– معيار الاستثمار (4) –
كان كليو ممددًا على السرير بعد أن فك ربطة عنقه فقط، فأومأ برأسه.
كان التظاهر بأنه رائد أعمال شاب طموح عاطل عن العمل مجازفةً كبيرة بالنسبة له.
‘ومع ذلك، تمكنت من إنجاز الأمر بطريقة ما. هوووه.’
"إذن حان دوري الآن لتخبرني بما يجري في الداخل؟"
"إخباركِ أمرٌ بديهي، بل أود أن أطلب مساعدتكِ أيضًا…."
"بما أنك تجرّ ذيل كلامك، فلن تفتح فمك مجانًا… سنكتب اتفاقية سرية، ونستخدم صيغة السحر [التعهد] مرة أخرى، أليس كذلك؟"
"هذه المرة، سأستخدم أنا صيغة السحر."
"شخص لم يقترب من عالم الأعمال قط، ومع ذلك يحفظ تلك الصيغة السحرية الصعبة جيدًا."
"لأنني طالب."
"فقط في مثل هذه اللحظات تتذكر أنك طالب! عذرٌ جميل."
قبل أن يبرد الأثير في صيغة السحر [التعهد] المكتوبة في العقد، دفعت ديون الكرسي فسقط. ناسِيةً مظهرها، صعدت إلى السرير الذي كان كليو مستلقيًا عليه وكأنها على وشك أن تمسك ياقته.
"منجم تيفلاوم؟ في دوبريس؟"
"خلال شهرين ستعلن إدارة المناجم عن الكمية المتوقعة للاستخراج."
"إن تيفلاوم معدن لم يُعثر منه إلا على بضع قطع حتى الآن! إذن قيمة العِرق ستكون هائلة."
"صحيح. لكن بحسب المعلومات التي حصلتُ عليها، يمتد العِرق فقط داخل أقصى شمال سلسلة جبال بينتوس، أي ‘غابة الملك’، وهي أرض ملكية، لذلك سيؤول تيفلاوم المستخرج إلى الدولة."
"لن يكون لنا شيء نأخذه إذن."
كانت ديون تفهم بسرعة.
وعلاوة على ذلك، رغم أنه لا يستطيع إخبارها الآن، فبحسب المخطوطة سيُصنَّف تيفلاوم كمورد استراتيجي، وستُؤمَّم أيضًا صناعات المعالجة والصهر أثناء الحرب.
أي أن الاستثمار في القطاع الصناعي لن يحقق سوى استرداد رأس المال بالكاد.
"صحيح. لكن العقارات مختلفة. فحركة النقل واللوجستيات إلى دوبريس ستنفجر، ومحطة القطار المركزية الحالية تقع في قلب الحي الإداري، فلا مجال لتوسعتها."
"إذن… يجب بناء محطة نهائية جديدة!"
أومأ كليو.
"…وأنت تعرف أين ستُبنى المحطة."
"بدقة أكثر، في حي أوريلِس."
"أوريلِس… موقعه جيد في الشمال الشرقي، لكن تقسيمه معقد، وهناك أرض ملكية في الوسط تجعل من الصعب استخراج مساحة للمحطة."
"أتوقع أن تُبنى المحطة على تلك الأرض الملكية تحديدًا. فولي العهد سيحاول كسب دعم العامة ودوائر الأعمال عبر تخصيص أرض ملكية خاصة كموقع للمحطة وساحة القطار."
"يا للهول!"
"عندما تُعلن خطة بناء المحطة سترتفع أسعار الأراضي المجاورة ارتفاعًا هائلًا. وبما أنني لا أستطيع التحرك مباشرة، أود أن تتولي الأمر بدلًا مني، ما رأيكِ؟"
بـ ‘الوعد’ 「الذاكرة」 راجع الأجزاء ذات الصلة مراتٍ عدة.
بعد بضع سنوات، ستصبح محطة لونداين الشرقية المحطة النهائية للقطارات القادمة من منجم دوبريس، ومركزًا للصناعة واللوجستيات.
وأمام المحطة سيمتد شارع ميلكيور بطول 300 متر، وفي نهايته، مقابل مبنى المحطة، سيُبنى فندق دي نيجو إِست.
في المخطوطة الأصلية، كان وزير التجارة قد أدرك نية ولي العهد مسبقًا فاشترى الأراضي المحيطة بالمحطة باسمٍ مستعار، ثم أجّرها لكاتارينا التي أرادت بناء فندق، مقابل مبلغٍ مجزٍ.
