⟦1﹞ حدثت الأمور الآتية في خريف العام 1004 من تقويم ما بعد السقوط. احتفت الكنيسة بييروب كاشف الخرائط، نبي فورولشت. ونال كل من تلقى بركته هداية سماوية نحو العالم السفلي. ولم تسمح أبواب العالم السفلي للموتى الأحياء بالمرور، وكان الأحياء آمنين في الداخل. غادر الملايين منازلهم وحقولهم وأسباب عيشهم. وبقي ملايين آخرون. رحلت الدوقة السابقة أيماليا دو باشينا. ولم تُبعث جثتها.
وُوِريت الثرى في سرداب قصر أسرتها إلى أن يقرر تال المنهض أنه بحاجة إليها مرة أخرى. لكن الأهم من هذا كله كان الصمت. غادر تال المنهض عرشه وإمبراطوريته بلا تفسير. حبس الأحياء أنفاسهم لثلاثة أسابيع، متضرعين إلى الملوك الراحلين وخائفين من أن يكون هذا تمهيداً لما هو أسوأ. لا تعرف نفس حية أين ذهب تال خلال غيابه. وكل ما يُعرف هو الفوضى التي أعقبت عودته.
* * *
لا أعرف حقاً لماذا ألبس الأحياء جسدي ثياباً فاخرة ورداءً. لقد تمزقت وتلفت بحلول الوقت الذي مثلت فيه أخيراً أمام البلورات. وجدت مكاناً قريباً وجلست. أغمضت عينيّ. وأمررت الطاقة التي كانت تنبعث من تلك البلورات خلال جسدي. تأمّلت. فكّرت في تلك الساعات الأولى القليلة. فكّرت في الرقيب الذي لا أعرف اسمه. فكّرت في أميري. فكّرت في ماريسا، الفتاة التي انتشلتني من هذا المكان. لا، فكّرت.
لقد اخترت إنقاذها. أجل، هذا صحيح. كان بإمكاني مقاومة التاج لكنني اخترت إنقاذ فتاة حية لأنها أبدت رغبة في النجاة. تساءلت عما حدث لها. لم تكن بين موتى باش-ناسا. كنت سأتذكر قتلها. مثلما أتذكر قتل الغلام. أمي. أماه. سأرسلكِ إليها. التراول. بإمكاني الإنهاء. أستطيع الإنهاء. إذا أنهيت، ينتهي العمل. لا يأتي شيء بعد ذلك. لا يحدث شيء. أينبغي لي؟ فكّرت. درست الأمر. وواصلت التفكير حتى ظهر فورولشت أمامي، متجلياً في هيئة روح وجلس أمامي.
وأفصح عن نفسه بالنور، متخذًا شكل رجل عجوز بابتسامة لطيفة.
قال: "لقد عُدت. لكنك تركت مهمتك ناقصة. أرجوك، يا تال، يحتاجك الناس لتوحدهم".
قلت: "لا أهتم لأمرهم. الشخص الوحيد الذي أعرف أنني أهتم لأمره قد مات".
قال: "أيماليا دو باشيني".
لم أقل شيئاً.
أعلمني قائلاً: "كنت معك، المرة الأولى التي أتيت فيها إلى هنا. لم أُظهر نفسي. ليس لأنك لم تكن جديراً. لقد كنت كذلك. لقد أوقفت حرباً شعواء. كان كهلتي يستخدمون الأدوات التي منحتها إياهم لتوحيد الناس بطريقة مروعة. بطريقة لم أستطع قبولها. لذا وضعت حداً لتلك الحرب".
قلت: "لا أهتم".
قال: "لقد فعلت خيراً. عن كل شخص قتلته بأمر أميرك أنقذت ألفاً".
قلت: "لا أهتم".
قال: "لم تكن مضطراً لإنقاذ الفتاة عندما دخلت الكهف".
قلت: "اسمها ماريسا".
قال: "أتهتم لأمرها؟"
قلت: "أعرف اسمها. لا أعرف لماذا أنقذتها".
درست الأمر.
قلت: "لا، هذا باطل. أنقذتها لأنني استطعت، ولم أَر سبباً لعدم فعل ذلك. اخترت إنقاذها لعدم وجود سبب لعدم فعل ذلك".
ابتسم الملك.
وقال: "أنت قادر على الكثير من الخير، يا تال. لست شريراً بطبعك، رغم أنك قادر على الشر. أنت تشبه الأحياء بطرق يصعب شرحها، ومع ذلك تختلف عنهم تمام الاختلاف".
قلت: "لا أهتم".
قال: "أظنك تفعل".
درست الأمر. قايست الوقت الذي قضيته في دراسة الأحياء. ثم قارنته بالوقت الذي قضيته في دراسة الموتى.
قلت: "أُسْلِم لك بالرأي".
قال: "لا أستطيع جعلك تحبهم. الأمور لا تسير هكذا. لكن بمرور الوقت، يمكنك أن تتعلم كيف تصبح مثلهم بنفسك. وأيضاً".
