استهلك التعامل مع الملوك وقتاً طويلاً من تفكيره. كان كاتو-ايكينت النسخة الثانية فحسب التي تحظى بهذه الميزة، وجعله ذلك مشغولاً كقرينه في أوريفان — لا لأنه كان ينوي إخبار مِي-إيس أو إينيتيك بتعاون الطرف الآخر. كانت الثقة شيئاً هشّاً ولم يكن يدري أيّ سياسات كانت تُحاك في الخفاء. كانت لإينيتيك دوافع ومفاتيح واضحة، بينما بدت مِي-إيس تستمتع بلعبة الأسئلة المواربة، والتلميحات، وتبادل الخدمات.
أو ربما كانت وحيدة بأسوأ الطرق. لم يرَ قطّ أيّ فرد من نوعها في أي مكان ضمن النظام، رغم أنه لمح بضع أفراد رفيعي الرتب من السايديّين متناثرين عبر العوالم المختلفة. أوحت بعض التلميحات التي ألقتها في محادثاتهم بأنها، مثل إينيتيك، صعدت إلى رتبتها من النحاس، لا أنها وُلدت فيها كالعشائر الأساسيّة. لذا كان كوكبها الأم موجوداً في مكان ما هناك، لكنه ربما لقي المصير ذاته الذي شهده في عوالم أخرى عجز أهلها عن تحمّل النظام.
وسواء كان السبب ملوكاً حاقدين أو دماراً أتى على الأخضر واليابس لدرجة لم تبقِ حضارة أو بشراً كافيين للنجاة. تلك كانت إحدى الأمور التي أوعز إلى نسخه المختلفة بالبحث عنها بنشاط. لم يكن انتشاره عبر مئات الآلاف من العوالم يعني توفر كل شحيح معلومة في كل مكان طوال الوقت. لم يكن يملك النطاق الترددي الكافي لذلك. ما أثار القلق المباشر أكثر كانت القائمة — والتي استحقّت كتابتها بحرف استهلالي ضخم — الخاصة بالعوالم والملوك المستضعفين.
من الواضح أنه لم يستطِع معرفة العوالم التابعة للعشائر وتلك التي لا تتبعها بمفرده، لكنه تمكن باستعمال القائمة من رصد توجه صغير وإن كان ذا دلالة إحصائية نحو بنية تحتية أرقى. لم يكن الأمر عاماً؛ فبعض العوالم بدت متخلفة تماماً عملياً. بيد أنه استطاع تبيّن الأنماط حيث عوملت بعض عوالم التخوم كأقاليم هامشية، بينما استثمر آخرون في رفاهيتها. بدا جلياً عند إسقاط الخريطة أن العشائر قد حجزت مسارات البوابات الرئيسية، دافعة بالملوك المستقلين في الغالب إلى جيوب صغيرة ونهايات مسدودة.
بدا أن العشائر لم تكن تحاول طرد الملوك المستقلين تماماً من مطامعهم — استطاع كاتو تخيّل أن إينيتيك سيُلحق الأذى بأي شخص يحاول ذلك مع عالمه على سبيل المثال — لكنهم كانوا معزولين جغرافياً أيضاً لمنع تشكل أي نوع من تكتلات القوى. من الواضح أن ذلك لم ينجح، إن كان قد فهم مِي-إيس فهماً صحيحاً. لودّ لو أمكنه التفاوض بنفسه مع تحالف الملوك الصغار، إذ لم تكن لديه أي مشكلة البتّة في إنقاص أي مَلك في النظام يضع رفاهية العامة نصب عينيه، لكن ذلك لم يكن ليحدث.
ليس الآن، على أي حال. حشد القوات على كل واحد من تلك العوالم المدرجة تحسّباً لأي طارئ. امتلك بعضها، لا سيما في العوالم الداخليّة، حضوراً ضئيلاً من الأساس، فكلف تلك السلالات التي تستخدم هياكل ياغر بنشر المزيد من المواد هناك. قد يقتطع ذلك سنوات محتملة من وقت البدء، وذلك في الغالب عبر الالتفاف على بعض المشكلات المتعلقة بالحجم الهائل للسفر اللازم لإرساء بنية تحتية معتبرة عبر أجسام كوكبية متعددة.
ستشكل التفاصيل مسألة تحسين لنسخة كاتو المعنية، لكن المزيد من الكتلة جعل الأمور أكثر كفاءة عبر قطاعات متعددة. بالنسبة للأخريات، أعدّ قوات مدارية جاهزة، وساورته خشية طفيفة من أن بضعة مليارات من أطنان المواد قد تُرى بتلك الوضوح قرب الكوكب، لكن إن كانت مِي-إيس صادقة فهؤلاء هم من سيتكبدون الخسارة الأكبر. كانوا الأكثر ترجيحاً لمعاناة أي تطهير تقرر العوالم الأساسية تنفيذه، والأرجح في امتلاك الحافز للابتعاد عن النظام.
لا أنه خطط للغزو، ليس بعد. لم تكن لديه أدنى فكرة بعد عن كيفية التعامل مع العالم الأساسي، ولا مع العوالم التي تعني فيها معالم مثل الجبال العائمة دماراً واسع النطاق بغض النظر عن أي شيء. في الواقع، لم يكن يعلم أين يقع العالم الأساسي بعد. لقد رسم خريطة للجزء الأكبر من النظام، وحدد أن المنطقة المركزية تقع في الغالب ضمن سحابة ماجلان الكبرى. كانت ما تُسمى بالعوالم الداخلية جزءاً من تجمع كثيف في الغالب، مكان أشد ازدحاماً بكثير من الجوار النجمي حول الشمس.