وقد ذُكرت هذه التفاصيل في المخطوطة لأن حزب بطلنا العادل كشف لاحقًا الجهة التي تقف خلف ذلك السياسي.
‘بدل أن تصبح مصدر أموال سياسي فاسد سيُغتال لاحقًا… من الأفضل أن أستخدمها أنا.’
ولم يكن ذلك كل شيء. ففي أواخر المخطوطة، سترتفع أسعار أراضي لونداين، التي ستصبح الأكثر أمانًا في ألبيون، إلى مستوى لا يُقارن بالحاضر.
‘الآن آخر قطار.’
ظلّت ديون تحرّك شفتيها بصمتٍ لعدة دقائق، ثم أجابت كما توقع.
"يبدو حقًا كلامًا يستحق كتابة تعهدٍ بالسرية. من أين تحصل على كل هذه المعلومات؟ لديك أساسٌ لذلك، أليس كذلك؟"
"لدي أساسٌ مؤكد. سأخبركِ به تدريجيًا."
"حسنًا. سأثق بك. عندما نعود إلى العاصمة لنكتب عقدًا رسميًا فورًا. ليس فقط وكالة الشراء هذه، بل تفويض إدارة الأراضي مستقبلًا أيضًا. هذا ما تريده مني، أليس كذلك؟"
"يسرّني أنكِ سبقتِني إلى ما كنت سأقوله، فهذا يسرّع الإجراءات. عندما نعود إلى العاصمة سأحدد لكِ الأراضي المراد شراؤها على الخريطة المساحية. لننهِ الأمر هنا."
"يا للهول، لقد تجاوزت الساعة الثالثة بالفعل."
"نامي."
ربما لأن التوتر زال، بدأت عينا كليو تثقلان سريعًا.
أطفأت ديون مصباح الغاز وغادرت الباب، لكنها فجأة عبّرت عن تساؤل خطر ببالها.
"لكن راي، لم تصدر نتائج التحقيق بعد، فكيف عرفت أن الموجود في دوبريس هو عِرق تيفلاوم؟"
كان كليو على وشك النوم، فالتقط أي عذر.
"…فكّري جيدًا في المكان الذي أرسلتِ فيه فرسانكِ للإمساك بي."
"لا تقل إنك كنت في سلسلة جبال بينتوس لإجراء مسحٍ جيولوجي؟"
"شيء من هذا القبيل…."
"لقد ارتكبتُ خطأً كبيرًا لأنني لم أفهم نيتك. سأعتذر لك الآن."
لم يأتِ جواب. بل تردّد فقط صوت أنفاسٍ منتظمةٍ هادئة.
كان جانب وجه كليو، تحت الضوء الخافت القادم من غرفة الاستقبال، لا يزال طفوليًا. مختلفًا تمامًا عما يبدو عليه حين يفتح عينيه.
***
في اليوم التالي لانتهاء الحفلة عادوا فورًا إلى العاصمة. وأعطى كليو إلى بيهيموث، الذي كان يموء مطالبًا بهدية، زجاجة الشمبانيا التي أهتده إياها سيل.
وبعد أن أمضى كليو، ضعيف البنية، يومًا كاملًا آخر في النوم، أيقظته ديون التي أنهت استعداداتها تمامًا.
جلس الاثنان متقابلين في غرفة نوم كليو، ورأساهم متقاربين.
أصرّ كليو، واضعًا المستقبل في اعتباره، على ضرورة فرض أعلى درجة من العقوبات في العقد.
فالمال المتداول في هذه الصفقة يبلغ خمسة ملايين دينار، لكن المال الذي سيتداول في الأعمال القادمة قد يصل إلى خمسين مليون دينار.
"سيدي الشاب، أنت دقيق للغاية. هل يجب فعل كل هذا من أجل صفقة عقارية وتفويض إدارتها؟"
"المال لا يعرف أبًا ولا ابنًا. ثم إننا لسنا علاقة تنتهي بعد صفقة عقارية واحدة، أليس كذلك؟"
"أوه، أصبحت تجيد الكلام ذو المعاني العميقة."
"أنا أؤمن بكِ كشريكة تعاون طويلة الأمد، يا ليدي ديون… وآمل ألا يكون ذلك إيمانًا من طرف واحد."
"حسنًا، جيد. لنكتب عقدًا بأعلى درجة عقوبات. فهذا يعني أن حياتي، وحياتك أيضًا، على المحك."
كتب الاثنان رسميًا ‘عقد النقش الأثيري’.
وكان العقد المكتوب على رقٍ مغطى بمسحوق بلورات حجر السحري، والمزدوج بصيغتي السحر [التعهد] و[التنفيذ]، أداةً سحرية أيضًا.
