الجانب المظلم للشمس الفصل 10 — مطر على نافذة مظلمة

اقرأ الجانب المظلم للشمس الفصل 10 — مطر على نافذة مظلمة باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل العاشر: المطر على نافذة مظلمة — الجانب المظلم للشمس. أول ما خطر لسورين أن يقوله سؤال، ومع ذلك، ولسان حاله يعتصم بندم خفيف، أمسك لسانه. أغلقا الباب الحجري وراءهما، وراقب صوفيا وهي تباشر العمل على قفل الباب الخيبي. تأمل سورين الشعار المنقوش على الباب؛ بدا كأنه درع نبلاء، وعليه صليب كهرماني يتوسط خلفية رمادية مصمتة، وتحت ذراعه اليسرى سبعة نجوم سوداء، وستة تحت اليمنى. قالت صوفيا وهي تضع كفها المحروق على موضع المفتاح تحت مقبض الباب: "حتى في الممات تترك لوسيان خلفها هذه السخافة اللعين. اللعنة على كل شيء". تسرّبت خطوط من النور الأبيض بضع بوصات من محيط يدها، تتقاطع بطرق شتى قبل أن تنحسر تماماً، ثم تبدأ مجدداً في ترتيب آخر. لمح سورين صوفيا وهي ترتجف بخفة شديدة. سألت ماريا: "لوسيان... من آل ليفيا؟". أومأت صوفيا بابتسامة خفيفة، لكنها كانت مركزة على يدها. "كنت سأصاب بخيبة أمل عظمى لو نسيتِها". تنهدت ماريا: "خشية أن ننسى ما حدث للتو—". "نعم. أعلم، لعمر السلف—". سأل سورين والتفت ليطيل النظر إلى الجدار الحجري من ورائه: "ذلك— الكائن. أسنكون بأمان هنا؟". أجابت صوفيا: "أوه، نعم. إنه وحش جبان، يحبس نفسه خلف حاجز الجوقة. إنه يعلم أنه محظوظ لعدم عودتي كي أنهي محوه من الوجود". انقبضت يد صوفيا الطليقة في قبضة محكمة قبل أن ترتخي بعد لحظات. لن ينسى قريباً رمح النور ذاك، رغم كل شيء. تنهد سورين. وأطرق بظره نحو سيبيل التي انوّت بخفة بين ذراعيه. تأمل الكدمات الحمراء الساطع لونها، والتي أدرك أنها تحتاج إلى مزيد من الإمعان في علاجها لتجنب خطر النزيف، ولجعل ألمها محتملاً بالقدر الكافي عند استيقاظها. ثم نظر إلى وجهها. تساءل كيف لمخلوق مثل هذه الطفلة أن يجد نفسه في مكان كهذا. جمع سورين أفكاره، وبينما كانت تكتنفها بعض الضبابية، إلا أنها كانت لتفسر سبب وصوله على طريقته الخاصة. تذكر آخر ما استطاع استرجاعه حين استيقاظه للمرة الأولى في هذا العالم، أو أياً يكن هذا الجحيم: النفر المعدني. طُرد من عالمه. اتُّهم، حوكم، سيق إلى الحكم، أُعدم. ماذا جرى ليُختزل إلى مثل هذه الحال؟ كانت جريمة الفرار مستحيلة التصور في ذهنه. ثم إن هذه الذكريات يجب أن تكون تخصه، لأنه آمن، بل وتيقن، وراء هذا الكاتدرائية-الجحيم الملعونة، أن قواه الشافية لم تاته من أي «معجزة» شيطانية؛ بل كانت مقدسة في طهرها المطلق، وامتداداً للخدمة التي يستطيع تقديمها للآخرين. ورغم استصعاب تصديق الأمر، فكر، إلا أن التهم قد تُختلق براعةً. ولكن لأجل ماذا، لم يكن يعلم، فهذا لم يكن مهماً... على الأقل، ليس الآن. هوة من اليأس يمكن أن تزال بإيمان مجيد—لذا، فكر، سأتحلى بالإيمان. لكن طفلة؟ لا تكرّ تجاوزت الخامسة عشرة؟ مخترقة وموشكة على الهلاك بفعل مسخ ما كان ليخلقه في أسوأ كوابيسه؟ صرّ سورين على أنفاسه. تخيل رأس المسخ المهشم من جديد—وبعد أن هدأت أعلاقه، أخذت الصورة ترعبه مطرداً. أأنا أتذكر شيئاً آخر، فكر. ماذا؟ ثم سرى فيه قشعريرة مع ومضة دم وصرخات تعلو مرجاً عشبياً تحت شمس لافحة ترددت في عقده—فأغمض عينيه بإحكام، مصلياً بصمت أن تنحسر تلك الرؤيا. وحدث ذلك بالفعل. ومع ذلك، تذكر في قاعة الحياة، لم يخاطبه أحد... ركّز مرة أخرى على سيبيل التي واصلت تنفسها بهدوء وثبات. لقد ترك مسار الشفاء سورين غارقاً في تعب بائن، رغم كل ما قالته ماريا عن عدم الحاجة بعد الآن للأكل أو النوم. وكل ما أراده الآن هو وضع الفتاة لترتاح، ومراقبتها. اختلجت سيبيل بخفة. وقالت بصوت بالكاد يُسمع، بينما ظلت عيناها مغلقتين وهي تتنفس بانتظام: "آه... شكراً لك، سورين". لا بد أن الفتاة ما زالت نائمة. قاد دهشة سورين الفورية دموعاً حرّى. وشعر بواحدة تغادر ذقنه لتستقر على سيبيل. قالت صوفيا، بينما أصدر الباب عدة أصوات فتح قبل أن ينفرج: "انتهى. جهد ليس بقليل لأجل قفل متواضع، لكن لوسيان كانت متزمتة دوماً في هذه الأمور. تفضلا بالدخول الآن". تنهد سورين بعمق حين التقت نظرات ماريا به. ابتسمت بخفة، لكن بدفء وهي تتبع صوفيا عبر الباب. ودخل سورين خلف ماريا. استعاد سورين بضبابية ذكرى بناء يشبه هذا من قبل، في وقت ما من الماضي، لكنه عجز عن تذكّر الاسم. وسأل: "وأي نوع من الأماكن هذا؟". أجابت ماريا: "كنيسة جانبية. وهذه تحديداً كانت تخص آل ليفيا". آه نعم، فكر. كانت الجدران الأربعة للكنيسة بأكملها مصنوعة من حجر أملس مصقول بلون العاج. وعند الجدار الشمالي، على بعد عشرين قدمًا أمامه، كان هناك مقعد حجري ملتصق بالجدار، تعلوه وسادة خضراء زمردية، بجاور نافذة بمحاذاة المقعد. ولم يكن خلف النافذة سوى ظلام دامس لا يكشف نور الكنيسة عن أي شيء فيه. وكان صوت قرع المطر عليها إيقاعياً، وثابتاً، وساكناً. تمني سورين لو أنه لم يلحظ النافذة أولاً. أخذ نفساً عميقاً واستجمع قواه. وإلى الغرب، كان هناك سرير يستند إلى إطار خشبي مصقول من الماهوجني، بحجم يسع شخصاً واحداً، ملتصقاً بالجدار. وإلى الشرق، كان هناك مذبح في وسط الجدار، وعلى كل جانب منه تجويف؛ وأياً كانت التماثيل التي استقرت يوماً في جوفهما، فقد دُمرت الآن. وفي نهاية الجدار الشرقي الأبعد عنه، كان هناك باب خشبي آخر. علق درع معدني، رُسم عليه ما بدا شعار النوابل، فوق سيفين قصيرين من الفولاذ متقاطعسن، بجوار النافذة، لكنه يعلو المقعد ببضع أقدام. قالت صوفيا متنهدة: "أه، كم أشتاق إليهم. كان بوسع لوسيان وأنا الحديث لساعات على الشاي والنشوق". قالت ماريا بهدوء ملحوظ: "حقاً. قد يقول البعض لفترات أطول من اللازم أحياناً". "أه، يا عزيزتي، لكنكِ تعرفينني حق القدر. كانت لي مخابئي حين تكون الأم كانت مزعجة". جلست على المقعد الحجري بجوار النافذة في الجدار الشمالي للكنيسة. قال سورين وهو يجلس بجوار سيبيل بعد أن أسلمها للسرير الملاصق للجدار الغربي: "يبدو إذن، أن هذا... المكان كان يعج بالحياة". تحدث بنبرة رقيقة وهو يتفحص كدمات سيبيل. قالت صوفيا وهي تواجه النافذة مسندة ظهرها إلى إطارها: "الحياة ليست بالوصف الدقيق لما أعهده هنا. ما رأيكِ أنتِ يا ماريا؟". كانت ماريا قد ركعت لتصلي بصمت أمام المذبح. وبعد دقيقة أو نحو ذلك، رماقها سورين وهي تنهض على قدميها. شعر بشيء في داخله ينتفض إزاء هذا الفعل بأسره. قالت ماريا وهي تلتحق بصوفيا على المقعد المجاور لها، بعيداً عن النافذة: "كان— بل هو مؤسسة. صرح عظيم وواسع للنفوس الضائعة. والحق أن كثيرين وفدوا وراحوا