'كنت على حق… ينبغي ألا أستخدم هذا إلا في مواجهة خصم أوقن أنه أقوى مني. كما أنه من المؤكد أنه لا يجوز إطلاقه في المدن أو الأحياء تجنبًا لسقوط ضحايا، إذ يغطي مدى واسعًا،' قال غوستاف في قرارة نفسه.
("…ألم أخبرك بذلك؟") أجابه النظام بنبرة يعتريها شيء من الضجر.
"…عليّ أيضًا أن أكون بعيدًا عن نطاقه بمسافة كافية…" أضاف غوستاف بعدما استذكر كيف كان على شفا الهلاك قبل قليل.
بات مقتنعًا أن عليه ألا يلجأ إلى استخدامه إلا في حالات الطوارئ القصوى.
-"ما هذا بحق السماء؟ وكيف له أن يُحدث هذا الدمار؟"
-"لا بد أنه ضربة نهائية مؤكدة، أنا واثق أنه لا يستطيع استخدامها إلا مرة واحدة فقط."
-"نعم، ضربة نهائية بكل تأكيد، لكنها أقوى مما ينبغي… كنا نظن أنه ليس بتلك القوة مقارنةً بإليفورا."
دبّ النقاش بين المجندين حول الضربة التي وجّهها غوستاف في اللحظات الأخيرة.
ظن معظمهم أنه لا يقدر على شن هجوم بهذه القوة إلا لمرة واحدة فحسب.
ليتهم فقط أدركوا أن غوستاف يُخفي أكثر من مئتي جُرم من هذه الكرات داخل حقله الجاذبي غير المرئي.
بعد لحظات، نقلته المنظومة إلى المنشأة مجددًا. لم يكن ثمة سبيل لاستمرار التحدي بعدما بلغ مستواه حدًا يُعادل اختبارًا لمجندي الصفوف العليا.
ما إن ظهر، حتى رنا إليه الجميع وكأنه كائن فوق بشري. أخذ بعضهم يتساءل في قرارة نفسه إن كانوا في الحقيقة أقرانه.
بين الفينة والأخرى، كانت بعض الأعين تلتفت نحو إندريك، الجالس في الخلف.
استطاع إندريك أن يكون بين أفضل اثني عشر مجندًا من الفئة الخاصة، رغم أنه لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره بعد.
كل من كان هنا يكبره بخمس سنوات على الأقل، ومع ذلك، بلغت قوته في هذه السن حدًا مريعًا.
أدركوا أن هذين الأخوين سيصبحان – لا محالة – من أعظم القوى في منظمة الـ MBO عندما يحين أوان ذلك.
تقدم أحد المدربين ليُلقي بضع كلمات، بينما عُرضت نتائج المجندين ومعدلات تقدمهم على الشاشة بترتيب تنازلي:
1. غوستاف كريمسون – 1300% – 960 نقطة
2. إليفورا ثورن – 1100% – 780 نقطة
3. أيلدريس كيرتس – 900% – 520 نقطة
…
توالى عرض الأسماء على هذا النحو، ولم يكن بين المراكز العليا سوى مجندين اثنين من الفئة العادية، أحدهما ريا، الذي حصل على أربعمئة نقطة.
لم تكن معدلات تقدم المجندين من الفئة الخاصة متباعدة كثيرًا عن بعضها.
أما غوستاف، فقد حافظ على موقعه في القمة بلا منازع.
إلى الجانب، ظهر تصنيف المستجدين المحدّث، وقد تربّع غوستاف على الصدارة.
لم يكن اسمه الوحيد الذي صعد في القائمة؛ بل ارتفع تصنيف أنجي، غلايد، إندريك، وماتيلدا أيضًا.
أما إليفورا، فرغم تراجعها إلى المرتبة الثانية، إلا أنه لم يكن هناك أدنى شك في أنها خصم لا يُستهان به أبدًا بما أظهرته من قوة، إذ سيشطب أي أحد فكرة تحديها من ذهنه فورًا.
غير أن غوستاف كان متفوقًا على الجميع بفارق شاسع، لدرجة أن كثيرين شعروا بأن مجرد وجودهم بقربه يعدّ انتهاكًا للقوانين.