تلقى بعض القياسات عن بعد من سلالة سايد، لكن ليس بالقدر الكافي لتحديد موقعها بدقة، وما زالت نسخه في العوالم الداخلية تُعدّ عدتها، لذا لم يمتلك النطاق الترددي الكافي للبحث في ملايين النجوم عن نظام نجمي تعذر عليه تخمين خصوصياته أصلاً.
"أنا جاهزة لعقاقير الأثوث خاصتك يا عزيزي".
قاطعت مِي-إيس حل كاتو المبعثر لبعض المشكلات. تعارض الأمر مع الفطرة في الاعتماد فعلياً على مَلك في النظام، لكن طاقته كانت محدودة في حماية سلالة سايد. لاسيما أنه بعد عقود ذاتية تالية، أُصيبت فعلياً كل نسخة من رين وليسي بخيبة أمل تجاه مطاردة المستويات. كان بلوغ الأثوث عمل سنوات طويلة، وجلب معه بوضوح مخاطر غير مقبولة. وحتى لو لم تُخترق سلالة سايد من قِبل الملوك، فقد تغيرت عقولهما جذرياً إلى الأبد جراء تحول البزموت، مما جعله أمراً منفرأ لأي شخص آخر.
كانت سلالة سايد هي الوحيدة التي أرادت بلوغ رتبة عالية.
"حسناً أنتما الثلاثة".
أذاع كاتو للبشر الثلاثة الذين لا زالوا مختبئين في عقار يانيس.
"حان وقت التوجه إلى المعبد".
"هل أنت متأكد أنه آمن؟"
سأل ديين، رغم أن أياً منهم لم يكن متحفزاً للفكرة على الإطلاق.
"أنا على علاقة جيدة نوعاً ما بالمَلِكة المحلية، نجل".
أكد له كاتو.
"إن لم يكن لأي سبب آخر، فأظن أنها ستفعلها نكاية بملوك العوالم الأساسية".
"النكاية، أفهم ذلك".
أجاب ديين.
"في طريقنا".
قالت رين، دون أن تطلع على تعليقات ديين. رغم أنه لم تكن هناك حاجة لذكره أساساً — فعند مرتبة الأثوث، سمحت لهما مهارات الحركة بالانتقال الآني المباشر إلى هناك بكفاءة، وفعل ذلك دون جذب الكثير من الانتباه. لم يكن واضحاً له كيف تعمل حواس الجوهر بدقة، لكنه أدرك أن الأثوث كانت واضحة تماماً. لم يمتلك عيون تجسس داخل المعبد، لكنه طلب الوصول إلى حواسي رين وليسي، فقط ليتأكد من عدم حدوث أي مكروه.
لم يفضل التدخل بهذه الطريقة عادة، وكان ذلك النوع من الواجهات يستلزم إذناً مباشراً منهما. بدا ذلك التدفق من البيانات قريباً جداً من تجاوز حدود معينة تشكل مخاوف أخلاقية أو حميمة، اعتماداً على طبيعة العلاقة. مع ذلك، بدا الأمر مبرراً تحت تلك الظروف. ظلت المخاوف العالقة قائمة بشأن كيفية اختراق النظام لهما، وقلقه قليلاً حيال مدى تشابكهما معاً. لم يكن بوسعه فعل حيال ذلك، رغم رغبته ربما في تعديل أدمغة القتال لموازنة التغيرات الشخصية إلى حد ما.
ليس كثيراً، لكن على الأقل تقليص بعض الدافع الاصطناعي الذي دفع بالكثير من السلوكيات المتباينة مقارنة بنماذجهم السابقة للبزموت. رغم تردده، لم تجد الشقيقتان أي مشكلة في إمنحه حق الوصول الكامل، وهو ما وجده شديد الثقة أكثر من اللزوم. لكنهما ظلتا تعتبرانه راعيهما — وهو دور غريب لم يدركه تماماً بعد — ولم تواجهما أي مشكلة في السماح له بالنظر من خلال أعينهما وتحليل القياسات عن بعد الصادرة عن أدمغة القتال خاصتهما.
ليس وكأن هناك الكثير ليراه كاتو؛ إذ تعذر عليه الوصول إلى إشعارات النظام إلا بطريقة غير مباشرة، عبر أدمغة القتال. مع ذلك، التقط توهجاً ذهبياً خافتاً عندما وصلا إلى وسط رواق المعبد. تطابق مع لون المهارات ذات الطابع السماوي، انبعاث اصطناعي له ملف طيفي مصطنع تماماً، تماماً مثل ألوان كل شكل من أشكال السحر داخل النظام. ظل عالقاً في الهواء حولهما مثل نوع غريب من إشعاع تشيرينكوف، ثم تلاقى واختفى.
"تلقينا البركة السماوية للتو".
أبلغت رين، في ذات الوقت الذي لوحت فيه مِي-إيس بيمناها نحو لاقط الاتصالات.
"يجب أن تحجب البركة هويتهما وتوسمهما كعميلين مختارين لمَلِك".
