كان جين يمر بكابوس مروع.
وحش أسود ذو مخالب حاده كان يسحق جسده، يخدش بمخالبة وجهه بعنف ويرفض إفلاته. جعل هذا الإحساس الرهيب جين يئن في نومه.
"أوه!" تمكن أخيراً من فتح عينيه والجلوس. وسرعان ما اكتشف جين الفاعل وراء هذا الكابوس.
*مياو، مياو!*
لقد كان موراكان، الذي وثب فوق صدره وبدأ يعجن وجهه بكفوفه الصغيرة.
"لماذا يبدو هذا الشعور مألوفاً للغاية؟ ابتعد عني، هيا!" دفع موراكان برفق وتفقد جسده.
لم يبدُ أن هناك أي كسر.
كان معالجو الرونكانديل موهوبين للغاية بلا شك، ولكن السبب الحقيقي لسلامته يعود لكونه أحد القلائل القادرين على استعادة وعيهم دون عناء يُذكر بعد تلقي ضربة سيف من سايرون.
وكان جين يدرك هذا جيداً.
*لقد أصبحتُ قوياً للغاية بفضل إخوتي هناك. لولا ذلك التدريب المكثف في لافراروسا، لما حلمتُ حتى بصد تلك الضربة.*
التفت ينظر حوله، ليجد نفسه في مكان مألوف للغاية؛ لقد كانت الغرفة ذاتها التي استخدمها خلال سنوات تدريبه كمتدرب.
وشعر بحركة قريبة.
"هل استيقظت، يا سيدي الشاب؟"
كانت غيلي. لقد عادت إلى حديقة السيوف فور صمود جين أمام ضربة سايرون، وهي تقف الآن بجانبه كما كانت تفعل دائماً خلال سنوات طفولته وتدريبه.
"غيلي!"
"لقد مر وقت طويل، يا سيدي الشاب." رسمت غيلي على شفتيها ابتسامة دافئة.
أخيراً، اجتمعا مجدداً بعد فراق دام عاماً وشهرين. فمنذ مغادرته لافراروسا، لم يلتقِ جين سوى بـ ميشا وموراكان.
"لقد افتقدتكِ."
"وأنا افتقدتكَ أيضاً. ولا تدري كم كان رفاقك في تيكان يفتقدونك، يا سيدي الشاب."
أومأ جين برأسه ونظر إلى معصمي غيلي.
لم يكن هناك. ذلك الدبوس الحديدي الذي وُضع لكبح قواها قد اختفى؛ إذ قام الطاقم الطبي للرونكانديل بإزالته فور عودته إلى العشيرة.
شعرت غيلي بالحرج وحكت مؤخرة عنقها عندما لاحظت نظراته.
"شكراً لكِ على كل شيء، غيلي."
"لا داعي للشكر، هذا واجبنا. كل مربية في الرونكانديل تمر بهذا على أي حال. وبفضلك، حظيت بحياة سهلة ومريحة كمربية لحامل الراية المؤقت."
نظرت غيلي إلى جين بأعين تملؤها المهابة، ثم جثت على ركبتيها وحنت رأسها إجلالاً.
"الفارسة غيلي مكلوران تقسم بالولاء لحامل الراية الثاني عشر لعشيرة الرونكانديل، السيد جين رونكانديل، بصفتها مربية له. إنه لشرف عظيم لي أن أخدمك مجدداً، يا سيدي الشاب."
أثارت هذه الكلمات الكثير من الشجون في نفس جين.
في حياته السابقة، نُفيت غيلي وخُتمت قواها بسببه. أما الآن، فقد أصبح حاملاً للراية، وغدت هي مربية لحامل راية رسمي.
غمرته مشاعر جياشة كادت تفيض من صدره.
*لن أسمح لأي كان بأن يدمر حياة غيلي مجدداً.*
كتم جين مشاعره العميقة وابتسم قائلاً: "كونكِ مربيتي هو الشرف العظيم لي، غيلي. أشعر بالارتباك من هذا المشهد، لذا أرجوكِ، انهضي."
"حاضر، يا سيدي الشاب."
*بوف!*
تحول موراكان إلى هيئته البشرية وساعد غيلي على الوقوف.
