– معيار الاستثمار (3) –
كانت ديون في الليل جميلة إلى حد لا يُضاهى.
ارتدت فستان دانتيل منسوجًا بخيوط فضية، وزيّنت شعرها الوردي الرمادي المرفوع بزينة من اللؤلؤ. وكانت أقراطها من اللؤلؤ أيضًا. وضعت مساحيق خفيفة للغاية، فبدت على خديها وشفتيها حمرة تشبه لون أزهار الكرز.
ورغم جهله بالموضة، أدرك كليو سريعًا أن لديون خبرة في الأناقة. فحين سارا في الطريق، لم يحدّق بها الرجال فقط، بل النساء أيضًا كأنهن مسحورات.
‘يكفي أنها تأنقت بهذا الجمال، فلماذا تزعجني أنا أيضًا….’
قبل بدء الحفل بساعة ونصف، استدعت ديون حتى خادمات الفندق وبدأت مشروع ‘صنع إنسان من كليو آسيل’.
وأمام الآخرين عادت لتناديه بـ‘السيد الشاب’، ثم راحت تهيئه بصرامة من رأسه حتى أخمص قدميه.
كانت ياقة القميص مشدودة بقوة حتى أصبحت مزعجة، والسترة كانت أكثر ضيقًا من الزي المدرسي.
ارتدى كليو ملابس غير مريحة لم يلبس مثلها قط فارتعد منها، لكن الخادمات تجاهلن اعتراضه ولم يستمعن إلا إلى ديون.
“لا تعلم كم ترجيت الخياط ليُنهي هذه البدلة الرسمية على عجل. لقد صنعها دون تجربة أولية وبذل جهدًا كبيرًا.”
“…ألم تقرري التوقف عن كونك ‘مدرّسة خاصة’؟”
“لو كنتُ مجرد ‘مدرّسة خاصة’ لما احتجتُ إلى تلميعك بهذا الشكل. لكن لا يمكن أن يظهر ‘شريكي’ بمظهر بائس أمام الناس.”
وأخيرًا انتهت ساعة العذاب، ووضعت ديون قبعة أسطوانية على رأسه.
أغرقت الخادمات إنجازها بالمديح.
“حقًا ذوق ليدي ديون رائع. لقد أصبح السيد الشاب شخصًا آخر.”
“تحوّل إلى سيد أنيق بكل معنى الكلمة!”
اقتيد كليو أمام المرآة، ففوجئ هو الآخر.
‘…كيف يمكن لهذا أن يحدث…؟’
لقد عوّضت الملابس المفصلة بعناية بنيته النحيلة، ومع تصفيف شعره بدا كأنه من شاب الى رجل أعمال.
ورغم أنه أصغر سنًا وأضعف بنية، بدا من زاوية ما شبيهًا بغيديون آسيل.
كانت ديون تنظر إلى المرآة معه، لكنها ظلت تشعر بأن شيئًا ناقصًا، فأمسكت بذقنها تفكر.
“ليدي ديون، أليس هذا كافيًا….”
“همم، ما زال هناك شيء ناقص. آه، زهرة الياقة! نسيت ذلك!”
‘وما هذا أيضًا….’
ركضت بخفة إلى المزهرية على الطاولة، قطفت زهرة بيضاء، ثم ثبتتها على ياقة كليو.
حين انحنت لتثبيتها، انبعثت من عنقها رائحة عطر خفيفة ومسحوق تجميل. كانت المسافة قريبة حتى إن وبر الجلد يُرى، فشعر بوخز غريب.
“تم. بهذا الشكل سيعتبرك أي شخص محاورًا لائقًا.”
“هل يجب فعل كل هذا لممارسة الأعمال في هذا البلد؟”
“إن أردتَ أن تمارسها ‘جيدًا’. لقد اخترت شريكًا ممتازًا. فأنا خبيرة في مثل هذه الأمور.”
“هاه….”
“وفوق ذلك، الشعبية لدى الجنس الآخر يمكن أن تصبح شبكة علاقات وسلاحًا إن استُخدمت جيدًا.”
“لا أظن أن ذلك ضمن نطاقي.”
“يا للهول، لا تظن أن كل فتاة تحب وسيمًا منحوتًا كتمثال. لنوعك طلب مستمر. صدقني، أنا ديون التي ظهرت في المجتمع في السادسة عشرة واجتاحت العاصمة.”
‘من المؤكد أن ذوق هذه المرأة في الرجال غريب. ألم تمدح غيديون آسيل سابقًا… صحيح أنه وسيم، لكنه يبدو كإنسان بدم بارد.’
