– رحلة ميدانية (3) –
لم يكن بوسعه أن يتحرك مستخدمًا السحر في الغابة المظلمة.
قبل قليل لم يكن يعلم، أما الآن فليس هذا ما يُفعل في غابة ليلية ينتظر فيها رجل ضخم يحمل سكينًا.
‘السحر حقًا مريح ورائع، لكن من كان يظن أن عدم القدرة على إخفاء الضوء سيكون عيبًا بهذا الحجم.’
في المخطوطة السابقة كان السحر مخصصًا حصريًا للعلاج أو للبحث، لذا لم يكن انبعاث الضوء مشكلة على الإطلاق.
‘ولم يكن هناك في النسخة الماضية ساحر يرافق مديرًا متوسطًا في تنظيم سري، ذاهبًا ليلًا لمقابلة أعضاء يحملون سكاكين. يا لنصيبي.’
ولحسن الحظ، بما أنه سلك الطريق مرة من قبل، لم يكن العثور عليه في المرة الثانية صعبًا.
مشى الفتيان وهما يكتمان وقع أقدامهما بخطوات خفيفة.
كان جسداهما خفيفين، فلم يبرزا حضورًا يُذكر.
كان كليو يتحرك وهو يُفعّل 「الأدراك」، فتمكن من سماع حديث الرجلين قبل أن يصل حتى إلى شجرة الزان.
كانا منهمكين في وضع خطة للإمساك بفران وتأديبه.
أما فران، الذي لا يعلم شيئًا، فكان يتبع كليو عن كثب.
توقف كليو وخفّض صوته وهمس لفران.
“لقد وصلنا تقريبًا. إن اصطحبتني معك سنلفت الانتباه، أليس من الأفضل أن تتقدم وحدك؟ لكن أرجوك لا تتحرك خارج حدود ظل شجرة الزان. إن خرجت عن نطاق دائرتي فلن أستطيع حمايتك.”
“…أنا أيضًا ساحر يمكنه فتح دائرة. أستطيع على الأقل استخدام سحر [الدفاع].”
حتى بعد أن وصلا إلى هنا، لم يكن فران، المعتدّ بنفسه، سهل الانقياد.
أو ربما لم يشأ أن يصدق أن رفاقه قد يهاجمونه.
‘وفوق ذلك، فإن سحر [الدفاع] من المستوى الثاني لا يُعوَّل عليه.’
“أرجوك، هذه المرة فقط استمع إليّ. إن لم يحدث شيء فلن تكون هناك حاجة لاستخدام السحر أصلًا.”
“…….”
“إذا قام رفاقك بشيء يتجاوز الحد، فلا بد أن يكون هناك من يوقفهم. إن أُصبت أنت أيضًا، فمن سيفعل ذلك.”
عندها فقط بدا أن فران اقتنع، فتجاوز كليو وتقدم إلى الأمام.
‘تنهد، من الصعب حقًا مجاراته. حتى حين أقول إنني سأحميه يرفض.’
وبما أنه استخدم [سلطة المحرر]، فقد طال الليل عليه حتى بدا وكأنه لا ينتهي.
داهمه تعب ألف عام، لكنه شجّع نفسه بصعوبة ولحق بفران.
.
.
.
تحت شجرة الزان، كانت نتيجة الاجتماع الليلي لـ ‘راية الشعب’ واضحة سلفًا.
لولا سحر الدفاع الذي أطلقه كليو، لكان فران قد قُتل مرة أخرى.
استخدم فران وصمته المقدسة.
تألّق البوق على ظاهر يده. وعند سؤاله الحاد عمّا إذا كان وعد ملكيور صادقًا حقًا، اضطرب الرجلان بشدة.
غير أن تعنتهما، المنبعث من رغبة عمياء في النجاة، كان أشد صلابة.
حتى اللحظة التي هوى فيها ‘بيل ذو القدم الكبيرة’ بفأسه، لم يفتح فران حتى دائرة سحرية، بل ظل يحدّق فيه بعينين مفتوحتين بثبات.
كوانغ―!
ومض ضوء الأثير، وارتد السلاح عن حاجز الدفاع.
‘ماذا كان سيحدث لو لم آتِ معه! اللعنة.’
“تبًا، ما هذا!”
“استهدف مكانًا آخر غير الرأس!”
خفض بيل قامته دون أن يستسلم، وهاجم ذراع فران اليمنى بدل عنقه.
كانت ذراع فران الهزيلة لتُقطع بضربة واحدة لو أصابها الفأس إصابة مباشرة.
لم يدخر كليو الأثير، وصبّه بسخاء في صيغة سحر [الدفاع].
