لم يتحرك أحد داخل القاعة بعد ظهور الرسالة، فقد بقيت الكلمات القليلة معلقة على الشاشة السوداء أمامهم وكأنها لم تظهر من نظام إلكتروني، بل خرجت من مكان آخر لا يستطيع أحد الوصول إليه. لم تكن الجملة طويلة، ولم تحمل تفسيراً واضحاً، لكنها كانت كافية لتغيير نظرة الجميع إلى المشروع.
لقد بدأ الأمر منذ زمن.
ظل الباحثون ينظرون إلى الشاشة بصمت، يحاولون إيجاد أي تفسير منطقي لما حدث. في السابق كانوا يواجهون أخطاء، أعطالاً، وحتى اختفاءات غامضة، لكن هذا كان مختلفاً تماماً. هذه المرة كان هناك شيء يحاول إيصال رسالة لهم.
اقترب أحد المهندسين من الجهاز الرئيسي وبدأ بفحص النظام، لكنه بعد دقائق عاد بنفس النتيجة. لا يوجد اتصال خارجي، ولا يوجد مستخدم دخل إلى النظام، ولا توجد أي طريقة تسمح بظهور تلك الكلمات.
قال أحد الباحثين بصوت منخفض:
هذا غير ممكن.
لم يرد عليه أحد، لأن الجميع كان يعلم أن كلمة غير ممكن لم تعد تعني الكثير أمام ما حدث.
أما عيسى فبقي واقفاً أمام الشاشة دون أن يركز على الجملة نفسها، بل على اللحظة التي ظهرت فيها وعلى التغيرات الصغيرة التي حدثت قبلها. كان يبحث عن نقطة البداية، عن الخطأ الذي تركه الشيء الذي حاول التواصل معهم.
بعد لحظات قال بهدوء:
أغلقوا القاعة.
التفتت الأنظار إليه، لكنه لم يشرح كثيراً، فقط تابع:
لا أحد يدخل ولا أحد يخرج حتى ننتهي.
لم يعترض أحد. الجميع يعرف أن عيسى لا يتخذ قرارات كهذه دون سبب، وحتى الجنرالات الذين لم يكونوا يتفقون معه كانوا يدركون أن هناك شيئاً خطيراً يحدث.
بعد إغلاق القاعة، بدأ عيسى بمراجعة السجلات القديمة. لم يبحث عن الرسالة فقط، بل عن كل شيء حدث قبلها. كان يعلم أن أي أثر مهما حاول صاحبه إخفاءه سيترك خلفه بداية يمكن تتبعها.
مرت ساعات طويلة وهو ينتقل بين الملفات، حتى بدأت تظهر طبقات من البيانات لم تكن موجودة في السجلات الرسمية. لم تكن مشفرة فقط، بل كانت مخفية بعناية وكأن شخصاً ما تعمد إبعادها عن الجميع.
فتح عيسى أول ملف، ثم الثاني، ثم توقف عند ملف لم يحمل اسماً.
كان يحمل تاريخاً قديماً فقط.
فتح محتواه.
وبعد لحظات تغيرت ملامحه قليلاً.
هذه المعلومات لم تكن تتحدث عن المرحلة الحالية من المشروع، بل عن فترة أقدم بكثير، فترة لم يكن معظم العاملين يعرفون بوجودها.
دخل علي إلى القاعة بعد أن وصلته التقارير. كان هادئاً كعادته، لكن نظرته هذه المرة كانت مختلفة. اقترب من الشاشة وبدأ يقرأ الملفات بنفسه، وكلما تقدم في القراءة ازدادت ملامحه جدية.
قال:
هذه الملفات أقدم من المشروع.
أجاب عيسى:
وهذا هو الأمر الغريب.
نظر إليه علي للحظات قبل أن يسأل:
ماذا تقصد؟
قال عيسى:
نحن كنا نعتقد أن المشروع بدأ عندما قرروا بناءه، لكن يبدو أن هناك شيئاً سبق تلك اللحظة.
ساد الصمت بينهما، لأن الفكرة وحدها كانت كافية لتغيير كل شيء. إذا كان هناك شيء موجود قبل بداية المشروع، فمن الذي كان يعرف عنه؟ ولماذا تم إخفاؤه؟
في مكان آخر من المنشأة، كانت ليان تراجع السجلات بنفسها. لم تكن تبحث عن الخطأ فقط، بل عن الشخص الذي كان يحاول تنظيف آثار ذلك الخطأ.
وبعد ساعات من البحث وجدت شيئاً جعلها تتوقف.
الملفات لم تختفِ بشكل عشوائي.
كان هناك شخص يعدلها.
شخص يعرف النظام جيداً، ويعرف أين يضع يده حتى لا يترك أثراً واضحاً.
أغلقت ليان الشاشة وبقيت تفكر.
لم تكن تعرف هويته بعد، لكنها عرفت شيئاً مهماً.
من فعل ذلك لم يكن بعيداً عن المشروع.
كان قريباً جداً.
أما حميد، ففي القاعدة العسكرية، كان يقف أمام الجنود كعادته. لم يكن يعرف كل التفاصيل التي تحدث داخل المجمع، لكنه شعر أن الوضع تغير. طوال حياته واجه أعداء يمكن رؤيتهم، أعداء يمكن إيقافهم بالقوة، لكن هذه المرة كان الخطر مختلفاً.
كان شيئاً لا يستطيع أحد مواجهته بالسلاح.
وفي نهاية اليوم عاد عيسى إلى الملف الأخير الذي وجده. كان ملفاً فارغ الاسم، لا يحتوي إلا على تاريخ قديم.
فتحه ببطء.
ظهرت أمامه جملة واحدة:
المشروع لم يبدأ من أجل الوصول إلى الحقيقة.
توقفت عيناه للحظة، ثم ظهرت الجملة التالية:
بل لأن الحقيقة كانت موجودة منذ البداية.
بقي عيسى صامتاً، وكأنه يحاول ترتيب كل القطع التي جمعها خلال الأيام الماضية.
ثم ظهر سطر آخر في أسفل الصفحة.
لا تثق بمن صنعه.
أغلق عيسى الملف فوراً.
لكن ذلك لم يكن كافياً.
لأن شخصاً آخر كان يراقب الشاشة نفسها في مكان مجهول، وكان يعلم أن عيسى وصل إلى هذه النقطة.
ولأول مرة، لم يكن السؤال هو ما الذي يخفيه المشروع.
بل من الذي كان يختبئ خلفه منذ البداية.
اثنا عشر يوماً.