"لا أفهم حقاً سر ولاء عزيزتنا 'حلوى الفراولة' المطلق لهذا الفتى. إنه ليس لطيفاً حتى! يا عزيزتي حلوى الفراولة، ألم تفتقدي موراكان العظيم؟ أوه، يا لها من فضيحة! هذا لا يمكن أن يحدث! الصبي ينال كل الحب هنا، بينما أنا مجرد تنين عابر، أليس كذلك؟"
"سـ-السيد موراكان. لا تقسُ على نفسك. بالطبع افتقدتكَ أنا أيضاً."
"إذن لماذا تعاملينني بجفاء؟"
"لكننا كنا معاً في تيكان حتى قبل أسبوع واحد فقط."
"إذن ما تقولينه يا حلوى الفراولة، هو أنكِ لم تفتقديني كثيراً لأننا افترقنا لأسبوع واحد فقط؟ هل هذا ما تقصدينه؟"
"هذا يلخص الأمر بدقة."
عجز موراكان عن الرد؛ إذ أدرك أن الفراق لأسبوع واحد ليس بالخطب الجلل الذي يستدعي القلق. فضلاً عن أن موراكان وغيلي لم يربطهما أي وفاق عاطفي بعد.
تنحنح موراكان قائلاً: "ولكن مع ذلك…"
قاطعه جين: "مهلاً، كف عن هذا. هي لم تفعل شيئاً خاطئاً. توقف عن إزعاج حلوى الفراولة – أعني غيلي – بهذه التراهات. بالإضافة إلى ذلك، نحن لسنا في تيكان الآن، حسناً؟ لا تتحول هكذا، لا يمكنك فعل هذا هنا. يجب أن تعود كـ 'الفراشة رونكانديل' كما كنت في أيام تدريبي."
"ما الذي تتحدث عنه أيها الشقي؟ الجميع يعلم أنني تنينك الحارس. هل تطلب مني إخفاء هويتي والعيش كقطة مجدداً؟"
"في الواقع، نعم. على أي حال، غيلي. كم من الوقت قضيتُ فاقداً للوعي؟"
"نحو ثلاث ساعات فقط، يا سيدي الشاب."
"حسناً، ثلاث ساعات. ماذا؟!" وثب جين واقفاً ونظر إلى الخارج.
كان الوقت يقارب الظهيرة عندما اتخذوا التشكيلات لاستقبال سايرون، ولا تزال شمس العصر تشرق فوق حديقة السيوف.
هل استعاد وعيه من جرح بليغ كهذا في ثلاث ساعات فقط؟
تذكر جين حينها ما قاله "بوراس"، ملك المعارك الخامس، في العام الماضي أثناء تدريبه في لافراروسا: *"إنه مصاص دماء، هذا ما هو عليه! إنه يمتص مكعبات الدماء من شقيقة حاكمة القتال، يا للهول!"*
لقد تلقى جين عمليات نقل دم من "فان"، حاكمة القتال، هذه المرة أيضاً، ليس مرة واحدة بل مرتين. وكانت فان تضعف قليلاً في كل مرة تتبرع فيها بالدم لأنها كانت تفعل شيئاً أشبه بالمعجزة، لكن هذا عزز جسد جين المبارك وقلبه المضيء.
ولهذا السبب لم يستغرق جين سوى ثلاث ساعات ليستعيد وعيه بالكامل بعد تلقي ضربة سايرون الماحقة.
"ستصاب حديقة السيوف بالذهول عندما يعلمون أنك استعدت وعيك بالفعل. بدا رئيس الطاقم الطبي متوقعاً للأمر نوعاً ما، لكن معظم الناس قالوا إن استيقاظك سيستغرق ثلاثة أيام على الأقل، يا سيدي الشاب."
"ومراسم تنصيبي كحامل راية؟"
"بما أنه أمر مباشر من البطريرك، فمن المرجح أن تُقام اليوم. أعتقد أنه يتوجب عليك الذهاب لمقابلة البطريرك، يا سيدي الشاب."
فتحت غيلي خزانة الملابس؛ حيث أعدت الزي الرسمي لحاملي راية الرونكانديل. كان معطفاً أسود تزينه تطاريز ذهبية أنيقة وخيوط منمقة.
اُغرِقت عيناها بالدموع وهي تخرج المعطف وتقدمه إليه.
