جوهر التطور: ملحمة سيلار الفصل 3 — لقاء السكان المحليين (2)

اقرأ جوهر التطور: ملحمة سيلار الفصل 3 — لقاء السكان المحليين (2) باللغة العربية على مانجا تايم.

قال وينشاي مندهشاً: "مذهل!"، بينما جعل سيلار الجياد الوهمية تتبدد، لتعود جوهر الظل إلى الواقع المجوف.

مرر يديه وسط المطايا المتلاشية، لتتسلل ذرات الجوهر السوداء بين أصابعه.

"أي فن روحيّ جليل هذا!"

كانا قد مرّا عبر قصر لو بلا أي عناء، إذ بدا أن سو وينشاي زائر دائم لمدينة بينشان ولمقر الحاكم المحلي أيضاً. ومن الوصف الموجز الذي سمعه عن المدينة من وينشاي، بدت بينشان إحدى أصغر المدن ضمن ولاية وو، لكنها تولّت إدارة معظم شؤون الحكم في مقاطعة جينشياغ المحلية. وبعد دخولهما إلى إسطبلات قصر لو، سارع مرافقوهما لإبلاغ السيد لو بقدومهما، واغتنم سيلار الفرصة بعيداً عن الأعين المتربصة ليضع حداً لسحره قبل أوانه.

وإن لم يمتلك السحرة المحليون إمكانية الوصول إلى سحر كهذا، فلن يكون مجدياً جلب انتباه غير مبرر من مزيد من الناس حتى تتضح له الرؤية تماماً بشأن الطريقة التي يريد المضيّ بها قُدماً. فحتى في ريشام، كان بعض العامة يميلون إلى التوتر قليلاً حول الخيول الواقعية التي تتلاشى وتتحول إلى لا شيء، وسبق أن تعامل مع إزعاج اتهامه بأنه ساحر أموات، رغم أن سحر الأوهام لم يكن له أي صلة بهذا الفرع السحريّ.

وبالمقارنة مع نيمبريا، كانت مدينة بينشان... مختلفة، لعدم وجود كلمة أفضل. ورغم أن مملكة نيمبريا كانت إحدى القوى الأصغر في ريشام، لم يكن غريباً رؤية مغامرين يتباهون بشتى أنواع الأسلحة وهم يبحثون عن مهام لإنجازها، أو سحرة شوارع يلقون تعويذة أو تعويذتين لتسلية المتفرجين وكسب رزقهم. غير أن ما رآه من بينشان أثناء جولته القصيرة على متن عربة وينشاي المحطمة، أظهر أن أهل بينشان كانوا عاديين إلى حد مخيف.

فقد كانت بسطات السوق تبيع الفاكهة واللحوم والخضروات، لا لوازم المغامرات، ولا الكواشف السحرية التي تكمل الجواهر المستخدمة لإلقاء التعاويذ. أما حراس بوابات المدينة الذين أوقفوا العربة وسألوا عن غرض زيارتهما، فكانت تعلو خصورهم سيوف حديدية باهتة، لا حديداً مبرداً بتعاويذ السحر من المستوى الصفر. حتى قصر لو، الذي بدا أن رئيسه يضطلع بدور البيروقراطي المحلي في مقاطعة جينشياغ، كان بلا حراسة تذكر؛

فبوابات بسيطة من الفولاذ المقوى كانت كل ما يمنع الدخول غير القانوني إلى أراضيه.

سأل: "ما الذي يزعجك يا سيلار؟"

التفت برأسه نحو وينشاي، الذي كان يرفع أكياس البضائع التي اعتُبرت قابلة للإنقاذ إثر الضرر الذي لحق بعربته. ولحسن الحظ، وأثناء الرحلة الطويلة إلى مدينة بينشان، قرر وينشاي التخلي عن الألقاب التي كان يستخدمها في مخاطبة سيلار. ومع أن الأمر كان مبهجاً، إلا أن سماع كلمات 'سيدي' و'المعلم' و'العظيم' متكررة بتوليفات مختلفة مع 'بصير السحر' و'الممتهن' و'غير الممتهن' و'البطل' قد بدأ يثير قلقه.

