"لم… يكن… عبثًا… كدتُ أفوز…" كانت أنجي تلهث بشدة، وتهتز كلماتها بين أنفاسها المتقطّعة.
"إليفورا وصلت قبلكِ أيضًا." قال غوستاف مشيرًا إلى إليفورا التي كانت تقف على بعد خطوات.
"لا تكن قاسيًا عليها يا غوستاف." نطقت إليفورا من الخلف.
"أغغ…" تأوّهت أنجي متهدّجة الأنفاس، وارتسمت على ملامحها سيماء الهزيمة وهي تعتدل في جلستها، متجهمةً بشفاهٍ مزمومة.
بدأ بقية المجندين بالوصول، بينما أرادت أنجي وغوستاف الابتعاد إلى مكانٍ منعزلٍ للحديث، غير أن غوستاف استذكر ما جرى مع فيرا في المرة السابقة، فتراجع عن الفكرة.
لم يكن يُسمح لمجندٍ ذكرٍ بزيارة سكن المجندات ما لم يحصل على إذنٍ خطيٍّ من إحداهن، والعكس صحيح.
لكن رغم ذلك، لم يكن بوسع الطرف الآخر المكوث طويلًا، بيد أن غوستاف كان واثقًا بأن الوقت سيكون كافيًا لنقاشهما، إذ لم يكن ينوي إبقاء أنجي في مكانه أكثر من اللازم على أية حال.
اصطحب غوستاف أنجي إلى مسكنه، وجلسا في بهو الغرفة يتبادلان النظرات.
كانت أنجي متوترةً إلى حدٍّ كبير، ولم يكن هذا أول لقاءٍ منفردٍ يجمعها بغوستاف، لكنها لم تستطع تحمّل حدّة نظراته المباشرة دون أن تشيح ببصرها بين الحين والآخر.
"ماذا كنتِ تريدين أن تقولي؟" تساءل غوستاف أخيرًا وقد ملّ صمتها.
انتفضت أنجي من شرودها، وسرعان ما احمرّت وجنتاها وهي تحيد بنظرها عنه.
"غوستاف، أنا… راودتني بعض الكوابيس مؤخرًا." نطقت بصوتٍ خافت.
"همم؟ إن كنتِ تعانين من كوابيس، فتناولي بعض الحبوب المهدئة، ستعينكِ على استقرار حالتكِ الذهنية." أشار غوستاف بينما رفع حاجبًا، متعجبًا من أهمية الأمر الذي استدعاها لمقابلته. إذ كان واثقًا، بصفتها ابنة اثنين من العلماء، أنها أدرى منه بكيفية التعامل مع مثل هذه الأمور.
"ليست كوابيسًا عادية…" تمتمت أنجي.
"ماذا تعنين؟" سألها غوستاف وقد ضاق ما بين حاجبيه.
"أنت دائمًا حاضرٌ فيها… ليس أنت وحدك، بل أنت وإندريك." أفصحت أنجي.
"وما شأن ذلك بأي شيء؟" تساءل غوستاف.
"في كوابيسي، تخوضان قتالًا حتى الموت، وينتهي الأمر بمقتلك على يديه…" أفصحت أنجي، وملأ القلق ملامحها.
ساد الصمت بينهما لثوانٍ، قبل أن يردّ غوستاف ببرود:
"إنه مجرد حلم، تجاوزيه."
"لا، لا أعتقد ذلك… أشعر بشيءٍ مريب، شعورٌ داخليٌّ متأججٌ لا يفارقني… كأن أمرًا جللًا سيحدث إن خضتَ نزال الموت مع إندريك." أوضحت أنجي، والوجل بادٍ في نبرتها.
"تنهد توقفي عن الأوهام يا أنجي… لن يتمكن من هزيمتي. سيكون سقوطه محتمًا بمجرد أن تطأ قدماه ساحة الهلاك معي." أجابها غوستاف بثقةٍ قاطعة.