عبر الدورات". تنبه سورين فجأة لنفسه، أكثر من المعتاد، وهو يتفحص ملابس سيبيل وجسدها بحثاً عن أي خدوش، أو جروح، أو قطوع، أو كدمات، أو نتؤات، أو مفاصل مصابة. وعندما تأكد أنها كُدمت قليلاً لكنها في عافية حسنة إجمالاً، لمح يده ممتدة أمامه فوق الكدمات على فخذ الفتاة المسكينة، وتحسس جسده لما قد يكون مرتدياً إياه. ثم تذكر العباءة السوداء على ظهره، الممزقة الأطراف، المنسدلة من كتفيه حتى ركبتيه؛ والقميص الرمادي المائل للصفرة الذي يرتديه، والمصنوع من كتان ليس بخشين جداً، ولا بناعم جداً؛ والجوارب الصوفية المصبوغة بلون الرماد الممتدة من الخصر حتى الكاحل؛ وفي نهاية المطاف، إذ إنه نسي ذلك بطريقة ما، بدا وكأنه لم يرتدِ أحذية قط. كانت قدماه مغطاة بالغبار. واصل التحسس حول نفسه. جيوب؟ مخاليق؟ أكياس؟ أدوية؟ لا شيء، فكر سورين. لم يكن يملك شيئاً. لعن حقيقة استغراق كل هذا الوقت حتى لتفقد هذا الأمر. ولم يكن بحوزته ما يعين سحره، ففكر في التعويذة التي هبطت عليه عندما هدد القدر بقطع خيوطهما. استطاع استرجاع صيغة مخففة منها تنتج شكلاً أخف من الشفاء من دون الحاجة لاختراق اللحم للجراحة. وكان واثقاً من أن هذه التعويذات قوية حقاً، بل ومحفوفة بالمخاطر حتى على كبار جراحي الشفاء. قالت صوفيا وهي تطيل النظر من النافذة: "سورين". التفت سورين لينظر إليها، قبل أن يعيد تركيزه إلى سيبيل. أجاب سورين وهو يضع كفه فوق أسوأ الكدمات، الأقرب إلى داخل الفخذ: "كما كدتِ تبوحين به بصوت عالٍ قبل قليل، ليس لدي خيار. لكِ ذلك". انتفضت سيبيل، وأطلقت أنيناً خافتاً في نومها؛ ودون أدنى تفكير، وضع سورين إبهامه على جبهتها مجدداً، معتعوذ بكلمة "نوم" لها مرة أخرى. أدرك أن هذه التعويذة لم تكن بفاعلية الأفيون، ورغم إمكانية جعلها أقوى، إلا أن ذلك يهدد باختلالات في العقل والعاطفة، لذا وجب الاكتفاء بما توفر— تابعت صوفيا: "تمتلك موهبة معتبرة. ويبدو أنك أدركت ذلك الآن". توقف سورين برهة، قبل أن يعيد كفه لتستقر فوق الكدمة مجدداً. أجاب: "أياً ما أراد المرء تسميته، فهو الشيء الوحيد الذي يبدو أنني أفلحت في فعله بحياتي فوق «الجلد» حتى الآن". تراءى ضوء فضي، أهفت من ذي قبل، منبعثاً من كفه متمدداً فوق الكدمة. "نعم؛ «حتى الآن». وتبدو أنت أيضاً... هادئاً. رغم كل ما حدث، أعني". بينما كان يتعوذ بهمهمة خفيفة، عاين تحت الضوء الكدمة وهي تنحسر، ولم تعد تتجاوز بوصتين عرضاً، وفاتحة اللون نسبياً. ونقل كفه إلى التالية. قال سورين ببرود: " وما أمره؟ بعد هاليدير، كم كنت سأصدم لوجود مثل هذا المسخ في هذا المكان؟". صاحت ماريا مسيطرة على رأسها بين يديها بصوت يكاد يكون صراخاً: "توقف...". التفت سورين وصوفيا بسرعة نحو ماريا، بينما أبقى سورين كفه في مكانها لتشفدي الكدمة الثانية. "أرجوكم... فقط— أود بعض الهدوء. دعونا نتنفس، ودع سورين يواصل عمله". انتظر سورين رداً من صوفيا، لكن شيئاً لم يرد. أعاد تركيزه إلى سيبيل، وأنصت إلى المطر المستحيل وهو يقرع النافذة المستحيلة. وأياً ما كان يقبع وراء ظلام النافذة، صلى، للمرة الأولى منذ استيقاظه تحت تلك البقعة من الضوء، أن يتسنى له الإنصات إلى المطر طالما سمح الوقت بذلك. انحسرت الكدمة الثانية، وانتقل إلى الثالثة. ولبرهة، وهم جلوس في صمت، حلّ السلام.