قال بفضول صادق: "أفكر فقط. ماذا تحمل معك في الأصل؟ لم تخبرني قط بالتجارة التي تمارسها."

هلل وينشاي بفخر، وهو يشد أحد رباطات كيس ما: "أوه، هذا وذاك، ولكن... آها! من الطريف أن تسأل يا سيلار! أعتقد أن لدي ما قد يثير اهتمامك! أمعن نظرك في هذا!"

مد يده داخل الكيس، مسحوباً حزمة أسطوانية رقيقة ملفوفة بدقة متناهية بقماش مخملي. وضعها باحترام على طاولة مجاورة، ثم بسطها كاشفاً عما بداخلها. حدق سيلار فيها ببلاهة.

تكلم وينشاي بترقب: "حسناً؟ مذهل أليس كذلك؟"

نظر سيلار بين الحزمة الصغيرة لما بدا أعشاباً – ولا يعلم أي نوع هي – وبين تعبير وينشاي المتحمس، متسائلاً عما أوحى له أصلاً بأن سيلار يهتم كثيراً بعلم النبات.

قال سيلار وهو يخطو خطوة إلى الأمام وينحني: "أمهم."

لعل ثمة شيئاً واضحاً كان مفترضاً به رؤيته؟ وبعد ثوانٍ معدودة من الفحص، بينما استمر ابتسام العارض في الاتساع، أقر سيلار بالهزيمة.

"ليست لدي أدنى فكرة عما أنظر إليه."

صاح: "ماذا؟! لكنك... يا سيلار... آه، ولكن بالطبع!"

غمز مجدداً، ونقر على أنفه. وفي هذه المرة، فهم سيلار على الأقل ما كان يفترض بتلك الإيماءة إيصاله.

أكد سيلار: "لا، حقاً. أنا لا أعرف بالفعل."

قال مذهولاً: "هذه أعشاب الداوشي! الداوشي، من المروج النابضة!"

قال: "أوه."

كان سحر الألسنة مصمماً لنقل المعنى الدلالي، لكن كل ما فهمه عن الداوشي هو أنها تترجم تقريباً إلى 'استهلال الدرب'.

"أه... إنها جميلة؟"

حدق وينشاي في سيلار لعدة ثوانٍ أخرى. وحينها فقط بدا وكأنه أدرك أن سيلار كان يقول الحقيقة في الواقع.

"أنت حقاً لا تعرف هذه على الإطلاق؟"

"ولا بأي شكل من الأشكال."

انهار وينشاي هزيمة.

"حسناً، طائفة القلب الصالح تشتريها. إنها نادرة للغاية؛ ولا تنمو إلا في المروج النابضة هناك في يانغهاي – واستغرق مني الأمر شهراً كاملاً لأجد وسيطاً في فينجدو يعرف شخصاً يعرف شخصاً يعرف كيف يجمعها – وشهراً آخر لأتعقب ذلك الرفيق أخيراً."

عادة، لم يكن سيلار مهتماً كثيراً بعلم الأعشاب. غير أن ذكر نظراء السحرة المحليين أثار اهتمامه.

قال: "أ حقاً؟"

مد يده وسأل: "أيمكنني؟"

"تفضل!"

ناولها إياه وينشاي وابتسامة عارفة ترتسم على وجهه.

"كنت أعلم أن هذا سيهمك!"

حدق سيلار في الأعشاب، مركزاً نظره. وإن كان السحرة يجمعون أشياء تبدو عادية، فمن المنطقي أنها كانت كواشف من نوع ما. أما تبين وظيفتها، مع ذلك... استنشق الهواء مركّزاً. كانت 'التعرف' تعويذة ممتعة – فقد تتراوح بين مجرد رقية بسيطة، وصولاً نظرياً إلى تعويذة ذات مستوى لا نهائي. ولم تُصغ مصفوفتها الأساسية بنجاح إلا حتى المستوى السادس. ومع كل زيادة، تتسع المعلومات التي يمكن لبصير السحر لمسها.