قالت مِي-إيس، وبدت نبرتها حزينة بعض الشيء.
"قد يكون ممكناً لبعض الملوك الأساسية إلغاء البركة، وإلا فإن النظام نفسه سيسجلهما كمباركين من مَلك وليس شيئاً آخر".
"رائع".
أجاب كاتو، لكل من مِي-إيس عبر هيكله الدمية والسايديّين عبر اللاسلكي.
"يتوجب علينا تغيير مظهرنا مع ذلك".
لاحظت ليسي، عبر اللاسلكي بصوت عالٍ معاً.
"امتلكنا أدوات تعديل [التقييم]، لذا أنا متأكدة تماماً أن موار عثر علينا بناءً على الوصف وحواس الرتبة العالية وحدها".
"الأمر هين بما يكفي".
قال ديين بصوت عالٍ، وبدا أقل ارتياحاً من الشقيقتين في التواصل حصرياً عبر غدة اللاسلكي.
"تعدُّد إكسسوارات التنكر يعد غنيمة شائعة للقتلة".
قلب يده، متوغلًا على الأرجح في التخزين المكاني الذي يملكه أفراد النظام، وقذف بخاتمين نحو رين وليسي. استطاع كاتو معرفة من القياسات عن بعد أنهما استغرقتا لحظة للتواصل، لكنها كانت محادثة خاصة لم يطلع عليها. اختفى الخاتمان، مُجهَزين على الأرجح عبر عملية نظامية غامضة، وتغير الثنائي جذرياً. تحولت رين لتصبح أضخم، وتغير ذيلها ليبدو وكأنه مغطى بالفراء لا الحراشف، بينما غدت ليسي أصغر، وأقل بنية، مع ذيل أنحف وأكثر مرونة.
سيخدع ذلك بالتأكيد أي تدقيق اعتيادي، رغم رهان كاتو على أن نوع تحليل المشية أو لغة الجسد الذي امتلك القدرة عليه سيكون قادراً على كشف أمرهما مع مرور الوقت.
"شكراً لك يا ديين".
قال كاتو، مضيفاً نقطة إضافية إلى عمود رصيد ديين. كان هناك قدر محدود يمكنه فعله لمكافأة القاتل، رغم تخيله بالتأكيد أن الحماية ببركة مَلك تستحق شيئاً ما.
"هل ستغزو كوكب عشيرة تورنوك الأم بعد؟"
رد ديين بهجوم معاكس، وتنهد كاتو في سرّه.
"ليس بعد. لا أملك نسخة من نفسي مستقرة تماماً هناك بعد".
قال، مقللاً من شأن الأمر قليلاً. لم يحقق سوى اختراقات طفيفة في العوالم الداخلية، لبساطة حتمية تطلبها رتبة أعلى للتحرك بحرية.
"الآن وقد عادت رين وليسي، يمكنني إصلاح ذلك، لكن سيستغرق الأمر عدة سنوات قبل أن أتمكن من غزوهم فعلياً".
"مفهوم".
أجاب ديين، بلا أي مشاعر. أقلق ذلك كاتو، لكن لم يكن في وسعه فعل شيء حيال ذلك. حتى لو كان في وضع يسمح له بمحاولة الهجوم على أساس تقني بحف، فلم تكن لديه أي فكرة عن نوع الفوضى التي ستندلع نظراً لغرائب العوالم الداخلية. أراد حشد أكبر عدد ممكن من القوات في مواقعها قبل أن يدفعه شيء للتحرك مجدداً. وبقدر ما كره رؤية الكثير من الأمور الفظيعة تحدث داخل النظام، لم يكن الأمر يستحق تطهير العوالم إن تدخل.
لكن ظل هناك خطر ضمّ آخر أو ما شابه يدفعه للتصرف قبل أن يرغب في ذلك.
"سأبقيك على اطلاع".
قال كاتو لديين. لم يرغب في الكشف بالكثير عن نطاق تغطيته لديين، لكنه بدا مستحيلاً الإخفاء على الأرجح.
"فقط تأكد من أنك في النطاق إن كانت لديك أسئلة".
"مفهوم".
كرر ديين، ثم ومض فاختفى من القياسات عن بعد التي تلقاها من سلالة سايد. ولم يعرف كاتو مكانه إلا عبر وصلة اللاسلكي، وحتى تلك اختفت بعد لحظة.
"إنه مفيد، لكنه يبعث في نفسي شعوراً سيئاً".
أرسلت ليسي.
"لا تقولي لي".
وافق كاتو. لم يثق بديين على الإطلاق، لكن لم يكن هناك سبب حقيقي للرجل لخيانة أي من معرفته المحدودة عن كاتو والشقيقتين. وبينما كان متأكداً من رغبة أنواع النظام في المعرفة، فلم يُرجح استعدادهم لإحراق عشيرة تورنوك من أجل تلك المعلومة. نظراً لأن ذلك سيكون ثمن ديين.
"على أي حال، أنا متأكد من رغبتك في بعض الوقت المستقطع، نظراً لما أخبرتني به، وما زلت في طور صنع تلك الإمدادات الجديدة لك على أي حال. لكن عندما تكونان جاهزتين، سأحتاج منكما ضرب العوالم الداخلية — وعالم الحرب مجدداً، إن أمكن إنجاز ذلك دون تلك البوابة ذات الاتجاه الواحد".