فعند تفعيل العقد تُنقش الصيغ السحرية في قلب كلا المتعاقدين. وإذا لم ينفذ أيٌّ منهما ما تم [التعهد] به، يتوقف القلب.
واتفقا على إضافة أي بنود جديدة بالتشاور، وحُفظ العقد في خزنة كليو.
"إذن سأبلغك بالوضع الحالي. ملاك الأراضي في المنطقة التي حددتها على الخريطة أمس عددهم اثنا عشر. والمستأجرون واحد وعشرون. بعد حريق أوريلِس قبل عامين غادر معظمهم، لكن من بقي لم يجد مكانًا آخر. لشراء كامل الأرض ضمن المدة المطلوبة سنحتاج إلى تعويضات إضافية أو تكاليف إخلاء كبيرة."
"كم تتوقعين أن تزيد التكاليف؟"
"نحو عشرة بالمئة من سعر الأرض. هل ستستمر؟"
"سأعهد إليكِ بالمبلغ كاملًا، خمسة ملايين وخمسمئة ألف دينار، فتصرفي وفق تقديرك حتى في التعويضات. وادفعي للمستأجرين أيضًا بدل انتقال سخيًا كي لا تظهر مشاكل. الأهم هو الموعد النهائي."
"واااه، نقدًا كاملًا دون قرض."
"كيف لي أن أحصل على قرض دون ضمان؟ ثم إن انتظار الموافقة سيُفسد الأمر."
"فهمت أنك تريد الحسم السريع. لحسن الحظ، للنقد قوة. سأبلغك بالتقدم أولًا بأول."
"شكرًا لكِ، ليدي ديون."
"لا داعي لشكرٍ لي، إن كنت ستواصل العمل…."
بدأت نبرة ديون تتحول تدريجيًا من ‘شريكة’ إلى ‘معلمة’. شعر كليو بذلك الشعور المشؤوم الذي بات مألوفًا لديه.
"سأترك لكِ كل شيء ولن أظهر في الواجهة. لا تحاولي تكليفي بشيء إضافي."
"حتى إن لم تعمل في الأعمال، يجب أن تتعلم الرقص. فهذا من أساسيات الرجل المهذب. كيف لم تتعلم الرقص الاجتماعي حتى الآن؟ هل تعلم كم ارتبكت يوم الحفل؟ حتى لو حفظت الخطوات الآن فقد تأخرت! الطريق طويل!"
"أنا أجني المال لأتجنب فعل ما أكرهه. أي رقص هذا؟ تقبّلي حدود الطالب الذي تتولين تدريسه، يا ليدي."
"ماذا؟! لا تختلق أعذارًا سخيفة. ليس كل حفل يمكن الإفلات منه كما فعلت في الحفل السابق―."
"كفى!"
ترك كليو ديون التي بدت مستعدة لبدء درس الرقص فورًا، وغادر غرفة النوم مسرعًا.
فمنذ البداية كان إحساسه بالإيقاع سيئًا. والرقص أمر يفوق قدرته.
لكن ديون لحقت به أسرع مما توقع. ومع صوتها الذي يلاحقه، كان كليو يركض نازلًا السلم المركزي درجتين درجتين دون اكتراث بالمظهر.
وفي عجلةٍ منه تعثر. ومع اندفاع الجري ارتفع جسده الصغير في الهواء كأنه يُقذف.
كان الأمر مفاجئًا لدرجة أنه لم يستطع حتى طلب النجدة. ولم ينطق التعويذة، فلم تُفعَّل حماية سحرية.
انكمش كليو غريزيًا استعدادًا للصدمة القادمة. لكن قبل أن يصطدم بالأرض، اندفع جسدٌ بسرعة البرق والتقطه.
"هل أنت بخير؟!"
كانت فتاة بشعرٍ أحمر وعينين متسعتين من الدهشة، إيسييل كيسيون.
"إيسييل، كيف جئتِ إلى هنا…."
استطاعت إيسييل بذراعيها النحيلتين أن تتلقى كليو بسهولة. بدا أن تقنية [التعزيز] التي تستخدم الأثير في الجسد قد تطورت لديها.
لم تمضِ سوى أسابيع قليلة، ومع ذلك بدا مظهرها أكثر نضجًا. لامس شعرها الأحمر الطويل خده، فداعب أنفه.
كانت تتفحص كليو بقلق وهو بين ذراعيها، ثم عادت سريعًا إلى وجهها الخالي من التعبير وأرخَت ذراعيها.
"يبدو أنك بخير."
طَپّ—
"آه!"