كييييييك―!
كواجِك!
تناثرت الشرر!
وانكسر مقبض الفأس وهو يصارع الحاجز الدفاعي.
وانطلقت شفرة الفأس وحدها بعنف، لتنغرس في جذع شجرة الزان.
اندفع بول مجددًا بخنجره، لكن هجومه هو الآخر لم يُجدِ نفعًا على الإطلاق. ارتبك الرجلان، وأطلقا الشتائم، ثم فرا هاربين في لحظة.
‘أوغاد. تهربون مذعورين من مجرد سحر دفاع، ومع ذلك كنتم قبل قليل بهذه القسوة؟’
بقي فران وحده تحت شجرة الزان.
كان ظهر الصبي يبدو موحشًا على نحو بالغ.
كان كليو، الذي خرج بلا معطف، يرتجف من البرد ويريد العودة سريعًا، لكنه لم يكن عديم الإحساس.
فكر في حال ناشطٍ في تنظيم سري تعرّض للخيانة من رفاقه… وخشي أن يُجرح قلب هذه الموهبة الثمينة… فانتظر طويلًا.
وبينما كان يتساءل إن كان عليه استخدام السحر من شدة البرد، استدار فران أخيرًا نحو كليو.
كان وجهه باردًا متماسكًا.
“لنعد.”
بدا طريق العودة أطول من طريق المجيء.
ما إن دخلا الغرفة حتى جلس فران مترهلًا على الكرسي قرب النافذة. وجلس كليو مقابله.
لم يأتِه النوم.
لم يبدأ قلبه بالخفقان بعنف إلا متأخرًا.
لم تكن تلك المرة الأولى التي يرى فيها جثة في حياته، لكن رؤية الأمر مرات عدة لا تجعل الاعتياد عليه أسهل.
كان من حسن الحظ أنه استطاع إنقاذ فران.
“…لقد صنعت أعداء كثيرين. تقلباتي العاطفية حادة، ولا أجيد إخفاء ما في داخلي. كان روبر دائمًا يحميني. حتى موته.”
‘وقت الاعترافات إذًا….’
اتخذ كليو تعبيرًا بالغ الجدية وأصغى باهتمام. لم يكن بوسعه إلا أن ينصت.
‘يجب أن أعرف كيف انتهت حياة هذا الذي وُلد الابن الأكبر لأسرة كونت إلى هذا المصير.’
“روبر انخرط في ثورة جمهورية كارولينغر، ثم بعد تأسيس الحكومة الثورية أُقصي في عهد الإرهاب الكبير وعاد إلى ألبيون… كان في الأصل نبيلًا من ألبيون. وعلى مدى العشرين عامًا الماضية كان قائد ‘الراية’. التقيته بصفته معلمًا خاصًا لي.”
تنهد كليو في داخله.
‘حسنًا، الأفكار الجمهورية جيدة… جيدة فعلًا… لكن لماذا جعل هذا الفتى تحديدًا يطمح لأن يكون ناشطًا متفرغًا فيتخلى عن العلم! حتى لو كان ناشطًا، ما كان ليضير لو لم يترك البحث!’
شعر كليو بالاستياء من عملية التسييس الناجحة التي قام بها المعلم روبر، الذي لم يرَ وجهه قط.
“بعد تأسيس مجلس عامة ألبيون كادت ‘الراية’ أن تتفكك. أغلب المعتدلين ساوموا وانضموا إلى القوى البرلمانية. وعندما عاد روبر بعد ذلك، سرعان ما أصبح مركز التنظيم.”
قبل اثنين وعشرين عامًا اندلعت ثورة في مملكة كارولينغر، وأُعدم الملك والنبلاء، وأُعلنت الجمهورية.
وألبيون، التي تشترك بحدود مع جمهورية كارولينغر، تصاعدت فيها أيضًا دعوات إلغاء الملكية والقوى الجمهورية كالنار في الهشيم.
‘لهذا السبب أنشأوا مجلس العامة لتهدئة السخط… هذا ما كنت أعرفه.’
ما كان فران يتحدث عنه هو الوجه الآخر من المخطوطة التي قرأها كليو، التاريخ غير المُدوَّن.
“حافظت ‘الراية’ على تنظيمها عبر دعم تأسيس النقابات العمالية. ولأن مجلس العامة الحالي لا يمثل إلا الأثرياء، كان هدفنا الرئيسي توسيع حق الاقتراع. لكن منذ بضع سنوات بدأ المتشددون يصعدون بصورة مريبة.”
‘بصورة مريبة….’