“بالمناسبة، هل تجيد الرقص إلى حد ما؟”
“الرقص؟ أي رقص تقصدين؟”
“أليس ما يُرقص في الحفلات واضحًا؟ رقص الصالونات.”
“لا أجيده. لم أتعلمه.”
“…ها، هذا جنون. كيف يمكن ذلك؟”
انهارت الأجواء اللطيفة في لحظة. وأخذت ديون التي بدت كأنها خُدعت تتذمر طوال الطريق إلى القاعة.
.
.
.
بدأت المأدبة بعد التاسعة بقليل.
امتلأت القاعة بنساء متأنقات ورجال يرتدون معاطف رسمية. حيّا كليو الناس وفق ما قادته إليه ديون، وتبادل أحاديث خفيفة بلا معنى حتى اعتاد الأجواء.
وحين بدأ ينسجم مع الحفل إلى حد ما، اختفت ديون نحو مركز القاعة بعد أن اجتذبتها أيادٍ تناديها.
بقي كليو وحده، فأمسك كأس شمبانيا وراح يتفحص المكان.
في تلك اللحظة، فوق عزف الفرقة الخافت، سمع صوتًا مألوفًا.
كانت سيل.
“لقد أتيت يا كليو! يشرفني أنك قبلت الدعوة!”
“الشرف لي. شكرًا لإعدادك مكانًا جميلًا.”
‘لكن… حتى هنا ترتدي ملابس رجالية.’
بدت سيليست، ببدلة رسمية بلون كريمي، كنجمة قديمة من ممثلي هوليوود الذين كان أصغر المحررين يعجب بهم.
وحين سرّحت شعرها إلى الخلف، برزت الشامة فوق عظم خدها الأيمن، فانبثقت منها هالة ناضجة وخطرة.
“راي!”
“راي، مرحبًا! تبدو أنيقًا اليوم.”
“تبدو كالكبار؟”
تحت حضور سيل الطاغي لم ينتبه إلا متأخرًا. كانت على جانبيها أختا أنجليوم.
“ليفي، ليتيشيا. أنتما أيضًا متأنقتان.”
ارتدت الأختان فساتين واسعة منخفضة الخصر مزينة بطبقات من الكشكش. ومع إكليل الزهور على رأسيهما بدتا كخدمتي زفاف و لقد بداتي لطيفتين للغاية.
ركضت الأختان وتعلقتا به، تشدان ذراعيه. ورغم مظهرهما الطفولي اللطيف، لم يستطع كليو إبعادهما بقوته، فهما تتدربان على السيف منذ الرابعة.
‘آه… حتى أمام هؤلاء لا أستطيع الفوز.’
“يا فتيات اتركن كليو. لقد تأنق بصعوبة، وستتجعد ملابسه.”
“آه، آسفة”
“آسفة!”
“أعددنا هناك شربات وبودينغ، هل تذهبن لتذوقهما؟”
“حسنًا!”
“جيد!”
بعد أن حوّلت انتباه التوأمتين إلى الحلوى، تابعت سيل كلامها.
“واو، سمعت شائعات عن ليدي ديون، لكن لم أتوقع هذا المستوى. مهارتها مذهلة. يجب أن أقدم جائزة لمن استطاعت إبراز هذا القدر من الإمكانات في مظهرك.”
“حين تقول ذلك بوجهك هذا، يبدو كأنك تسخر من الناس، فلتعلم ذلك.”
“هاها. لمجرد أنك ارتديت ملابس أنيقة قليلًا، هل حاولت أن تقارن نفسك بي، وأنا لا أفقد مكاني كشخصية محبوبة بين الشابات؟ لديك جانب لطيف يا كليو!”
لم يجد كليو ما يرد به، فاكتفى برشفة من الشمبانيا. وكما أكدت سيل، كان مذاق الشراب وحده رائعًا.
“سمعت حديث دار المزاد ترينيتي ظهرًا. إذًا لم تأتِ إلى هنا للترفيه فقط؟”
“هكذا صار الأمر.”
“ما معنى هكذا صار الأمر، لقد انقلبت نوفانتيس رأسًا على عقب. السيدة سيليوم التي كانت معك حين فزت بقِيثارة أول مرة، نشرت الشائعات بلا توقف.”
‘إذًا تلك السيدة التي كانت تتحدث عن المبالغة في السعر من الخلف هي السيدة سيليوم. هل ينبغي أن أشكرها على الدعاية المجانية.’
“بفضل ذلك، لا يتحدث من اجتمعوا اليوم إلا عنك. وحتى الآن يرمقوننا خلسة.”