لم يكن سيلار محتفظاً بقدر كبير من جوهر القدر كما كان يود – فبعد معركته مع ذئاب الروح، بات حذراً من المهاجمين المحتملين، وملأ سعة جوهره بجواهر أكثر ميلأ للقتال – لكنه كان كافياً للحصول على تلميح ما على الأقل. فالتعرف، حين تُلقى في المستوى الثالث، تسمح للمرء بإدراك الجوهر المحتوى داخل كائن ما. وفي هذا المستوى من الإلقاء، تبنى على زوجي القدر-البدئي والقدر-المتعالي المركبين ضمن مصفوفة التعويذة، وتمنح الفائدة الإضافية المتمثلة في تحديد نوع الجوهر المحتوى.

وإن انتبه أحدهم، لبدا توهج أصفر خفيف في عينيه مع تمكن التعويذة، لكنه كان من ألطف انواع السحر خفاءً. ووفقاً لكلام وينشاي، كانت العشبة تحوي قطاعاً لا باس به من جوهر الحياة. والآن وقد أدرك ذلك، استطاع استشعار أثر سحر خفيف حولها، رغم أنه لم يكن مشرباً بالكامل بعد داخل شكلها المادي. لم تكن الكمية بحد ذاتها هي ما يهم أكثر – فقد كان هناك وفرة نسبية من جوهر الحياة المحيطي في هذا العالم المحلي، واستطاع جمع المقدار الذي تحويه العشبة في مدة مقبولة.

وما جعلها مفيدة هو حقيقة تركيز الجواهر في كائن واحد، مما يسمح بالإلقاء الطقوسي. وهي سلسلة من التعاويذ، تلقى معاً بتتابع سريع لتشكيل تعويذة واحدة أكثر تعقيداً. أي نوع من الطقوس استخدم هؤلاء الممتهنون هذا من أجله؟ إن كانت تحوي جوهر الحياة... فلربما لصناعة دروع مسحورة تعزز حيوية صاحبها؟ أم لحقل حراسة لصد التحلل؟

"أتدرك الغرض الذي تستخدم طائفة القلب الصالح هذه لأجله يا وينشاي؟"

"عجباً، لصناعة الإكسيرات بالطبع!"

إكسيرات.

"إنهم... يخمّرونها؟"

"ولكن بالطبع!"

مد يده ليستعيد العشبة، بعدما رأى أن سيلار قد أنهى فحصها، ثم أعادها بحرارة ورقة إلى حزمتها الأصلية.

"أعني – أنا لست ممتهناً، لذا فأنا لا أعرف في الواقع – لكن الشخص الذي باعني إياها قال إن لديهم وصفة سرية لتنمية طاقتهم الداخلية! ومن المفترض أن تساعد الممتهنين المبتدئين في تدريبهم."

...مجدداً، وجد السحرة المحليون أنفسهم مضطرين لاختزال كل شيء في القدرة على توجيه لكمات أقوى. لم يكن سيلار خيميائياً ولا صانع جرعات، لكنه صادق نصيبه العادل منهم. ولسوف يبكون حظهم من ظلم إهدار موارد ثمينة كهذه بينما تكفي جرعات أبسط، حتى وإن كانت آثارها مؤقتة أكثر. فالأعشاب الحاوية على جوهر الحياة تكون أكثر فائدة حين تُقطّر لتصبح جرعات شفائية.

"يا وينشاي!"

اضطر سيلار للأسف لكبح أي ملاحظة لاذعة قد تكون لديه حول الممارسات المشكوك فيها للسحرة المحليين، لأن الرجل الذي افترض أنه صاحب القصر قد وصل. كان مرتدياً طقماً رائعاً من الأردية الصفراء المطرزة بلمسة خفيفة من الذهب، وبدا في أربعينياته – مفترضاً أن البشر المحليين يتقدمون في العمر بمعدل مشابه لبشر ريشام بالطبع – بشعر بدأ للتو يشيب، وخطوط إجهاد عديدة ترتسم على وجهه.