"ليست مشكلة".
أجابت رين، منتعشة بوضوح عند ذكر الإمدادات. ومن واقع ما فهمه كاتو، لم تحظَ الشقيقتان بوجبة لائقة لسنوات. لم يحتاج الأثوث إليها حرفياً، لكنه لم يفعل كذلك، ومع ذلك استمر كاتو في طهي الوجبات لنفسه لهياكله المربوطة بالمحطات. لم يضغط كاتو عليهما للبدء بالعمل. لقد عرفهما بما يكفي الآن — وكان يفترض به ذلك، حتى وإن لم تكن النسخ الأكثر دراية به هما سلالة سايد — لذا فقد وثق بهما لإدارة وقتهما ومسؤولياتهما دون أي إلحاح.
علاوة على ذلك، لم تكفِ ساعات قليلة من إحاطة المعلومات بأي شكل لجلبهم إلى قلب كل ما حدث في السنوات العشر الماضية، إضافة إلى عدم حصوله على محادثة كافية لمعرفة ما إذا كانتا قد تغيرتا حقاً. في الواقع، لم يُثر حتى حقيقة أن الحيوانات الأليفة السحلية ما زالت تنتظرهما، رغم تبنيها نوعاً ما من قِبل سلالة مختلفة في الفترة الانتقالية. لم تكن هناك عجلة. أو هكذا ظن.
"كاتو، تلقيت إشعاراً للتو".
قالت مِي-إيس، بعد يوم واحد فحسب. انطلق نداء كاتو-أوريف بعد لحظة بذكره المشابه من إينيتيك.
"تمت إدانة عالم جيفيسترال، وسيتم تطهيره قريباً. يبدو أن المَلك الخاص بهذا العالم قد توصل بالفعل إلى اتفاق مع العوالم الأساسية — إنه أحد أبنائهم المدللين، لذا بالطبع فعلها".
سخرت مِي-إيس.
"لا ترغب العشائر الكبرى ببساطة في إثارة الاستياء مثل المرة السابقة".
تخبط للحظة ليعرف أي عالم كان ذلك، لكن الأمر بدا واضحاً بعدها — المكان الأخير الذي شوهدت فيه رين وليسي بواسطة موار والعالم الذي أجلتهما منه يانيس. كانت العملية برمتها متسرعة بعض الشيء وعفوية، لكن تلك كانت طبيعة الواقع. لم يمضِ شيء وفقاً للخطة حقاً. تلقى كاتو-جيف الإشعارات العاجلة من نسخ مختلفة أخرى من نفسه، عشرات منها، وكأن التكرار سيساعد بطريقة ما. دفعه ذلك إلى تفعيل قفزة الهياكل العالية، رغم امتلاكه بعد مراجعة الرسائل ما يقارب الثلاثين ساعة بدلاً من الساعات الثلاث التي منحها الإبادة الشاملة للناس.
وقت كافٍ، على أمله، نظراً لامتلاكه النصيب الأكبر من عقد من الزمن للبناء. بينما خضع كل مكون من مليارات أطنان العتاد في المدار للاختبار حتى الموت، لم ينشروه فعلياً من قبل. لم يرغبوا قط في نشره، وما زال كاتو يفضل شن غزو كلاسيكي لإخراج الكوكب من النظام بدلاً من المخاطرة بالتعامل مع الإبادة الشاملة — لكن الأوان قد فات على ذلك.
"الأبراج المحصنة معلقة".
أبلغت يسكو ميل، واسمها السابق ليسي جيف، من السطح.
"لا يوجد إعلان رسمي أو أي شيء، لكن لا يمكن لأحد دخولها".
"هذا شر محض".
قال كاتو. لم يدرِ يقيناً ما إذا كانت الإبادة الشاملة تهدف ببساطة إلى القضاء على عالم مخترق، أم أنها قصدت كسلاح ضد حافزه وعزيمته. عملياً، ربما كانت الاثنين معا، لكن مِي-إيس أخبرته أن الأنواع الأساسية كانت تملك تخميناً على الأقل بأنه كان أوسع انتشاراً مما بدا جلياً. شك في معرفتهم للمدى الحقيقي لذلك، لكن إن كانوا متفرغين تماماً لإيقافه فسيكونون مستعدين لاستخدامها في أي لحظة.
بغض النظر عن الأسباب، حكم على كل من كان في مرتبة النحاس أو الفضة على الكوكب في الأسفل بالموت للتو. كان ذلك أكثر من اثني عشر مليون فرد، في المقام الأول نوع أطلق عليه النظام اسم غايكوس، وهو نوع شبيه بالقرشيات ذو أطراف طويلة وفراء أزرق. ذكروه قليلاً بالقردة العليا من الأرض، باستثناء أطرافهم المركبة بشكل خاطئ وأعناقهم الطويلة بغرابة. على حد علم كاتو، كان هذا كوكبهم الأم، لذا هددت الإبادة الشاملة بالإبادة الجماعية حتى.
تمثلت الموجة الأولى من استجابته في عدة ملايين من عبوات الحشرات ذات الطن الواحد. لم تكن قنبلة الحشرات السيئة الكبيرة شيئاً يمكنه استخدامه لإزالة الأبراج المحصنة تحت تلك الظروف، لكنه لم يتوقف ببساطة عن التطوير مع قاتلي الأبراج المحصنة. كانت الفكرة العامة المتمثلة في القدرة على دمج التكنولوجيا الحيوية الحقيقية دون إنذار قيّمة للغاية بحيث لا يمكن تركها كنشر يُستخدم لمرة واحدة.