لم يبدُ الأمر كأنه حدث مصادفة. لو كان ملكيور، فبوسعه بسهولة تدبير مؤامرة كهذه.
‘وبقدرات ولي العهد، زرع بضعة متشددين لم يكن ليكون أمرًا صعبًا.’
“حاول متشددو ‘الراية’ في النهاية اغتيال ملكيور في رونداين. وبالطبع فشلوا. عارض روبر الإرهاب حتى النهاية، لكنه تحمّل المسؤولية. أخفى رفاقه ثم استدرج جهاز الاستخبارات السري وبقي في البيت الآمن.”
ابتلع فران ريقه الجاف، وكأن مواصلة الحديث كانت شاقة عليه.
أحضر كليو ماءً وناوله له.
تناول فران الكأس بضعف، ثم تابع القصة حتى النهاية.
كأنما كان يتمنى أن يستمع أحد إلى هذا الحديث.
“جميع من اعتُقلوا معه أُلقي بهم خارج بوابة القصر وقد فقدوا عقولهم، أما روبر وحده فخرج من الباب الخلفي سليمًا بلا جرح، يودّعه ولي العهد.”
“!!!”
“أي شخص كان سيظن أن روبر خانهم.”
‘واو… ملكيور الوغد، حقًا خسيس.’
لو فعل أحد ذلك، لما كان رفاقه ليتجنبوا الشك فيه.
“انتهى التنظيم تمامًا. نقلتُ اسمي من الأكاديمية العلمية إلى مدرسة حرس العاصمة، حيث يصعب على الغرباء التسلل. وتوليّ منصبًا ثقيلًا في مثل سني هذا… كان لتحمّل المسؤولية وإتلاف السجلات المتبقية لتقليل الضرر ولو على شخص واحد.”
اكتفى كليو بإيماءة رأس. أي جواب لن يكون كافيًا لمواساة فران.
“وحتى هذا يُستغل بهذه الطريقة.”
وضع فران الكأس وحدّق خارج النافذة. لم يكن يرى الغابة السوداء، بل مشهدًا ما في ذاكرته.
“كنت مختبئًا في زقاق أراقب روبر عندما خرج من الباب الخلفي للقصر. كان يبتسم أمام البوابة، ثم ركع أمام ولي العهد وقبّل ظاهر يده.”
“هذا…”
“لا أظن أنه خان. هو رجل يقطع ركبته قبل أن يفعل ذلك. في الواقع، كانت ذراعه اليسرى مبتورة أصلًا. قُطعت لأنه كتب رسالة مفتوحة ينتقد فيها الديكتاتور في كارولينغر، فيكتوار مورو، بصفته رفيقًا. وكان روبر أعسر.”
كانت سياسة القرن التاسع عشر الواقعية دامية على نحو مفرط.
الحديث الذي يبدو كأنه من كتاب تاريخ أو رواية، كان الفتى ذو الثمانية عشر عامًا يرويه كأنه شأنه الشخصي.
“لكنني كنت جبانًا أيضًا. حين اتُّهم روبر من قبل من تبقّى من رفاقه، لم أدافع عنه. كانوا يغضبون منه، يسألونه كيف يخون القسم، كيف يبيع رفاقه.
روبر، الذي كان يستمع للاتهامات بلا كلمة تبرير، سأل سؤالًا واحدًا فقط. هل ركع أمام ملكيور؟ وكأنه يتحدث عن أمر لا يعنيه.
لم أستطع الإدلاء بشهادة كاذبة. قلت نعم. بعد أن سمع جوابي، كتب مذكرة قصيرة وهو واقف وسلمني إياها. ثم خرج كما هو وألقى بنفسه في مياه نهر تيمبوس. ولم يُعثر على الجثته.”
“ماذا كان مكتوبًا في المذكرة؟”
“‘إياك أن تنفرد أبدًا بملكيور ريونيان. أتمنى ألا تمر بما يجعلك تنكسر إرادتك دون أن تدري.’ عندما هدأ رأسي فهمت. ملكيور يفعل شيئًا ما. لا أحد يلاحظ، لكن…”
اندهش كليو في داخله. كان استنتاج فران قريبًا جدًا من الحقيقة.
“بعد ذلك مرضت عشرة أيام. وحين أُفقت، كان هذا الشيء اللعين قد ظهر على ظاهر يدي.”
ربما الندم والذنب لعدم إنقاذ روبر هما ما نقشا الوصمة المقدسة في جسده.
نظر كليو إلى ظاهر يد فران بقلب مثقل.