عندئذٍ، أيقنت إليفورا أنها لم تكن واهمة، لقد كان غوستاف يخفي قوته الحقيقية طوال الوقت.
عقب انتهاء الفعالية، طلب المفتشون من غوستاف البقاء لعقد اجتماع قصير مع المدربين.
امتثل للأمر وانتظر، بينما غادر باقي المجندين.
بدأ المفتشون بالتعريف عن أنفسهم، ثم أثنوا على الأداء العام، ونقلوا بعض التعليمات الواردة من القائد الأعظم شيون.
ظل غوستاف في مكانه يستمع إليهم وهم يتبادلون حديثًا يفترض ألا يقع على مسامع المجندين، لكن لم يجرؤ أحد على إخراجه، ما داموا هم من طلبوا منه الانتظار.
وبعد أن اختُتم الاجتماع، اجتذب المفتشون الثلاثة غوستاف إلى زاوية منعزلة لمحادثة خاصة.
"غوستاف، كما تعلم، ستباشر أولى مهامك بعد بضعة أسابيع،" قال المفتش ريّون.
"نعم…" أجاب غوستاف ببرود.
"كان مقررًا إخضاعك لاختبار يمتد لثلاثة أيام قبل إرسالِك إلى الميدان، لكننا عدلنا عن ذلك الآن،" أضافت المفتشة داربي، الوحيدة بينهم.
"أفهم…" ردّ غوستاف بنبرة غير مكترثة.
"شارة الضابط الخاصة بك صارت جاهزة… لا يمكننا الجزم إن كنت ستُكلف بمهمة تخفٍّ، أو قتال، أو مزيجٍ بين الاثنين، لكنك ستُبلغ بالتفاصيل قبل التنفيذ بأيام،" أوضح المفتش ريّون.
"حسنًا… هل من شيء آخر؟" تساءل غوستاف.
"نعم… لقد وردنا تقرير بشأن معركة الموت المقررة بينك وبين شقيقك الصغير…" لم يكد المفتش يُتم جملته حتى قاطعه غوستاف.
"ليس لي شقيق… لا بد أنكم أخطأتم،" قال بنبرة قطعية.
"همم؟ لكن التقارير تثبت أن بينكما صلة دم واضحة،" عقّبت المفتشة داربي بدهشة.
"مع احترامي لكم، تَحرّوا جيدًا قبل إلقاء الكلام على عواهنه. لا أخ لي،" قال غوستاف بنبرة قاطعة.
تبادل المفتشون النظرات للحظة، وقد ارتسمت على وجوههم علامات الحيرة، ثم عادوا إليه مجددًا.
"إذا كان الأمر كذلك، فنعتذر… لكن لا بد أنك تعرف مَن نعنيه،" قال المفتش ريّون بلهجة مهادنة.
"غاب عن ذهني… على أي حال، أي شخص أتحداه مصيره محتوم،" أجاب غوستاف بلهجة عابثة.
"أحم، إنه إندريك أوسلوف،" أوضح المفتش أوريون.
"إذًا؟ ما شأنه؟" سأل غوستاف.
"نريد منك إلغاء طلب معركة الموت ضده،" قال المفتش.
تطلّع غوستاف إليه للحظات، وجهه بلا تعبير.
"لا،" جاءت إجابته قاطعةً، نافذةً، تحمل من الصرامة ما جعل المفتشين يتراجعون قليلًا لا إراديًا.
كانوا مفتشين، تعوّدوا على التبجيل أينما حلّوا. ولم يحدث قط أن واجهوا رفضًا بهذا الجفاء، ناهيك عن أن يصدر عن مجند.
"لا نرغب بخسارتكما معًا في معركة كهذه… نؤمن بأن بإمكانكما إيجاد تسوية، الوصول إلى أرض مشتركة…" لم يُكمل المفتش حديثه حتى قاطعه غوستاف مجددًا.
"لا… لا يوجد أي أرض مشتركة… التسوية الوحيدة التي أريدها هي أن يُقر بمعركة الموت،" قال غوستاف دون أن يرف له جفن.
————————
آمين.
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.