مع ذلك، أشرق وجهه بابتسامة عريضة نحو العارض.

"السيد لو!"

قال مسرعاً: "نادينا جين فحسب أرجوك. لا داعي لمثل هذه الرسميات بين الأصدقاء."

رمق الحالة المحطمة للعربة بنظرة.

"أخبرني رجالي أنك واجهت بعض المتاعب في طريقك إلى هنا، ولكن..."

"آه، نجل. واجهت بعض حراس الغظة الفضية، في الواقع! قد ترغب في إبلاغ الشيوخ في طوائف بينشان بأنهم يتصرفون بعدوانية نوعاً ما."

شهق لو جين مفزوعاً: "حراس الفضة؟ أأنت سليم لم تصب بأذى؟"

"آه، لا تقلق بشأن هذا!"

صفع وينشاي يداً ثقيلة على خشب عربته. أحدثت صريراً مزعجاً جعل كل من المحليين يرمقانها بنظرة للحظة. ثم هز وينشاي كتفيه.

"لم أكن قلقاً بأي شكل من الأشكال! لحسن الحظ، تمكن سيلار هنا من إنقاذي قبل أن يتمكنوا من إفساد بضائعي الثمينة!"

أطلق سيلارخخرةً ساخرة.

"طريف،"

قال.

"كنت تحت انطباع أنك كنت تجري هارباً بحياتك."

أشرق وينشاي.

"من الطريف كيف يعمل القدر، أليس كذلك؟"

ممم، مقبول. لقد كان جوهر القدر، المستمد من مخدع الكاتب للعوالم البعيدة، هو ما مكّن تعاويضي تتبع الصوت والإسقاط اللتين أتاحتا له تحديد موقع وينشاي بدقة في المقام الأول. وبدل ذلك، التفت سيلار ليواجه لو جين.

"يسعدني لقاؤك،"

قال بإيماءة خفيفة تقديراً.

"أنا سيلار بصير السحر."

قطب حاجبيه، مرجحاً أن ذلك بسبب الاسم الغريب. ومع ذلك، كان أذب من أن يستجوبه بشأنه.

انحنى وقال: "شكراً لإنقاذك وينشاي. اسمي لو جين، وأدير عقار عائلتي المتواضع وشؤون بينشان."

تردد لحظة.

"اغفر لي سؤالي، ولكن إن نجحت في صد حراس الفضة، أيعقل أنك...؟"

تلاشى صوته، وارتفعت نبرة صوته كاستفهام. أومأ سيلار برأسه، كابحاً أي ملاحظات قد تكون لديه بشأن مشاعره الشخصية حول موضوع السحرة المحليين.

"نجل، أنا ممتهن."

أضاف وينشاي بلا فائدة،امغزاً صديقه المرتبك بمكر: "إنه من نوع الممتهنين الذين ليسوا ممتهنين. ضاع سيلار هنا في تأمل لمدة خمسين يوماً وخمسين ليلة، حين سمع صرخات استغاثتي ووصل في اللحظة الحاسمة تماماً!"

أطلق سيلار أنيناً من الزخارف الزائدة. في أيامه السابقة كمغامر، كان شعراء فرقته متشابهين تماماً. ويا لسوء الحظ، وُلد وينشاي في العالم الخطأ، وفاتته دعوته الحقيقية.

قال سيلار: "لا تصدق كلمة مما يقوله. كنت في المكان المناسب والوقت المناسب فحسب."

"بغض النظر، شكراً جزيلاً لك."

انحنى لو جين مرة أخرى.

"إن سمحت لي، ما الذي أتى بك إلى بينشان؟"

هز كتفيه.