قُدّر لنصف العبوات أن تصبح شبكة واسعة لتشويش النظام. راوده أمل خافت في أن يؤدي تغطية الكوكب بأسره بالتشويش العصبي إلى تعطيل أي آلية تُستخدم لتعقيم العوالم. لكنه ظل أملاً خافتاً، ولهذا السبب وُجد النصف الآخر من العبوات. لم تملك رتبتا النحاس والفضة الدفاعات الكافية لدرء العوامل البيولوجية المستهدفة. امتلك علم الوراثة، والكيمياء الحيوية، وتشريح كل نوع على الكوكب في الأسفل، مما أدى إلى أوبئة مصممة خصيصاً وقاطعات عقول.
ربما كان وصفها بالأوبئة مبالغاً فيه، لكن الأسلحة البيولوجية "التهدئة"
كانت كائنات دقيقة تضخ مواد كيميائية عصبية لتهدئة الناس، وصُممت قاطعات العقول لجعل الناس فاقدين للوعي فوراً ورقمياً بالشكل الصحيح، وبأقل قدر من الصدمة.
"أكره نشر هذه الأشياء".
قال كاتو لرين وليسي. تواجدوا جميعاً في الفضاء الافتراضي نفسه في تلك اللحظة، إذ لم يكن بإمكان أي منهم فعل أي شيء على السطح بالفعل. لم تكن هناك معركة لتُخاض. كانت تلك معركة تحضيرات، وحلول، ونطاق، وليست معركة قوة أو قوات.
تتطلب رتبتا الذهب والبلاتين عناية فردية أكبر، لكن عدديهما القليل كان يكفي لئلا يشكل مشكلة، هذا إن بقيا. أغلبهم سيفرّون عبر البوابات على الأرجح بدل الصمود أمام موت محتوم. سيبذل قصارى جهده لإنقاذ هؤلاء بالطبع، حتى وإن كان إقناعهم عسيرًا. كل من يهتم بالبقاء رغم كل شيء يستحق الأفضل منه دون أدنى شك. مع تناقص العدوانية في العداد، اشتعلت محركات الاندماج لتجلب أسراباً هائلة من المصانع والآلات إلى مدار منخفض.
بقي نصف احتياطياته في الأعلى، تحسُّباً لأي فكرة لامعة قد تراود أحداً من جهة النظام فيطلق نبضة النظام نحوالخارج قبيل انغلاق كل شيء لتذويب عتاده بأكمله، ولهذا السبب صنع أكثر بكثير جداً مما سياحتاجه، حتى عندما يتعلق الأمر بالتغطية العالمية الشاملة. عشر سنوات من النمو الأسّي المتواصل أسفرت عن الكثير من المُنتجات.
أبلغت ليز وهي تراقب الإطار البعيد الذي تركاه على السطح: "تحذير الإخلاء".
وصل كاتو شبكة أشعة الجسيمات، لا أنه كان ينوي إطلاق النار على أزوث، إن ظهر واحد في وسط مدينة مأهولة، لكن إن سنحت له الفرصة فسيقتنصها. أو إن حاول الأزوث التدخل في جهود كاتو لرقمنة العامة. كان يعلم مسبقاً أن الأزوث قادرون على تسوية قارات بالأرض، وإن كانت مدينة واحدة هي الثمن لمنع ذلك فسيتعين عليه تحصين نفسه والضغط على الزر. أكثر ما تمنى معرفته هو ما إذا كان تمزيق الواجهات أمراً مجدياً.
كان متأكداً تقريباً من وجود عقِل هناك، متأكداً تقريباً، لكنه لم يعلم على وجه اليقين ولم يتسع الوقت قبل انغلاق البوابات في عوالم أخرى. قد يتغير ذلك مع كيفسترايت، أو ربما تتيح له إينيتيك أو ميي-إيس تجربته، شيء لا يعود بالنفع على كاتو-كيف الذي كان عليه خوض الغمار أعمى.
ظهر أزوث من بوابة مزّقت نفسها فوق العاصمة، تماماً كما توقع، وشرع في تكرار لكلام الأصل شبه مطابقة حرفية: "اسمعوا هذا! هذا العالم مدان من قِبل كاتو! لا مكان دنّسه يُحتمل لدى الملوك، فليُعلم أن هذا في رقبتها!"
تمتم كاتو: "ها نحن نغادر"، وفعَّل قنابل الحشرات.
تحركت الحشرات ناشطة، فارتفعت أسراب من الريف لتغمر البلدات التي هَدأت لتوِّها، مترابطة فيما بينها ومفعّلة عمليات معينة لتحويل نفسها إلى مادة حيوية ذكية تَشويشاً للنظام. كان منظراً مرعباً للغاية من الخارج؛ مخلوقات سوداء صغيرة، اكتسبت لونها من انتشار خيوط الغرافين، تلتف حول رؤوس البشر، بينما علت هوائيات مؤقتة في الهواء فوق أسطح المنازل أو في الساحات. لم تكن شبكة الفطريات تمتلك سوى جزء ضئيل من النطاق الترددي للتعامل مع العقول الجماعية — ناهيك عن كل المعلومات الجينية والبيومترية، وتحليل العلاقات النسبية لضمان حفظ البشر وتجميعهم بالشكل الصحيح — التي كانت تُبث جميعها صعوداً إلى شبكة الأقمار الصناعية الكثيفة في المدار.
