"هَفْ! هَفْ! هَفْ! هَفْ!" كانت أنفاسها تتلاحق بشدة، وصدرها يعلو ويهبط وكأنها كادت تختنق.
"كابوسٌ آخر… غوستاف…" ما إن خطرت هذه الفكرة في ذهنها حتى شعرت بألمٍ مبرحٍ في فخذيها.
"أغغ!" تأوّهت أنجي وهي تسحب الغطاء جانبًا لتنظر إلى فخذيها.
بدا بوضوحٍ على سطح جلدها تقاطيعُ عروقٍ سوداءَ متشابكةٍ، تمتدُّ كجذور شجرةٍ ضاربةٍ في التربة، زاحفةً من أعلى الفخذ حتى منطقة الركبة.
لكن فجأةً، انقشع الألم، واندثرت العروق السوداء كما لو لم تكن.
"هذا… مجددًا؟" تمتمت أنجي بذهولٍ، وقد اختلط في تعابيرها الارتياحُ بالحيرة.
آخر مرة حدث ذلك، ظنت أنه عارضٌ عابر، ولم تلقِ له بالًا، لكنه الآن يتكرر، بل وبألمٍ أشد.
عقدت العزم على زيارة المركز الطبي هذا اليوم لتطمئن على حالتها، راودها ظنٌّ بأنه ربما يكون رد فعلٍ على طعامٍ تناولته، لكنها لم تشعر بقلقٍ كبير، إذ كانت على يقينٍ بأن الأطباء سيكتشفون العلة ويجدون لها الحل.
لكن، بالرغم من هذا، بقي شيءٌ آخرُ يشغلُ بملكا أكثر… كابوسُها الأخير.
"أشعر أن ثمة أمرًا مريبًا… يجب أن ألتقي غوستاف مجددًا، لا أستطيع التخلّص من هذا الشعور الغريب…" تمتمت أنجي لنفسها وهي تنهض من سريرها.
لم يكن بوسعها طرد أفكارها بشأن كابوسها الأخير، الذي بدا شبيهًا بسابقه.
خرجت تركضُ في جولةٍ صباحيةٍ علّها تصفي ذهنها.
كانت سرعتها مدهشةً، فقد أكملت ألفًا ومائة دورةٍ حول المعسكر في أقل من ساعتين.
وقد غدت، بفضل سرعتها الخارقة، إحدى أصعب المجندين في الفوج الخاص مراسًا، إذ لم يكن أحدٌ ليتمكن من هزيمتها إلا إن أصابها الهجوم مباشرةً، وهو أمرٌ يكاد يكون مستحيلًا.
قليلٌ هم المجندون الذين يملكون قدراتٍ إدراكيةً عاليةً كغوستاف، أولئك فقط من قد يستطيعون التنبؤ بحركتها ومحاولة مجاراتها، ومع ذلك، يبقى احتمال إصابتها ضعيفًا.
بعد انتهائها من الركض، التحقت بالتدريبات الصباحية مع بقية المجندين، وكان غوستاف حاضرًا كعادته، متقدّمًا الجميع عبر الغابة الأولى.
لم يعد يتلكأ في الخلف كما كان في البداية، فقد صار يُميِّز أماكن الفخاخ قبل وصوله إليها، مما جعل اجتيازها أيسر عليه.
وكان المجندون، بين الحين والآخر، يحاولون مجاراته أو التحدث إليه، لأن هذه كانت فرصتهم الوحيدة للاقتراب منه، إذ لم يكن مسموحًا لغير النخبة بزيارة مقرِّ التنين، كما أن غوستاف لم يكن ليفتح الباب لأحدٍ في الأوقات العادية.
لكن، كعادته، لم يُعرهم أي اهتمامٍ ومضى في طريقه.
في الآونة الأخيرة، كثرت الرسائل العاطفية التي تلقاها، خصوصًا من الفتيات اللاتي كن يطلبن منه أمورًا تتجاوز حدود المعقول.
تنهد غوستاف مجددًا وهو يتفادى واحدةً أخرى من المجندات المهووسات.
"ما الذي ينبغي لرجلٍ أن يفعله ليتجنب هذا الاهتمام غير المرغوب فيه؟ واحدةٌ أخرى تطلب الأمر ذاته…"
("ربما يجدر بك أن تستجيب… قد تحتاج إلى هذه التجربة،") علّق النظام الداخلي بصوتٍ يفيض بالسخرية.
"كلا، بالتأكيد لا أحتاجها." أجاب غوستاف بجفاءٍ.
("آه… إذًا أنت لا تريدهم أن يكتشفوا قلة خبرتك؟ الصغير غوستاف خائفٌ من أن يُفضَح عجزه عن أداء الوظائف التناسلية كما ينبغي، فهمتُ الآن،") أضاف النظام، وانفجر ضاحكًا داخله.
"أيها اللعين…" تقطّبت ملامح غوستاف، وهمَّ بأن يطلق وابلاً من الشتائم داخليًا، لكنه قُوطع بصوتٍ مألوف.
"غوستاف."
التفت غوستاف، وقد توقع أن تكون مجندةً أخرى تسعى وراء الأمر ذاته، لكنه أدرك على الفور أن الصوت كان صوت أنجي.
"أنجي..؟"
"هل يمكنني رؤيتك لاحقًا؟ بعد انتهاء التدريبات الصباحية؟" سألت بأنفاسٍ جادّة.
"أمم… لماذا؟" رفع غوستاف حاجبًا وهو يتأملها.
("عليك الموافقة، قد تكون هذه فرصتك أخيرًا للخروج من عذريتك،") تهكّم النظام من جديد.
"اخرس يا…" قبل أن يتمكن غوستاف من إنهاء جملته داخليًا، أجابته أنجي:
"أريد التحدث معك بشأن أمرٍ مهم… أرجوك."
حدّق بها غوستاف بضع ثوانٍ قبل أن يجيب، "حسنًا."
وبينما كانا يواصلان التسلق، قالت أنجي بابتسامةٍ ماكرة:
"سأتحداك في سباقٍ حتى الساحة!"
"همم… أنتِ وأنا نعلم أن النتيجة محسومةٌ سلفًا." ردّ غوستاف بنبرةٍ غير مكترثة.
"أوه، أهو كذلك؟ حسنًا، سنرى ذلك!" زادت أنجي من سرعتها، متسلقةً الجبل بحماس.
"سباقٌ عديم الجدوى، لكن… حسنًا، قبلت التحدي."
في البداية، لم يكن غوستاف يبذل قصارى جهده، لكنه لاحظ أنجي تزداد سرعةً كلما حاول تقليص الفجوة بينهما.
كان الأمر مفاجئًا، إذ لم تكن تمتلك مثل هذه القدرة على التحمل بدمائها المختومة.
أما أنجي، فكانت مصدومةً من نفسها… لم تفهم لماذا، لكنها شعرت بطاقةٍ هائلةٍ تتدفق في جسدها.
تملّكتها رغبةٌ جامحةٌ في التفوق على غوستاف هذه المرة.
بعد نحو ساعة، كان غوستاف قد وصل إلى نقطة الانطلاق مجددًا، متأملًا ما حدث برضىً واضح.
أما أنجي، فكانت ملقاةً على الأرض، تلهث بشدةٍ، محاوِلةً التقاط أنفاسها.
"قلت لكِ إنه تحدٍّ لا طائل منه… لكن أحسنتِ، لقد أبليتِ بلاءً حسنًا." ابتسم غوستاف وهو يشيد بأدائها.
————————
آمين.
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.