"لا شيء يذكر، حقاً. لقد رافقته فحسب."

أشار بإبهامه نحو وينشاي.

"أخبرني القليل عن ممتهنيكم المحليين، وفكرت أن بإمكاني تففقدهم طالما أنني في الجوار."

اتسعت عيناك جين.

"أنت مستقل؟"

ثم ضبط نفسه.

"اغفر لي قلة لياقتي. أرجوك، خذ راحتك في الاستراحة بقصري في الوقت الحالي. وأعتذر لأنني مضطر لسؤالك، ولكن يا وينشاي..."

"لا تقلق."

خلع وينشاي القبعة المربعة الغريبة التي كان يرتديها، وأخرج كيساً صغيراً من مكان ما في الداخل كان يحتفظ به على رأسه. مكان تخزين مثير للاهتمام.

"لم أرد المجازفة بتعرض طردك للتلف مع باقي مخزوني، لذا احتفظت به معي. ما أروع حظ سو وينشاي العظيم إذ بلغ هذا الذكاء، أليس كذلك؟"

انهار جين بارتياح، وتلاشى بعض التوتر الذي كان يبديه.

همس: "اشكر السماوات. أيمكنني...؟"

"هاك!"

فتح الكيس المقدم. مد سيلار رقبته بفضول لمعرفة أي غرض كان مهماً لدرجة تعذر جين الحصول عليه داخل أراضيه.

"...أعشاب إضافية؟"

تكلم سيلار في غير وقته وغير مخدوع.

هز وينشاي إبعه: "آه، هذه ليست لطائفة القلب الصالح. بل أثمن من الداوشي في الواقع! إنها مكون نادر، قوي وفعال لدرجة أن القليلين فقط يعرفون كيفية استخدامها في التخمير!"

"وما هي؟"

قال جين وما زال يحدق في الكيس، ممسكاً بمحتوياته ككنز ثمين: "ابنتي."

اهتز صوته، وحين التفت إلى سيلار، استطاع رؤية عيني الرجل المسن تغرورقان بالدموع.

"إنها مريضة، ولم يستطع أي من الأطباء الذين استدعيتهم مساعدتها. جاء ممتهن معلم جوال من طائفة الشمس الحيوية وفحصها، وقال إنه سيحتاج إلى يانغكاو لصنع العلاج."

خطا نحو العارض واحتضنه بحرارة.

"وينشاي... شكراً لك! شكراً جزيلاً لك!"

بدا العارض الذي كان مسترخياً ولطيفاً طوال الوقت الذي عرفه فيه سيلار – بما في ذلك حين كان يجري هارباً بحياته – غير متأكد الآن، وهو يربت على ظهر صديقه بفتور.

"آه... ليست مشكلة؟"

"أنا مدين لك بشدة يا صديقي."

منح جين عِضمة أخيرة، قبل أن يفك ارتباطه عن وينشاي.

"لقد أتيت في وقت قصير جداً، وتحديت أخطاراً جسيمة لجلب هذا لي. لا يمكنني رد جميلك بالشفا."

ابتسم وينشاي.

"المال يساعد بالتأكيد."

وعد جين: "وستحصل عليه. لكن الآن... أعتذر عن الاستعجال، لكني استدعيت السيد ژو بالفعل، بعد مراسلتك الأخيرة. أترانا نمضي فوراً؟"

كان صوته قلقاً، وتعبير وجهه مفعماً بأمل غير مؤكد. لم يستطع سيلار تخيل نفسه مكانه، لكن نصيبه كان كافياً من القلق على حياة رفقائه في أيامه كمغامر، بينما يعمل رجال الدين سحرهم المقدس ويحضر الخيميائيون جرعات بالكاد كان يرجو استيعابها.

"بالطبع!"

تنحنح سيلار بأدب.

"أتمانع إن راقبت أنا أيضاً يا سيد لو؟"

قال: "أرجوك. أنا مدين لك أيضاً يا سيلار بصير السحر. لولا مساعدتك لما استطاع وينشاي بلوغ بينشان أبداً."