تراجعت إيسييل خطوة، تاركة كليو يتأوه على الأرض. وبعدها اندفعت ديون نازلة السلم كالعاصفة، وراحت تفحص جسده بقلق.
"هل أصبتَ في مكانٍ ما؟ لم أتوقع أن يحدث هذا! سيدي الشاب، أنا آسفة! يجب أن أستدعي طبيبًا!"
ومع الضجة استيقظ القط أيضًا. خرج بيهيموث من أسفل السلم رافعًا ذيله، يلوم البشر الذين أزعجوا قيلولته.
"مياو؟ مياو―(لماذا توقظون هذا القط النائم؟ أيها البشر الجهلة―)."
أمام السلم المركزي في القصر اختلط المشهد: فتاة عابسة، شابة مذعورة، فتى محرج ومخجل، وقط استيقظ للتو.
"كليو! يبدو أنك كنت تقضي وقتًا ممتعًا لدرجة أنك نسيتني تمامًا؟"
كان هناك صوتٌ أضاف مزيدًا من الفوضى إلى المشهد.
كان آرثر.
.
.
.
بعد إعادة افتتاح القصر، ربما كانت السيدة كانتون مسرورة لأن أول ضيف هو ‘أمير’، فقد قدّمت أفضل أطقم الشاي وحلويات متقنة على نحوٍ مبالغ فيه.
لكن دون جدوى تعبها، إذ كان ذلك الأمير منشغلًا بالضحك، حتى إنه لم يمد يده إلى الحلويات.
أما إيسييل الواقفة خلف آرثر فكانت صامتة، وكأنها لا تنوي المشاركة في حديثٍ بهذا المستوى المتدني.
"أواههاهاهاها، هل تعثرت وأنت تهرب لأنك لا تريد تعلم الرقص؟ هذه أظرف قصة سمعتها هذا الصيف. لا يمكن هذا. تتظاهر بالذكاء، ومع ذلك تفتقر إلى الأساسيات!"
"هذا ما أقوله. يا صاحب السمو، حاول إقناع سيدي الشاب قليلًا."
"إن لم يستمع إلى كلام الليدي، فهل سيستمع إلى كلامي؟"
ورغم أنهما يلتقيان للمرة الأولى، تبادل الاثنان المزاح بلا تكلف.
قطع كليو، الممدد على الأريكة، حديث آرثر وديون الودود بنبرة منزعجة.
"كفّ عن الضحك. لماذا أتيت إلى هنا أصلًا."
بدا آرثر، الذي رآه بعد أسابيع، وقد صارت ملامحه أشد حدة، مثل إيسييل، كما ازداد حضوره صقلًا.
‘بحسب ما ورد في المخطوطة… أليس من المفترض أنه يتلقى تدريبًا عسكريًا في إقطاعية الفيكونت كيسيون الآن؟ يبدو أنهم درّبوه بقسوة.’
ومع علمه بأن كليو يتفحصه علنًا، اكتفى آرثر بابتسامة خفيفة، ثم أخرج من جيبه ظرفًا مزخرفًا بذهبٍ فخم.
كان على وجه الظرف مكتوبًا بخط أنيق ‘كليو آسيل’.
"تفضل، خذ. هذه دعوة إلى مأدبة عيد ميلاد جلالة الملك."
"ولماذا تعطيني إياها أنا؟"
"يُقال إن الطلاب الذين يبرزون في المدرسة التابعة لفيلق الدفاع عن العاصمة الملكية يُدعون إلى المأدبة. سمعت بذلك لأول مرة أمس أنا أيضًا."
استرجع كليو المخطوطة سريعًا، لكن مأدبة عيد الميلاد لم تُذكر كحدثٍ مهم.
إذًا لم يكن لديه سبب للذهاب.
‘ثم إن الملك فيليب كان مريضًا بمرضٍ خطير، أليس كذلك؟ بالكاد ينهض من سريره، فما هذه الحفلة إذن.’
هزّ كليو رأسه دون أن يلمس الدعوة الموضوعة على الطاولة.
"لن أذهب. أبلغه باعتذاري."
"كنت أعلم أنك ستقول ذلك."
"ما دمت تعلم، فلماذا جئت؟"
"سواء أردت أم لا، ستذهب إلى المأدبة في النهاية."
كان كلام آرثر تأكيدًا قاطعًا. وتوهج ‘الوعد’ بضوءٍ غير مألوف، يشتعل بلونٍ أبيض.
[―تزداد درجة تدخل المستخدم في السرد.]
***
ماهو رايكم بترجمة فصل هل لذيكم ملاحظات.