توقف قليلاً.
"يمكنك أن تصبح أكثر. أكثر بكثير، بكثير جداً. يمكنك أن تكون الماء، والسماء، وال—"
قلت: "أنا أعرف".
توقف قليلاً.
وقال: "أتعرف؟"
قلت: "بدأت السير في ذلك الدرب. لم يعجبني. صرت هذا عوضاً عن ذلك".
لم أكن أعرف أن الملوك يمكن أن يتفاجأوا من قبل.
قال: "أخترت أن تحجّم نفسك؟"
مددت يدي، روحاً إلى روح، وأريته ما فعلت. بدا مفزعاً.
قال: "تال. لماذا فعلت هذا؟"
قلت: "أفعل ماذا؟"
قال: "طوّرت برنامجاً يختار عشوائياً فرداً بعينه لإنهاء وجوده، ثم ينفذ ذلك. ظل يختار حالات لإنهاء وجودها الواحدة تلو الأخرى إلى أن بقيت حالة واحدة. أنت—لقد راقبت نفسك تموت مئات المرات! شعرت بكل واحدة منها، معتقداً أنك قد تكون التالي، وتتزايد الاحتمالات في كل مرة! كيف استطعت أن تفعل هذا بنفسك؟"
أوضحت: "لأشعر بما سيكون عليه شعور إنهاء الوجود الذاتي. تساءلت. لكني لا أظن الأمر سيّان، أن تكون أنت من ينهي وجوده. هناك حد، عتبة تنفصل عندها الذكريات عن بقية أرواحي ولا أعرف ما يكمن وراء ذلك الحد".
تفاقمت ملامحه المفزعة.
قال: "تال، إياك أن تفعل ذلك مرة أخرى".
قلت: "لا".
قال: "أرجوك، يا تال، إن كان لابد لك من تحجيم نفسك فلا بأس. أنا أفضّل هذا الخيار البديل. لكن ضع القيود مقدماً، لا—"
قلت: "كم مرة يجب أن أثبت أنني لست مضطراً للاستماع إليك، أيها الأب؟"
صمت. وظهرت الدموع في عينيه، رغم أنه كان مصنوعاً من نور وروح.
قال: "علاوة على ذلك. أعرف الآن ما شعرت به تلك الأرواح التي فازت باليانصيب".
وابتسمت.
"يا له من شعور ممتع ذلك الخوف. إنه يملؤك بهذا القدر من الأمل".
قال: "أه يا تال. أه يا بني".
صمت. صمتُّ. مضى الوقت.
قال: "تال. هذا العالم. إنه يقترب من نهايته. سيتموت نجم قريباً. لست متأكداً متى. بضع سنوات، ربما شهور. يصعب قياس الأمر بدقة. أنا وأنت سننجو، لكن البشر، الأحياء، سيهلكون جميعاً إن بقوا على السطح. أعرف أنك لا تفهم مثل هذه الأمور، فلم تُخلق لتفهم الأمور كما أفهمها. وقد علّمك أناس لا يملكون اللغة أو الإطار المرجعي لإدراك ما سيحدث وشيكاً".
قلت: "أهكذا هو الأمر؟"
قال: "هو كذلك".
قلت: "ينبغي أن نخبرهم أن عالمهم يوشك على الانتهاء. ينبغي أن يعلموا. لكي يخافوا".
قال: "لقد أخبرناهم. منذ زمن طويل، عندما أدركنا لأول مرة أن النجم يموت، وأنه سيقتل كل من على السطح. ولهذا السبب رحل الملوك الآخرون. أخذوا معهم أكبر عدد ممكن من الأحياء وذهبوا إلى مكان لن يقتلهم فيه النجم".
قلت: "أهكذا هو الأمر؟"
قال: "وبقيت أنا وراءهم. أعددت العالم السفلي. ثمة مساحات في العالم السفلي، تكفي الجميع وأكثر. لكن الأحياء لن يستمعوا إلي حين أدعوهم للإخلاء. احتجت إلى شخص يجبرهم على الانصياع. وما استطعت فعل ذلك بنفسي. ما استطعت فعل ذلك بمفردي".
قلت: "ألهذا السبب خلقت أمثالي؟"
قال: "لا. ما فُعِل بك كان مسخاً، يا تال. لم يُخلق الإنالتين قط للحروب. لقد خُلِقوا للذهاب إلى أماكن لا يستطيع الأحياء ارتيادها وفعل أشياء لإنقاذ الأرواح. وُلدت لتكون بطلاً، يا تال. وأنت بطل. أنت ابني، وأنت بطل".
قلت: "لا أهتم".
قال: "أعلم".
صمتنا مجدداً.
أعلمني قائلًا: "ما زال بإمكانك إنقاذ البشر، يا تال. ما زال هناك وقت".