شعر بوخزة خفيفة من الذنب حيال ذلك. فلولا التفاعل غير المرغوب فيه بين إلقائه الطقوسي لتعويذة الاستبصار المنظّرة والأثر الذي استعاده من قبر الليتش، لما كانت ذئاب الروح قد جنّت على الأرجح.

"اتبعاني أرجوكما."

بقيادة الحاكم، غادر وينشاي وسيلار الإسطبلات، تاركين وراءهما عربة العارض المحطمة جزئياً. كانت هندسة القصر المعمارية مثيرة للاهتمام – فقد فضلوا أشكالاً هندسية مختلفة في بنائهم مقارنة بأسلوب نيمبريا، مع تركيز أكبر بكثير على التراكيب المثمنة والخماسية والدائرية. وبرز الخشب المصقول واليشم النابض والأحجار الكريمة المشعة بكثافة كزخارف، بينما زُينت قلاع نيمبريا بحجار منحوتة بتفاصيل دقيقة للغاية من قِبل نحاتي حجارة وفنانين ماهرين.

لم يكن المجمع بحجم قصر الملك ناراسكار في نيمبريا، لكنه لم يكن بالشيء الذي يمكن الاستهانة به بالتأكيد. استغرق الأمر خمس دقائق كاملة من السير عبر ممرات ملأى بخدم الحاكم والحراس والموظفين الآخرين في قصره قبل أن يصلوا أخيراً إلى الجناح الشرقي للقصر.

"عبر هذا أرجوك."

أشار جين نحو مدخل، بعد أن تجاوزا حديقة خارجية بُنيت داخل أراضي القصر. وداخل البناء كان هناك رجل، يرتدي غطاء رأس احتفالياً بالأبيض والأسود.

"السيد ژو! كيف حال حالتها الآن؟"

وما إن صار سيلار بالداخل، حتى استطاع رؤية فتاة افترض أنها ابنة الحاكم. بدت كطفلة فحسب – لا تبدو أكبر من الثانية عشرة، على الأرجح. كان بشرتها شاحبة بلون الموت، يغلفها بريق من العرق البارد، والأسفلت تحتها مبلل تماماً. كانت تمتم بهذر، ترتجف وتتخبط على السرير. واهنة وضعيفة، وبدت قريبة من الموت تقريباً. لا مفاجأة في سبب قلق جين الشديد.

قال الممتهن: "ما زالت ابنتك تعاني من وفرة مفرطة في طاقة الين."

رمق وينشاي وسيلار بنظرة فضولية حين دخلا خلف جين، متوقفاً للحظة، قبل أن يعود لمخاطبة جين.

"أتمكنت من استعادة اليانغكاو كما طلبت؟"

"نعم. سارع وينشاي إلى كيتشينغ بمجرد أن كتبت إليه."

مد حزمة الأعشاب المتواضعة.

"أبمقدورك صنع العلاج الآن يا سيد ژو؟"

مرر الممتهن يديه فوق الأعشاب، ثم انحنى أكثر لفحصها. أخيراً، أومأ.

"هذا ينبغي أن يكفي."

نظر إلى وينشاي، بينما جهز بعض المستحضرات الخيميائية على المكتب.

"أكانت هناك أي صعوبة في الحصول عليها؟"

"لا، أيها الممتهن المعلم. كانت تعليماتك دقيقة للغاية."

سحب وينشاي مقعداً من ركن الغرفة، وجلس بينما بدأ ژو عمله.

"كان وسيطك تماماً حيث ذكرت رسالة جين. كلف جين قدراً كبيراً من الذهب، لكن أي شيء يهون إن عاد الصغير على قدميه."

"بالحقيقة."

أمسك ژو بمدق وهاون، وشرع في سحق الأعشاب لتصبح عجينة، مضيفاً مستحضرات أخرى لم يستطع سيلار تمييزها إلى الخليط. رمق سيلار بنظرة جانبية.