"غوستاف… لا أدري كيف أشرح لك… لم يسبق أن راودتني كوابيس قط… لم يحدث ذلك سوى مرةٍ واحدةٍ عندما كنتُ طفلةً، وحدث أن تحقق مضمونها لاحقًا في الواقع." قالت أنجي بصوتٍ مضطربٍ وقد أطبق الخوف على ملامحها.
"أرجوك، ألغِ نزال الموت." توسلت إليه.
تأملها غوستاف لثوانٍ قبل أن يردّ:
"لا يمكنني ذلك."
ثم أضاف، وقد بدا وكأنه يصحح كلامه:
"في الواقع، أستطيع، لكنني لن أفعل… هذه الخطوة ضرورية، ولو لم تمنعيني من قتله في المرة السابقة، لما كنا نخوض هذا النقاش الآن."
"لكنني…" تلعثمت أنجي، عاجزةً عن الرد، مدركةً أن قرارها آنذاك قد آل بهما إلى هذا المأزق.
"لا داعي للقلق… لا تجعلي الأوهام تسيطر عليكِ." قال غوستاف وهو يتكئ على الأريكة بلا مبالاة.
كانت أنجي تعرف غوستاف حقّ المعرفة، وتدرك أنه في هذه المرحلة، لن يبدل قراره مهما كان الظرف. حتى لو جاء أكثر الأشخاص نفوذًا أو وجاهةً يطلب منه إلغاء النزال، فلن يلقي له بالًا.
لم يكن بوسعها سوى التمني أن تسير الأمور على ما يرام، لكن حينها خطرت لها فكرة.
"إن لم يوافق الطرف الآخر، فلن يُعقد النزال… حسب الشائعات، فإن إندريك غير راغبٍ في القتال، وقد جادل غوستاف مؤخرًا بشأنه. عليّ فقط إقناعه بعدم القبول."
راودتها هذه الأفكار وهي تنهض على قدميها.
"حسنًا، أراك لاحقًا…" قالت أنجي وهي تهمّ بالخروج.
"لن تفعلي." عقّب غوستاف بسخريةٍ وهو يرافقها إلى الباب.
ما إن خرجت أنجي حتى خطت خطوةً واحدةً إلى الأمام، لكنها توقفت فجأة.
رفع غوستاف يده ليغلق الباب، لكنه لاحظ سكونها، فعبس مستفسرًا:
"همم؟"
بغتةً، استدارت أنجي بخفةٍ واحتضنته، ثم سرقت قبلةً خاطفةً على وجنته اليسرى.
كان الأمر سريعًا إلى حدٍّ لم يمنحه فرصةً للرد. قبل أن يستوعب ما حدث، كانت قد استدارت مجددًا وانطلقت في الممر كالسهم.
"ششووووووش!"
تردد في مسامعه صوتها وهي تبتعد، قائلةً بنبرةٍ حالمة:
"ابقَ بخير…"
رفع غوستاف يده اليمنى ليلمس وجنته اليسرى، يحكها بلا وعيٍ وهو يتمتم:
"كم كانت ماكرة…" ثم عاد أدراجه إلى الداخل.
—
في المساء، اجتمع غوستاف وفيرا في غرفته.
"هل أكملتِ العملية؟" سأله.
"نعم… سلالتي الطفيلية نمت تمامًا. أستطيع السيطرة عليه متى شئتَ." أجابت فيرا.
"جيد…" أبدى غوستاف ارتياحه.
"ستخوض نزالًا حتى الموت معه… لكن الجميع يعلم أنك أقوى منه، فلا أفهم سبب حاجتك إلى إخضاعه للسيطرة." تساءلت فيرا بحيرة.
"في البدء، كنت أنوي استغلاله، لكنني الآن أرى أن التخلص منه هو الأفضل… أما استمراركِ في تطوير السلالة الطفيلية، فكان لضمان قبول النزال. والآن، بما أن التحكم به صار ممكنًا، أريد منكِ تفعيل السلالة وإجباره على القبول." أمرها غوستاف، فارتسمت على ملامحه ابتسامةٌ خافتة.
————————
آمين.
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.