أبعد بكثير، وراء القمر تماماً، طفا سرب من الحوسبة المدرعة التي شكلت معاً سباتاً هائلاً، بُني طبقاً لمواصفات حضارة الصيف. طاقة تكفي لتشغيل ملايين البشر، إلى جانب البيئات والذكاءات الافتراضية اللازمة للإعداد والصيانة، مقيّدة الإطار أو مخفضة التردد بحسب الحاجة. من بين كل بنيته التحتية، كان ذلك الشيء الوحيد المعرض للخطر حقاً، ولذا جرى إخفاؤه جيداً عن الكوكب فضلاً عن كونه بعيداً جداً لدرجة تعجز أنواع النظام عن تخيلها.
أثار تجمع قنابل الحشرات لتتحول إلى مشوشات للنظام مهمة دفاع النظام عبر الكرة الأرضية بأكملها حرفياً، وانتظر كاتو مع وجود نسخ احتياطية تقف على حافة احتراق إعادة الدخول تحسُّباً لأي محاولة من الملك المحلي لتنفيذ نوع التطهير الذي شهده في الماضي. لم يحدث شيء، ليس فورياً، لذا اختطف بعض المادة الحيوية المشوشة للنظام والتي تسللت إلى العاصمة. لم ينشرها هناك بالكامل حتى تلك اللحظة لسبب بسيط هو أن ذلك قد يدفع الأزوث إلى تصرف مفرط، والكلام وسيلة أفضل لنيل ما يبتغيه مقارنة بالأفعال.
قال كاتو، بصوت يتردد صداه من مئات المصادر حول المدينة: "أنا هنا، وعليك الرحيل".
سخر الأزوث، رغم أن رصد كاتو التقط بعض التفاعلات الدقيقة التي أظهرت أن الإعلان المشتت كان غير متوقع: "يا زنديق! يا كافر! نحن المخلصين لن نطيعك أبداً ولن ننحني لإرادتك! سأبقى هنا حتى يرحل كل من قد يظل نافعاً".
في الواقع، كان المرور عبر البواّبة ضئيلاً بشكل مفاجئ؛ إذ استسلم عدد من أصحاب رتبة الذهب لتهدئة الأعصاب، بينما لم يتحرك صاحب رتبة البلاتين في مكتب مدير العالم.
قال له كاتو دون أن يبدي تأثراً: "هذا جميل وحسن، لكن إن كنت تطهر هذا الكوكب فلا حاجة لوجودك هنا على أي حال. وإن كان هؤلاء البشر أجمعون سيموتون، فلا سبب يمنعني من قتلك بنفسي".
لم يكن يخدع أحداً تماماً. إن كان الأزوث سيمنعه من رقمنة آلاف البشر في العاصمة، فالتحرك أفضل من مجرد المراقبة بينما يموت الجميع — تلك كانت النظرة باختصار على الأقل. أما عملياً، فقد كان يحدوه أمل ضعيف في أن يتمكن من خداع الأزوث ليغادر فلا يضطر لمواجهة ذلك الخيار بعينه.
قال الأزوث: "لا أخشى تباهيك الفارغ"، وتأوه كاتو مع استمرار الهجوم الكلامي.
تنهد في مكتبه الافتراضي وعدّل التعليمات الخاصة بشعبة أشعة الجسيمات، ضابطاً إياها لإطلاق ومضة تدوم عُشر ثانية. أقل مما استغرقه قتل الأزوث سابقاً على هايكوس، واعتمد بطريقة ما على ميكانيكا النظام ذاتها. إن لم تكن كفيلة بقتل الأزوث، فستمتص مهارات الدفاع الجزء الأكبر من الطاقة، وبذلك لن يسوي المدينة بالأرض. اخترقت ومضة وجيزة من جسيمات متسارعة هائلة الغلاف الجوي، فطعنت الأزوث بينما ترددت أصداء رعد مدوٍّ بشكل مستحيل، ممزقة الأوراق ومقتلية مخلوقات الرتبة النحاسية في المناطق المحيطة.
حُمي غالبية العامة بواسطة المباني ومادة الأسلحة البيولوجية، لكن أي زيادة تتجاوز تلك الومضة العابرة ستخلف حتماً إصابات بشرية. لم يدرِ كاتو بدقة حجم الضرر الذي أحدثه الغمر اللحظي للجسيمات النسبية لكن الأزوث صرخ، حتى وإن لم يمت — وكما كان يأمل، حالت المهارات وصلابة النظام الأساسية دون وقوع انفجار بنطاق نووي من مسافة صفر.
"كان هذا تحذيراً. ابقَ ومُت، أو ارحل".
وما إن بث الإنذار، حتى أرسل التعليمات لبقية مادة قنابل الحشرات للبدء برقمنة سكان المدينة. وما دام حضور كاتو قد أصبح معلوماً، فعسى ألا يدرك الأزوث ما يدور.