"وأنت؟"

"سيلار بصير السحر. لا تهتم بي. مجرد زميل ممتهن، أمم، للاستئناس بالامتهان."

"أهكذا؟"

ضيق عينيه، لكنه واصل عمله.

"أتعلم، من غير اللائق تماماً مراقبة أسرار طائفة أخرى."

تقدم جين نيابة عنه وقال: "أرجوك يا سيد ژو. أنا مدين للسيد سيلار أيضاً. لولا مساعدته لما تمكن وينشاي من العودة باليانغكاو."

تداول ژو الأمر للحظة، لكنه استسلم.

"حسناً إذن،"

قال.

"فضلاً عن ذلك، فالفن عديم الفائدة بلا وصفات طائفة الشمس الحيوية السرية."

وكان الأمر كذلك بالفعل. لقد كان غريباً، مراقبة عمل هذا الساحر. ورغم تداخل الجوهر مع صنعة الخيمياء الدقيقة، إلا أنه طُبق بطريقة مختلفة تماماً مقارنة بإلقاء تعاويذ السحر. وقليل من الناس من يختارون توجيه وقتهم لمتابعة فنين منفصلين. وبقدر ما استطاع سيلار استنتاج، كان ژو يضيف مواد مختلفة عشوائياً لبعضها بعضاً. بصمت، ألقى سلسلة من تعاويذ التعرف السريعة من المستوى الصفر.

في مثل هذه الرتبة المنخفضة، كل ما فعلته هو السماح للملقي برؤية ما إذا كان الجوهر مشرباً في كائن ما على الإطلاق، بلا أي معلومات عن كمية الجوهر أو جودته. ولغرابة الأبد، لم يكن هناك جوهر يمكن العثور عليه ضمن التشكيلة الواسعة من المواد الخيميائية التي وضعها ژو على الطاولة. وكان الإعداد مختلفاً تماماً أيضاً عن الصيادلة الذين زارهم في ريشام. فهناك، كانت القوارير والأنابيب وأشكال المعدات الأخرى مرتبة بدقة شديدة، ولم تحتوى مساحة العمل قط إلا على الأساسيات المطلوبة لتخمير الجرعات.

ومثلما هو الحال مع الإلقاء الطقوسي، فإن أي جوهر شارد محتوى في كائنات قريبة يمكن أن يلوث النتائج ويؤدي إلى عواقب وخيمة في المنتج النهائي. غير أن ژو لم يعانِ من مثل هذه الهواجس. احتوت مساحة عمله على أوعية وجرار من مسحوقات وأعشاب وسوائل مختلفة، وبدو مديراً لها مضافاً عشوائياً لبعضها. من بين الكائنات الثمانية التي تعرف عليها، لم يحتوي أي منها على جوهر. ففي نيمبريا، كانت العناصر في المختبرات الخيميائية مزعجة الصعوبة في التمييز بينها، وتطلب الأمر خبرة كبيرة في الاستبصار كالتي امتلكها سيلار لكي يبدأ المرء حتى في تفكيك توقيع جوهر كائن عن آخر.

فبأي مدى اختلفت خيمياء هذه الأرض عن تلك الخاصة بريشام؟ على السرير، أطلقت ابنة جين أنيناً خافتاً آخر، متلوية بألم في جسدها بأكمله. سارع الحاكم على الفور، راكعاً بجانب سريرها، ممسداً جبهتها بقطعة قماش.

قال ژو: "لا تقلق. العلاج شارف على الانتهاء الآن."

قطب سيلار حاجبيه. وألقى تعارفاً سريعاً وقذراً آخر. ما زال الخليط بين يديه يفتقر لأي جوهر أو خاصية سحرية.

"أيمكني إلقاء نظرة على حالة ابنتك أيضاً يا سيد لو؟"

لوح له جين مشتتاً.

"أرجوك،"

قال.

"قال السيد ژو إن طاقة الين لدى تشيوي تطغى على يانغها، ولكن..."