"أوه، اعتذر لشدة حماقتي. لقد جرفتني مشاعري وأنا أراك ترتديه أخيراً، يا سيدي الشاب. بالتوفيق في مراسم اليوم. أوه، وهل هناك أي شيء يمكنني القيام به من أجلك؟"
"همم. اصنعي كعكة فراولة لـ موراكان. لقد ظل يغني طوال الطريق إلى هنا عن مدى رغبته في تناول واحدة."
"مفهوم."
غسل جين وجهه، وسرح شعره، وعدل ياقته، ثم خطا خارجاً إلى الرواق.
بمجرد خروجه، شعر بنظرات الجميع تلاحقه.
الخدم المارون في الممرات، الفرسان الحراس، وحتى المتدربين. لم يجرؤ أحد على النظر إليه بوقاحة، لكنهم ألقوا جميعاً نظرات تملؤها الدهشة والفضول نحوه.
وفي تلك اللحظة بالذات، مر بعض إخوته.
"لم نلتقِ منذ مدة طويلة. الأختان ميو وآن."
كانتا تمران بجانب غرفة جين في طريقهما لتسليم تقارير مهام حاملي الراية إلى روزا.
توقفتا على الفور والتفتا برأسيهما.
*أتساءل كم ستكونان ساخرتين الآن. أم أنهما لن تظهرا هذا القدر من الاحتقار كما في السابق؟*
نظرتا إلى جين وظلتا صامتتين لبرهة. بل إنهما رمشتا عدة مرات وكأنهما تشهدان شيئاً مستحيلاً.
*هل استيقظ بالفعل؟*
*بعد تلقي تلك الضربة من والدي؟ هل أرى بوضوح الآن؟*
تنقلت نظراتهما بين جين عدة مرات للتأكد مما تريانه. ولم يستغرق الأمر طويلاً ليدركا أن الواقف أمامهما هو جين الحقيقي بلا شك.
"أنت… لا يهم. هيا بنا يا آن،" كانت ميو أول من تحدث.
قطبت حاجبيها، وبدا جلياً أنها لا ترغب في الخوض في أي حديث مع جين.
"ميو؟" تفاجأت آن من ردة فعل شقيقتها.
لقد صدمت هي الأخرى برؤية جين، لكنها رأت أنه من الأنسب إظهار الازدراء له بما أنهما التقيا به؛ فقد أصبحوا الآن متنافسين شرعيين في حرب التصنيف. واعتقدت آن أن احتمالية خسارتهم أمامه معدومة. فعلى الرغم من زيادة قوة جين، إلا أن هناك طرقاً عديدة للفوز في حرب التصنيف تتجاوز القتال الفردي.
"لا يمكننا المغادرة هكذا بعد أن التقينا بهذا الشقي الذي كان مجرماً حتى الصباح والآن يرتدي معطف حامل الراية. هيا بنا، لنلقنه درساً—"
"قلتُ إننا سنغادر."
"السيد الشاب جين!"
تعالى صوت هادر فور انتهاء ميو من كلامها.
حمل الصوت نبرة ترحيب ممزوجة بمسحة من التهكم وظلال قوية من الملق الشديد. هذا الصوت الغامض والمعقد لا يمكن أن ينتمي إلا لـ "إيما نيلترو"، مربية توأم التونا.
وبجانبها وقف توأم التونا، وقد فغرا فاهيهما بتعابير تملؤها الصدمة والذهول. لقد كانا هما الآخران مذهولين من تعافي جين السريع.
"لقد سمعنا من الخدم أنك استيقظت، يا سيدي الشاب. وجئنا فور علمنا بذلك. كيف حالك، يا سيدي الشاب؟ أنا سعيدة جداً برؤيتك سالماً ومعافى. أوه، ماذا أقول؟ أعتقد أنه يتوجب علي البدء بمخاطبتك كـ 'حامل الراية الثاني عشر'، وليس كـ 'سيدي الشاب' بعد الآن، أليس كذلك؟"
أظهرت موقفاً ذليلاً وماكراً للغاية، وهي تفرك يديها بجشع وتنحني باستمرار أثناء حديثها.
"يا للهول! إيما نيلترو، هل جننتِ؟ كيف تجرئين على مقاطعة حديث حاملي الراية دون إذن؟ من سمح لكِ بالتصرف هكذا؟" قالت آن بنبرة تملؤها الحقارة والازدراء.