‘تلك المهارة ليست غسيلًا للدماغ، لذلك لا تستطيع تغيير قلب من يرفض بحزم. بل قد تأتي بنتيجة عكسية… هذا معقّد حقًا.’
“لكن لماذا تساعدني؟ حتى لو لم أمت اليوم، فسأموت يومًا ما أو تنكسر إرادتي. لا بد أن ملكيور يعرف أمري أيضًا. وعندها لن تكون أنت في مأمن.”
“ذلك لأنك… بلا شك شخص ينبغي أن ينجز أمرًا أعظم. لا أستطيع أن أتركك تُضحّى بك بهذه الطريقة.”
“عن أي أمر تتحدث. ماذا بقي لي أصلًا.”
“المسألة النهائية في معالجة التيفلاوم…؟”
اندفعت الحقيقة من فمه دون قصد.
بصراحة، لم يكن يعرف ماذا يكذب في هذا الموقف.
لم يمضِ وقت طويل على تعارفهما، وهو لا ينوي مساعدته في نشاط تنظيمي، فبأي ذريعة سيتذرع.
‘أنقذت حياتك، ففكّر بالأمر بجدية مرة واحدة على الأقل.’
“ها، لماذا تتعلق بالتيفلاوم إلى هذا الحد.”
“إذا أمكن الحفاظ على حالة تنشيط الأثير، فسيُستخدم التيفلاوم في شتى المجالات. إنه معدن سيُدر أرباحًا هائلة. هل يوجد ما هو أهم من المال لتاجر؟”
“أنت إنسان لا يُدرى هل أنت نبيل أم وضيع.”
“ربما الثانية. لا يوجد فيّ شيء نبيل. أنا ابن تاجر.”
“وأنت هكذا، لماذا تعادي ملكيور؟”
“لأنني أقف مع آرثر.”
بدا الاضطراب على وجه فران، كأن الإجابة لم تخطر له على بال.
كان في إخبار فران مخاطرة بأن يصل الأمر إلى ملكيور، لكن لا يمكن إخفاء الوقوف إلى جانب آرثر إلى الأبد.
إن كان في ذلك كسب لثقة فران، فهي مغامرة تستحق.
“…في النهاية هم جميعًا ملوك مقرفون.”
“حتى لو فكرت هكذا… آرثر لن يُكره أحدًا على كسر إرادته، ولن يجبر أحدًا على الخضوع قسرًا. هذا أكثر ما يكرهه. لقد عانى منه كثيرًا.”
“وكيف أنت واثق؟”
“أنا أرى المستقبل. أما زلت لا تصدق؟”
لم يكن بوسعه ألا يصدق.
فمنذ ساعات قليلة فقط، وبفضل كليو، انحرفت شفرة فأس الموت عن جسده بشبر واحد.
“أبي وُلد عاميًا في أحياء أورينس الفقيرة، وأنا ابنه.”
ردد كليو ما كانت ديون قد قالته له سابقًا.
“لقب البارونيت الذي يحمله أبي اشتراه بالمال، والجميع يعلم ذلك. أولئك الشيوخ المتعالون في مجلس النبلاء لن يختاروا أبدًا رجلًا مثل أبي وزيرًا للتجارة. أما أن يحصل رجل أعمال أصبح ثريًا فجأة في جيل واحد على مقعد؟ فهذا مستحيل في مجلس العامة الحالي.”
‘هيا، فلنخاطب السيد اليساري ابن أسرة كونت من باب الأصل والنسب!’
“الشخص الذي سيصنع أفضل عالم لي، أنا العامي الأصل، هو آرثر. هناك مستقبل لا يستطيع تحقيقه إلا آرثر، الذي ليس ابنًا شرعيًا ولا مولودًا من زواج رسمي. لقد رأيت ذلك.”
عقد فران ذراعيه وظل صامتًا طويلًا.
لم يكن واضحًا هل أثّرت كلماته أم لا، وفيما بدا كأنه يسخر من كليو، بدأ الفجر يشرق بلون أزرق باهت.
اجتاحه إرهاق دوّار كأنه انهيار أرضي.
بجسد بلا طاقة قفز من الطابق الثالث، وتسلق الجبل، وذهب وإيابًا مرات عدة، واستخدم السحر، واستمع بعقل صافٍ إلى حكاية فظيعة يصعب احتمالها.
كان الألم يعم جسده كله، حتى إنه كاد يصرخ، وعندها أخيرًا فتح فران فمه.
“من أجل تنشيط أثير التيفلاوم، فإن أكثر العوامل الحفازة فاعلية لنقش الصيغة هو….”
***
ماهو رايكم بترجمة فصل هل لذيكم ملاحظات.