"أم أن إزعاجي يستحق حياتك — أو إحدى حياتك؟"
كان عليه افتراض أن كل أزوث يواجهه يملك بعثاً متاحاً، ولهذا كانوا مستهلكين إلى حد ما، تماماً مثل إطاراته البعيدة. وهو ما لمَعْنِ أن التهديد بلا مخالب. الموت لا يزال أمراً بغيضاً، وخلافاً لإطاراته، يمتلك الأزوث حيوات محدودة.
قال الأزوث: "هذا العالم هالك بغض النظر عن كل شيء"، واختفى.
عبر البوابة على الأرجح، غير أنه لا سبيل لمعرفة ما يسمح به النظام في تلك الرتبة. وما إن انتفى قلقه بشأن تعثر جهوده، حتى استغرق ودون إبطاء في استيعاب العاصمة، باستثناء صاحب البلاتين. ولهذا الغرض، أرسل هيكلاً حربياً بحجم دبلوماسي، آምلاً أن يتمكن من إقناع البلاتيني بالانضمام للجميع في الرقمنة — وألا يتدخل حين يمزق عقل الواجهة. أراد كاتو إنقاذ الجميع.
* * *
قَلِقَت ميشيل. قَلِقَت وهي تُعلِّم النحاسيين في فناء عقْد زوجها، مُرشدة الأطفال على أبسط وظائف القتال. قَلِقَت وهي تتلقى الرسائل عبر جهاز الإرسال البعيد من مختلف مجموعات الذهبيين التي حمت البلدات في جميع أنحاء العالم. قَلِقَت حتى بعد أن صرفت طلابها لليوم، جانحة بجهاز الإرسال البعيد جانباً، ومُدعة خمولاً غريباً فجائياً يجذبها لتستقر على أحد المقاعد البلاتينية عند نافذة القصر.
على الرغم من أن اللامبالاة المتعبة منعتها من استدعاء الإرادة لفعل الكثير، إلا أنها لم توقف القلق. لم يكن الأمر جديداً، إذ راودها القلق طالما تجاوزها زوجها في الرتبة وواصل صعوده إلى أماكن لا تستطيع بلوغها. بالنسبة لميشيل، كانت الفضة هي الحد الأقصى. حتى أعداء الفضة الذروة كانوا أثقل من أن تطيقهم؛ أسرع وأقوى، ويتطلبون منها تتبع أشياء أكثر مما تحتمل. أكد لها إيمخيل قدرتها على التعامل مع الأمر، لكنها كانت أعلم بنفسها.
وهكذا ظلت في الفضة بينما ارتقى هو إلى الذهب، ثم البلاتين. ثم جاءت الحملة. حتى قبيل الحملة، كانت واعية بعمق وبألم لمدى سرعة تقدمها في العمر وتتساءل، رغم خشيتها من ذكر الأمر، عن المدة التي سيقضيها إيمخيل معها. قلة نادرة من البلاتينيين من يبقون، بعد كل شيء، بل يمضون قُدماً نحو العوالم الداخلية والجوهرية، ليصبحوا غرائب بعيدين، خارقين نحو البزموت ليغدوا شيئاً آخر تماماً.
مع الحملة، بات الضغط أشد على البلاتينيين للمغادرة وبلوغ العوالم الداخلية ليصبحوا أكثر قوة وقدرة. حتى الآن لم يستسلم إيمخيل للأمر، لكن ميشيل علمت أنها مسألة وقت ليس إلا. كانت رتبته تواصل الزحف صعوداً، رغم تقييده في كيفسترايت. كان إيمخيل الخاص بها مسكوناً بالدفع، مُركزاً، ويحتاج لأكثر مما يستطيع عالمهم الصغير تقديمه. لكن ذلك لم يعنِ رغبتها في خسارته.
[أمر إخلاء! يُأمر الجميع بمغادرة كيفسترايت]
أخرج التنبيه ميشيل من خمولها الغريب، ورغم أنها نهضت، عجزت عن حمل نفسها على فعل أي شيء. ليس لعدم وجود ما تفعله — فبصفتها في منتصف الفضة، لم تستطع المغادرة. ليس منذ أن تغيرت البوابات لتمنع أي شخص دون ذروة الفضة من استخدامها. مع ذلك، فتحت الباب المطل على فناء القصر، ناظرة إلى برج النقطة في الأفق. تعذر عليها بلوغه تماماً، وعجزت عن انتشال نفسها من مزاجها الغريب الطافح حتى عن الكلام، لكنها ظلت تتمنى لو أن إيمخيل يغتنم الفرصة.
لسبب ما لم يأتِ الخوف، رغم علمها بهلاكها. أطفالها، الذين كانوا مع بقية الفضيين قرب مناطق النزاع، هلكوا. التعويذة التي أصابتها منعت الذعر الذي كان من المفترض أن يعتصر أحشائها ويجتاح أفكارها. لكنها أرادت لإيمخيل أن يحيى، في مكان ما خارج النظام. مكان لا يكون فيه مقيداً بعالم أصغر منه، مع زوجة وأطفال لا يستطيعون مجاراته قط. في رؤيتها، امتدت مهمة عارضة سلسلة لا تنتهي من المواقع.