تلاشى صوته. تظاهر سيلار بأنه فهم، مؤمئاً برأسه باقتضاب. وضع يده مقابل بشرتها الشاحبة الباردة، وتركيز. مستدعياً قدراً معتبراً من جوهر القدر المتبقي لديه، ألقى تعويذة شهدت استخداماً غزيراً خلال أيامه كمغامر. كشف البلاء. حامت سلسلة من الرموز السحرية الددارة فوق جسدها. لمسها، مستسقياً المعنى من جواهر القدر المكونة لها، تماماً كما لو كان يقرأ من الكتاب الأبدي داخل مخدع الكاتب حيث يتدفق جوهر القدر إلى العالم المادي.

وعرف مصدر البلاء. لم يشهد آثاره شخصياً من قبل، لكن منذ أيامه كمتدرب تحت إمرة المعلم رينوالد، كان يكن احتراماً صحياً لفعاليته. كابوس مروع. تعويذة من المستوى الرابع متمركزة حول سحر الأموات. كان هذا الفن محظوراً في نيمبريا، ورغم أن الليتش الذي أسقطه هو ورفاقه المغامرون كان ساحر أموات عتيقاً، إلا أنه لم يشهد آثاره مباشرة من قبل، ولذا لم يتعرف عليه. ومع ذلك، كان ينبغي أن يعرف منذ اللحظة الأولى التي رأى فيها الفتاة.

فقد أمضى هو وفرقته أسابيع من التحضير قبل الشروع حتى في دخول ذلك القبر. لكن إن كان هذا حقاً كابوساً مروعاً، فهذا يعني إذاً – كانت أجراس الإنذار تدق في رأسه. التفت إلى وينشاي.

"كم بلغ ثمن هذه الأعشاب بالضبط؟"

"أه، اليانغكاو؟ أراد الرجل بيعها بثلاثة آلاف قطعة ذهبية، لكنني ساومت حتى خفضتها إلى ألفين وخمسمائة."

أشرق بابتسامة منتصرة.

"سو وينشاي عظيم حقاً، أليس كذلك؟"

ضغط سيلار: "والداوشي؟"

وإن كانت شكوكه صحيحة...

قال وهو يهز كتفيه: "حوالي مئتين لكل حزمة. لكن القلب الصالح تشتريها بثلاثمائة، لذا ما زلت أحقق ربحاً لائقاً."

عشبة لا تحوي جوهراً، وتباع بما يزيد عن عشرة أضعاف ما تحويه تلك التي تحويها؟ كان غريباً على هذه الأراض، ولم يكن يعرف شيئاً عن الامتهان. لكن السحر كان شيئاً عرف سيلار الكثير عنه. وسواء جاء العلاج من تعاويذ رجال الدين السماوية، المستدعاة من طاقات رعاتهم في عوالم مجهولة، أو بالجرعات المخمرة من الخيميائيين، أو تعاويذ الاستعادة من سحرة متخصيصين في الجوهر المراوغ، كان الدواء الشافي يحمل دائماً عنصراً سحرياً.

الخداع التافه، كان يستطيع تحمله. أما أمر كهذا، فلم يكن يستطيع تقبله البتة. طالما دأب المعلم رينوالد على غرس حقيقة أن موهبة الساحر يجب أن تُستخدم بحذر شديد. قفز واقفاً، وتعويذة حاضرة في ذهنه. غير أن ژو بدا وكأنه أدرك أن مخططه الماكر قد انكشف الآن. مسح مؤنه عن الطاولة، مندفعاً نحو سيلار بسرعة تفوق بكثير أي ساحر بلا استعجال. مع ذلك، ضرب سيلار أولاً. ربط سوط البرق الممتهن بشجرة قريبة من خارج النافذة.

جُرّا نحو بعضهما، لكن الجذع الصلب ثبت بقوة في مكانه، مما دفع ژو ليُقذف صاروخاً إلى الحديقة الخارجية.