر بكثير.

استندت إلى مقعدها وأغلقت الملف ببطء.

لأول مرة منذ بدء التحقيق شعرت أنها اقتربت من الحقيقة.

الحقيقة التي كانت تبحث عنها منذ أسابيع.

وحينها فقط أدركت أمراً لم يعجبها.

لو كانت استنتاجاتها صحيحة…

فإن الخطر أقرب مما ظنت.

أما علي فكان يقف كعادته أمام النافذة الواسعة لمكتبه.

امتدت أضواء المدينة أسفل منه كبحرٍ من النجوم المتناثرة، بينما كانت عقارب الساعة تقترب من منتصف الليل.

وصلته عدة تقارير خلال الساعات الماضية.

قرأها كلها.

ثم أعاد قراءتها مرة أخرى.

ومع كل تقرير جديد كان شعور قديم يعود إليه ببطء.

شعور لم يعرفه إلا قبل المعارك الكبرى.

ذلك الإحساس الصامت الذي يخبر القادة أن شيئاً ما يتحرك خلف الستار، حتى لو لم يروه بعد.

رفع نظره نحو السماء المظلمة خلف الزجاج.

ولم يعلم أن شخصين آخرين في المدينة نفسها توصلا في الليلة ذاتها إلى اكتشافين قد يغيران كل شيء.

عاد عيسى إلى الشاشة أمامه.

كانت القاعة خالية.

والصمت يملأ المكان.

أما السجل الذي وجده فما زال مفتوحاً أمامه.

قرأه مرة أخرى.

ثم للمرة الثالثة.

لم يكن هناك خطأ.

ولم يكن هناك أي مجال لسوء الفهم.

كل شيء كان واضحاً.

واضحاً بصورة مزعجة.

استقرت عيناه على تاريخ قديم مسجل في أسفل الصفحة.

ثم انتقل إلى تاريخ آخر.

وأخيراً فهم سبب الانزعاج الذي لازمه منذ ظهور الرسالة.

لأن المشكلة لم تكن أن شخصاً مجهولاً وصل إلى النظام.

ولم تكن أن جهة ما تراقب المشروع.

المشكلة الحقيقية…

أن صاحب الأثر الذي وجده الليلة كان مسجلاً في السجلات الرسمية على أنه ميت منذ سنوات.

ومع ذلك…

ما زال يترك بصماته داخل المشروع حتى اليوم.

اثنا عشر يوماً.