اجتاحت الكارثة العالم؛ وكل شيء كان يشارف على النهاية. ثم ومض برق مستحيل ورعد مدوٍ من سماء صافية، وخفت الضوء. بدا في السماء ظلام ليس من الليل، كأن قوة عظيمة سرقت نصف ضوء الشمس. ومع ذلك، سمعت طقطقة مهارة حركة زوجها المألوفة، فظهر، ومعه طفلاهما. ابنة وابن — وشيء غير معلوف أيضاً، مخلوق أسود صغير يقف على كتفه. للحظة، بدا اليوم أقل קتامة، لكنها في الوقت ذاته، شعرت باليأس لعلمها بأنه لن ينقذ نفسه.
قالت بصوت بدا عائماً وغريباً: "إيمخيل.. لا يمكنك البقاء".
أجاب وهو يحيطها بذراعيه: "ما كنت لأستطيع المغادرة أبداً".
قالت وهي تعتصم بيديه: "سنموت جميعاً".
قال لها إيمخيل: "ربما لا"، وحرّر إحدى يديه ليمتد ويرفع المخلوق الأسود عن كتفه.
"يقدم لنا كاتو فرصة لنحيى".
نظرت ميشيل إلى المخلوق الأسود، ومقته، فهو سبب خرابهم، لكنها عجزت عن حشد الطاقة لضربه.
سألت بدلاً من ذلك: "كيف يمكننا الوثوق به؟".
رد متسائلاً: "وما الذي نخشى خسارته؟".
تكلم كاتو بصوت لا ينسجم مع مخلوق بهذه الصغر: "ستكون التجربة غريبة، لكني أنوي الحفاظ على هذا الكوكب بأكمله. غير أنه ليس هناك متسع كبير من الوقت. من الأفضل البدء الآن".
نظرت في عيني إيمخيل، فبادلها نظرتها المؤلمة: "أمتأكد أنت؟".
قال إيمخيل: "إما خسارتك يقيناً، أو ربما لا. سأخاطر".
قالت ميشيل وهي تمد يدها لتجمع أطفالها أيضاً: "إذن.. أظننا سنفعل".
قال كاتو: "شكراً لكم".
ظلام. نور. وجدت ميشيل نفسها واقفة كما كانت من قبل، لكن ليس في القصر. بل بدا وكأنهما في عالم آخر، بسماء مختلفة ونمط مختلف من المساكن وراءهم. تبددت كل السآمة المروعة التي أثقلت كاهلها على السطح، فأخذت أنفاساً طويلة مرتجفة وهي تدرك فجأة أن كل شيء قد تغير.
قالت كيشل، مستغربة بعض الشيء وهي تلتفت مستوعبة المحيط المألوف غير المألوف: "أمي؟ أبـي؟ ما الذي يجري تحديداً؟".
جاء الجواب من كائن غير مألوف، هيئة غريبة بزي غريب، لم يكن سوى كاتو: "قرر النظام تدمير عالمكم".
عجزت ميشيل حتى عن استشعاره — ثم انتفضت مدركة أن أياً من حواس جوهرها لا يعمل البطلة. فزعةً، حاولت استدعاء حالتها، لكن ذلك لم ينجح بدوره أيضاً.
قالت وهي تنتقل بنظراتها بين زوجها وأطفالها الذين بدا أنهم أدركوا المشكلة في التوقيت عينه: "رتبتي...".
أشار كاتو بيده نحو المسكن، حيث نُصبت عدة مقاعد وطاولات على الشرفة: "لا توجد رتب هنا. هذا أمر ينبغي أن نجلِس لنناقشه، لأنكم الآن خارج النظام، وكل شيء مختلف. لا يوجد ما يُقاتَل لأجله، وكل السُّبل التي كانت موصدة قد فُتحت من جديد".
قال إيمخيل، متصدراً المسير نحو الشرفة: "لا قتال؟".
وجدت ميشيل نفسها تومئ موافقة على دهشة زوجها. القتال كان هو الحياة. وبدونه، لا شيء يمكن أن يحدث. لا معنى لإعلان مفاده أن أساس الوجود برمته لم يعد مطبقاً.
خطت ميشيل صعوداً نحو الشرفة متأملة المقاعد دون أن ترها حقيقة، قبل أن تلتفت إلى كاتو: "لكن إن لم نقاتل لأجله.. إن لم نقاتل من أجله، كيف يمكننا أن نحظى...".
تلاشى صوت ميشيل وهي تلوح بيدها: "بأي شيء؟".
رفع كاتو إصبعاً ليوحي بأنه لم ينتهِ تماماً من رده العبثي: "بل عليك القتال من أجله. المستقبل شيء يتطلب دائماً عملاً شاقاً. أنا أوسع فقط الطريقة التي يمكنك بها مقاربة ذلك القتال. قتال الوحوش ليس سوى جزء ضئيل من الواقع، وما أود منحكم إياه هو ما تبقى منه".
قطب ابنها جبينه عابساً: "هذا سخيف! كيف يمكن لأي شيء أن يعمل على هذا النحو؟".
قال كاتو دون أن تزعجه التحديات إطلاقاً: "أنا متأكد من وجود نحو ستة عشر مليون شخص يوافقونك الرأي. ولهذا أحتاج مساعدتكم. لا رتب، لا مهارات، لا قتال إلزامي — يبدو لكم وكأنني سلبت كل ما كان معقولاً ولم أمنحكم شيئاً في المقابل. لكن هنا نملك كل وقت العالم، وربما يمكننا معاً تبين سبل جديدة للقتال لن تترك كل أولئك البشر في العراء".