الأرض الأولى الفصل 18 — الأرض الأولى 18

اقرأ الأرض الأولى الفصل 18 — الأرض الأولى 18 باللغة العربية على مانجا تايم.

انقضى يومان آخران دون أن تتكرر الرسالة أو تظهر حادثة جديدة، إلا أن ذلك لم يمنح أحداً شعوراً بالراحة. على العكس، كان الهدوء الذي خيّم على المجمع البحثي أشبه بذلك السكون الذي يسبق العواصف الكبرى. فكل من شهد ما حدث داخل القاعة قبل يومين كان يعلم أن الأمور لم تنتهِ، وأن اختفاء الرسالة لا يعني اختفاء الأسئلة التي خلفتها وراءها.

داخل المختبر المركزي استمرت الفرق البحثية في عملها كالمعتاد ظاهرياً، لكن التوتر أصبح جزءاً من الحياة اليومية. لم تعد الأحاديث تدور حول نجاح المشروع أو فشله، بل حول ذلك المجهول الذي ظهر فجأة داخل أكثر الأنظمة تعقيداً على وجه الأرض ثم اختفى دون أن يترك تفسيراً واحداً خلفه.

أما عيسى فقد كرّس معظم وقته لمراجعة البيانات المسجلة قبل ظهور الرسالة. لم يكن مهتماً بالكلمات التي ظهرت على الشاشة بقدر اهتمامه بما سبقها. ففي رأيه، الرسالة كانت نتيجة، أما السبب الحقيقي فكان مختبئاً في مكان آخر.

جلس لساعات طويلة أمام الشاشات وهو يعيد التسجيلات والقراءات مرة تلو الأخرى. ومع كل مراجعة كانت تتلاشى عشرات الاحتمالات حتى بقي احتمال واحد فقط.

شيء ما ظهر داخل النظام قبل الرسالة بلحظات.

لم يكن اختراقاً.

ولم يكن أمراً أُرسل من الخارج.

بل إشارة قصيرة جداً خرجت من أحد الأنظمة الفرعية القديمة المرتبطة بالمراحل الأولى من المشروع. كانت لحظة عابرة كادت تضيع بين ملايين البيانات الأخرى، لكن تكرارها في أكثر من سجل لفت انتباهه أخيراً.

توقف عيسى عن العمل للحظات.

ثم نهض متجهاً إلى أرشيف قديم نادراً ما يستخدمه أحد.

هناك كانت تُحفظ الملفات الأولى للمشروع.

ملفات تعود إلى السنوات التي سبقت بناء المجمع نفسه.

بدأ يقلب الصفحات بصمت حتى توقف عند اسم معين.

اسم لم يُذكر منذ سنوات طويلة.

ظل ينظر إليه دون أن تتغير ملامحه، لكن عقله بدأ يربط بين أشياء متفرقة لم يكن بينها رابط واضح من قبل.

للمرة الأولى منذ حادثة الاختفاء شعر أنه اقترب من شيء حقيقي.

شيء قد يفسر أكثر مما ينبغي.

وفي الجهة الأخرى من المدينة كانت ليان تتابع تحقيقها الخاص بالطريقة التي اعتادت عليها دائماً. لم تكن تبحث عن الأدلة المباشرة بقدر ما كانت تراقب الأشخاص أنفسهم. فمن خلال سنوات عملها الطويلة تعلمت أن الأكاذيب لا تظهر في الكلمات وحدها، بل في التوقيت، وفي الصمت، وفي الأشياء التي يتجنب الناس الحديث عنها.

وخلال مراجعتها لسجلات الأيام الماضية لاحظت تفصيلاً صغيراً لم ينتبه إليه أحد.

لم يكن سراً خطيراً.

ولم يكن دليلاً قاطعاً.

لكنه كان أول خيط حقيقي تجده منذ بدء التحقيق.

خيطاً يقود إلى أحد الجنرالات.

أغلقت الملف ببطء واستندت إلى مقعدها.

لم تكن تعرف إلى أين سيقودها ذلك الطريق.

لكنها كانت متأكدة من أمر واحد.

لقد توقفت القضية عن كونها مجموعة مصادفات منذ وقت طويل.

أما في مقر القيادة الأعلى، فكان علي يقف أمام نافذة مكتبه الواسعة بينما تمتد أضواء المدينة في الأفق البعيد. خلال العقود التي قضاها في القيادة تعلم أن أخطر اللحظات ليست تلك التي يواجه فيها الإنسان عدوه مباشرة، بل تلك التي يشعر فيها بوجود شيء يتحرك في الظلام دون أن يعرف شكله أو اتجاهه.

ولهذا لم يكن قلقه من الرسالة.

ولا من حادثة الاختفاء.

بل من الرابط الذي يجمع بينهما.

فكلما تقدمت التحقيقات خطوة واحدة، ازداد اقتناعه بأن جميع الخيوط تؤدي إلى نقطة واحدة.

نقطة لم يكتشفها أحد بعد.

وفي مكان ما داخل المجمع البحثي، كانت عقارب الساعة تواصل حركتها الهادئة غير آبهة بما يجري حولها.

أما العد التنازلي فلم يتوقف.

اثنا عشر يوماً.