“وإن نظروا فماذا.”
ترددت همسات مثل ‘كما هو متوقع من الابن الثاني للبارون آسيل’ و‘هيبة وسلوك لا يليقان بعمره’.
‘يقيّمون الناس وهم أمامهم، هل هذه هي أوساط المجتمع الراقي. يا للعجب.’
إن ألقيت الطُعم، فيجب أن تلتقطه سمكة حقيقية، فما فائدة تجمع الأسماك الصغيرة كثيرة الكلام.
أنهى كليو كأس الشمبانيا الطويل بسرعة، ثم التقط كأسًا جديدًا بوجه خالٍ من الانفعال.
“على أي حال، أمي تريد رؤيتك.”
“ذلك بحد ذاته شرف.”
ارتفعت زاوية فم كليو قليلًا خلف الكأس.
كانت السمكة الكبيرة التي ينتظرها.
أعظم مورد حصلت عليه سيليست بعد أن أصبحت زميلة دراسية هو نقطة الاتصال مع كاتارينا.
‘بعد أن تقلبت على يد تلك المرأة بما يكفي، يجب أن أستغل أي مورد يقع في متناول يدي حتى يكون الأمر مجديًا. ما دام هناك مكان ما تسير فيه أحداث ستقلب العالم، فعليّ أن أسرع أنا أيضًا.’
“شرف، إذًا. نعم، ففرصة تقبيل ظهر يد أمي لا تأتي بسهولة. انظر، حتى الآن هي محاطة بالمعجبين.”
على بعد أمتار قليلة، كانت امرأة تسير بينما يحيط بها رجال شبان ومسنون بنظرات الإعجاب والتوسل.
‘حسب ما في المخطوطة، يفترض أنها في أواخر الأربعين، لكنها لا تبدو كذلك أبدًا.’
رفعت كاتارينا شعرها الكحلي، المشابه لشعر سيل، بتسريحة فاخرة وزينته بقطعة رأس مرصعة بعشرات الألماسات.
بدت عيناها الفضيتان اللامعتان والألماسات وكأنهما يعكسان الضوء لبعضهما.
نظرت إلى كليو بنظرة تشبه مخلوقًا أسطوريًا يمكنه أن يحجر الرجال إن التقوا بعينيه. وسرعان ما تراجع الرجال واحدًا تلو الآخر من حولها.
“إذًا أنت كليو، صديق سيل. هل والدك بخير؟”
“تشرفت بلقائكِ، أنا كليو آسيل. وقد سمعت أن والدي بخير.”
“هوه.”
كان تصريحًا يضع الأب على مسافة. وضعت كاتارينا إصبعها تحت ذقنها وأمالت رأسها قليلًا. لقد بدأ البحث.
فرد كليو ظهره عن قصد، وثبّت قدميه على الأرض ودفع ذقنه قليلًا إلى الداخل.
من هنا تبدأ المواجهة الحقيقية.
كان لا بد أن تنجح التحضيرات الأولية لليوم، حتى تنجح الخطة النهائية أيضًا.
.
.
.
أُغلِق الباب وأُسدِلت الستائر، فكانت الشرفة في الأصل مكانًا مخصصًا للقاءات العشاق السرية، لكن الحوار المتبادل بين كاتارينا وكليو كان جافًا إلى حدٍّ بعيد.
بالنسبة إلى كاتارينا، لم يبدُ كليو آسيل سوى صبيٍّ صغير إلا خلال الثواني الأولى فقط.
ما إن نطق بتحيةٍ حتى أدركت. لم يكن طفلًا أثار حادثة مسلية فحسب.
لقد كانت الآن تحدق فيه بلا ابتسامة، تضغط عليه بهيبتها.
حتى رئيس المستشارين الملكيين يكاد ينكمش أمام هيبة كاتارينا، أما هذا الصبي الذي لا يُحسن حتى حمل السيف كما ينبغي، فلم يتراجع قيد أنملة، بل قابل نظراتها بثبات.
"سيتغير مخطط تطوير العاصمة. ينبغي أن تختاروا موقع الفندق الجديد في الجهة الشرقية."
"تابع كلامك."
"لا سيما الفندق العصري الذي تركزون عليه مؤخرًا، يا سيدتي. إن كان مكانًا يصلح للاجتماعات التجارية والاستقبال، فالأمر يزداد ضرورة."