قلت: "كم منه؟"
قال: "لا أعرف. أخبرتك. أنا فقط لا أعرف. لكنه سيكون قريباً".
قلت: "كيف سيكون العالم بلا أحياء؟"
قال: "مقفرًا. مملًا. لن يحدث شيء".
قلت: "يعجبني حين لا يحدث شيء".
قال: "أيعجبك؟"
قلت: "نعم. من الممتع أن. تكون فحسب. وأن تفكر".
قال: "ألهذا السبب لم تُعطل نفسك أثناء مرابطتك؟"
قلت: "أظن ذلك. كنت أدرس الأمر عندما دخلت ماريسا. لكني كنت أدرسه منذ ستة آلاف قطرة. أظنني كنت سأفعل، في نهاية المطاف".
وافق فورولشت قائلًا: "كنت ستفعل. يُعطل الإنالتين أنفسهم دائماً في نهاية المطاف. إبقاؤهم مشغولي البال يطيل أعمارهم. لقد فوجئت بالمدة التي بقيتَ فيها معطلاً لكن نشطاً. ظننتك فقط تعالج صدمتك".
سألت: "لماذا قتلت ذلك الغلام؟ لم أفهم قط. أكان ذلك القرار الصحيح؟"
قال: "لا. لكنه كان قراراً بُرمجت لاتخاذه. لم تكن تدري ما تفعل، لكن برنامجك أشار إليه للمراجعة".
قلت: "أرى. ألهذا السبب لا أستطيع نسيانه؟"
قال: "لا. السبب في أنك لا تستطيع نسيانه في هذه المرحلة هو أنه عالق في ذاكرتك المؤقتة منذ فترة طويلة جداً لدرجة أن إزالته ستترك فراغاً كبيراً لا يُطاق في مجرى وعيك. عملياتك الداخلية تفهم هذا، حتى إن لم تفهمه أنت، ولذا حين تعدل ذكرياتك ذاتياً تعيد أحياناً زيارة ذلك المشهد".
قلت: "أه".
صمتُّ.
"شكراً لك على الشرح".
قال: "أتريد أن تعرف ما أنت عليه حقاً، يا تال؟ ما كان مقدراً للموتى الأحياء أن يكونوه؟"
قلت: "أسيغير ذلك شيئاً؟"
قال: "فقط فهمك لكيفية عمل العالم".
قلت: "إذن لا".
توقفت قليلاً.
"أو على الأقل. ليس الآن".
أومأ برأسه.
وقال: "تال. يجب أن تجعلهم يخافون على حياتهم. يجب أن يعتقدوا أن القدوم إلى الملجأ هو الطريقة الوحيدة للنجاة. إن لم تفعل، إن بقوا فوق الأرض، فسيموتوا. إن اضطررت لقتل القلة لإنقاذ الكثيرة، حينئذٍ—"
توقف قليلاً.
"أنا أب قاسٍ حقاً، إذ أمنحك هذا الخيار. إن اضطررت لقتل القلة لإنقاذ الكثيرة، فهو خيارك بين أن تقتل أو أن تقتل. والسؤال الوحيد هو كم ستقتل".
قلت: "أنا أفهم".
قال: "أتفهم؟"
قلت: "نعم. لهذا السبب بدأت في إنقاذ العالم. لم أغير رأيي حين قلت لك لا. لكني أقررت باحتمال أن يتبدل رأيي في المستقبل. لكن كلماتك أشارت إلى وجود مهلة زمنية. لذا بدأت المهمة الأولية لغزو العالم. ولم أقرر بعدُ إنقاذه".
قال فورولشت وبدا متأثراً: "أترجو أن تعيد النظر؟"
درست ملامح وجهه، ونبرة صوته، ولغة جسده.
قلت: "أتهتم إن أنقذت العالم أم لا؟"
قال: "أنا مستميت لإنقاذ أكبر عدد ممكن من الأرواح".
قلت: "لا أهتم إن عاشوا أو ماتوا".
قال: "أنا أهتم".
قلت: "وقد طلبت مني إعادة النظر".
قال: "لقد فعلت".
قلت: "لقد أثبتُّ أنني أستطيع أن أقول لا لك. والآن سأثبت أنني أستطيع أن أقول نعم. أنت تقول إنه يجب سوقهم تحت الأرض. سأسوق أهل هذا العالم تحت الأرض. أسيجعلك هذا سعيداً؟"
احتضنت روحه روحي.
وقال: "أه نعم، نعم، شكراً لك، يا بني، شكراً لك!"
تراجع، وصار نوراً وروحاً مرة أخرى.
وقال: "أرجوك، حاول ألا تقتل الكثير منهم".
قلت: "سأفعل ما أراه ضرورياً لإتمام المهمة".
قال: "أعلم. أعلم. شكراً لك، يا تال".
ثم اختفى. ووضعت روحه ذكرياتها في البلورة، فتم اقتيادها بعيداً. بدافع الفضول، قسمت وعي وبعثت نسخة مني لتتبعها.