"إن كانت هناك منطقة صالحة في الجهة الشرقية، فلا يوجد سوى حي سكولا حيث تقع المدرسة التابعة لفيلق الدفاع عن العاصمة الملكية. أما ما عدا ذلك، فلا محطة قطار، والتقسيم معقد، وعلاقات الملكية متشابكة. أترى سببًا لبناء فندق فاخر لرجال الأعمال في مكان كهذا؟"
"هل ما يُعد مناسبًا الآن، كان مناسبًا في الماضي أيضًا؟ وهل ما هو مناسب الآن سيظل كذلك في المستقبل حتمًا؟"
"كلام يبدو معقولًا لكنه بلا مضمون. لا أرغب في إضاعة الوقت على توقعات بلا تفاصيل."
شربت كاتارينا ما تبقى من الشمبانيا في جرعة واحدة، ثم وضعت الكأس على حافة الدرابزين. كان ذلك يعني أن الوقت المخصص قد انتهى، وأن عليه قول الخلاصة.
"يمكن إنشاء محطة قطار في أي مكان. متى تجاوزت الحاجةُ العوائق."
تجعد ما بين حاجبي كاتارينا. فهي أيضًا سيدة أعمال ترتبط بقنوات وثيقة مع الحكومة والعائلة الملكية. ولم تسمع بمثل هذه الأخبار عبر أي قناة.
"هل هذا من معلومات البارون آسيل؟"
"لا. لا علاقة للأمر بوالدي إطلاقًا. أود أن تدركي أن لي هدفًا واتجاهًا منفصلين تمامًا عنه."
"إذن، ما الذي ينبغي أن أراه فيك لأصدق هذا الادعاء الغريب؟ إذا نزعت لقبك، يا كليو، فأنت مجرد طالب."
"ألم يصبح ولي العهد ملكيور وليًا للعهد في السابعة عشرة؟ أكان ناقصًا؟"
اختار ردًا قد يبدو استفزازيًا قدر الإمكان. لأن المخطوطة ذكرت أن كاتارينا تُقدّر الجرأة وروح المغامرة…
في الحقيقة، كان التوتر يزحف في ظهره منذ قليل حتى أوشك أن يُحكّه. وكلما شعر أن حركاته ستغدو متيبسة، تذكر بطن بيهيموث الطرية ليبدد توتره.
لم تكن كاتارينا تانبيت دي نيجو تعقد صفقات قط مع شخص تلتقيه للمرة الأولى أو مع من يستخدم اسمًا مستعارًا. فقد بنت أعمالها عبر شبكة علاقات متينة من أصول نبيلة.
حتى لو وُسِم بكونه شابًا وقحًا متهورًا، كان لا بد من ترك انطباع. وإلا فلن تعقد صفقة مع صبي في السابعة عشرة تلتقيه لأول مرة.
‘لنرَ إلى متى ستبقين في موقع القوة، يا سيدتي. أعلم أن كلامي يبدو كهراء محتال يدعو للاستثمار، لكنني أيضًا لا أرغب في هذا التبجح الفارغ.’
ومع ذلك، لم يستطع تسريب كل المعلومات التفصيلية. فاحتمال أن تستشير كاتارينا أحدًا قد يفسد الأمر، وإن كان ضعيفًا.
"هل لديك دليل؟"
"سيتضح قريبًا. أنتِ أدرى مني أن الخبر إذا نُشر في الصحف يكون قد فات الأوان. لا أستطيع قول الكثير ونحن لم نتفق بعد، لكني أنصحكِ بمتابعة تحركات قسم التحقيق في مكتب المناجم ابتداءً من الآن."
مكتب المناجم، الضفة الشرقية لنهر تيمبوس، محطة القطار. بدأت كلمات المفاتيح المفاجئة تدور سريعًا في ذهن كاتارينا.
"إن وجدتُ أساسًا منطقيًا لكلامك، فسأحرص على إبلاغك."
"سنلتقي مجددًا قريبًا. أود أن أُعلمكِ مسبقًا أنني أرغب في عقد صفقة تعود بالنفع علينا معًا، يا سيدتي."
قبّل كليو ظهر يد كاتارينا كما تعلم من ديون. وكان طرف اليد الذي أمسكه بدافع اللياقة باردًا على نحوٍ ملحوظ.
.
.
عادت ديون إلى الغرفة، وبعد أن سمعت ما دار من حديث، أخذت تضحك بصوتٍ عالٍ في سرور.
"لابد أن لديك ما تعتمد عليه، حتى تلوّح بالطُعم لتلك كاتارينا الشبيهة بالأفعى عتيق عمره مئة عام، أليس كذلك؟"
***
ماهو رايكم بترجمة فصل هل لذيكم ملاحظات.