"أوه، أعتذر منكِ، يا آن الشابة. على أي حال، حامل الراية الثاني عشر جين، لقد غدوت شخصاً عظيماً! لقد علمتُ دائماً أنك ستصبح شخصية مرموقة. لم تتردد إيما لثانية واحدة في الإيمان بك، يا سيدي الشاب."
بعد قول ذلك، وكزت إيما توأم التونا من الجانبين، مشيرة إليهما بالترحيب بـ جين.
"جين! أنا سعيد برؤيتك. كيف حالك؟"
"كيف… كيف حالك؟ لقد صمدت أمام ضربة سيف والدي! لا تدري كم كان الجميع مصدوماً! أليس كذلك، هيتونا؟"
"بالتأكيد! ديتونا. لقد كان أمراً مذهلاً، أليس كذلك؟"
جعلت ثرثرة توأم التونا وحركاتهما المبالغ فيها جين يبتسم سراً.
ومن ناحية أخرى، أثارت فطنة إيما وشدة ملاحظتها قشعريرة في جسده.
*يبدو أن إيما تعتقد أنني سأصبح البطريرك يوماً ما. وحتى لو لم يحدث ذلك، أراهن أنها تود تصديق هذا بما أن توأم التونا ليس لديهما شخص آخر يعتمدان عليه. خطتها بالتأكيد هي تأمين مستقبل التوأم عبر التقرب مني.*
لقد اعتادت إيما مراقبة جين بوضوح في قلعة العاصفة، وقد حذرها سابقاً من سلوكها هذا.
في ذلك الوقت، كانت إيما تتمنى بامتلاء قلبها أن يتخلف جين عن توأم التونا، حتى وهي تغدقه بمديحها المستمر؛ إذ كانت تنوي أمر توأم التونا بسحق جين أو تجنيده كمرؤوس لهما في حال تراجعه عنهما.
لكن الوضع الآن بات مختلفاً تماماً.
لقد تقبلت إيما حقيقة أن توأم التونا لا يملكان أي فرصة للوصول لمنصب البطريرك. ولذلك، بدأت تبحث عن حلفاء يساعدونهما على النجاة في حرب التصنيف.
لم يكترث أنقياء الدم الموهوبون لتوأم التونا، بينما كانت ميو وآن تضيقان عليهما الخناق يومياً. وكان كل يوم يمر بمثابة سلسلة من الإحباطات لـ إيما.
لكن جين عاد إليهما كنجم ساطع بقوة لا يمكن إنكارها.
*يبدو أن تلك الثعلبة، ميو، أذكى بقليل من الغبية آن. إنها تعلم جيداً أنه ليس بمقدورها العبث مع السيد الشاب جين بعد الآن. هاها، أيتها العاهرتان، كيف تشعران وأنا أهينكما بفضل السيد الشاب جين؟*
على الرغم من أن الأمر لم يكن إهانة بالغة، إلا أن حقيقة مقاطعة إيما لحديث ميو وآن تحت أنظار جين كانت بمثابة نصر مؤزر لها. ولو كان بوسعها، لكانت إيما قد فتكت بـ ميو وآن لتعذيبهما لتوأم التونا طوال هذا الوقت.
*"أنا أقسم بكل ولائي لك، لذا أرجوك ساعدنا وتعاون معنا، يا سيدي الشاب جين!"*
وبالطبع، كان جين قد قرأ أفكار إيما بالفعل.
*حسنًا، سأمنحكِ نقاطاً لكونكِ أول من يقترب مني ويحاول التحالف معي من حديقة السيوف. سأساعدكِ في انتقامكِ الصغير هذا يا إيما. فضلاً عن أنني سأجد العديد من الاستخدامات لتوأم التونا على أي حال.*
توجب على جين كتم ضحكته بصعوبة.
"هل جننتم جميعاً؟ مهلاً، أنتِ يا إيما، من تظنين نفسكِ؟ ألم أسألكِ للتو؟ سألتُ، من سمح لكِ بـ…"
"أختي العزيزة آن، إنكِ تقسين عليها كثيراً. لقد تجاوزت حدودها قليلاً بالفعل، لكن أرجو ألا تنسي أن إيما هي مربية حاملي الراية العاشر والحادي عشر. وقد خدمت العشيرة لوقت طويل. هناك الكثير من الأعين التي تراقبنا الآن، لذا لا أعتقد أنه من اللائق توبيخها بهذا الشكل أمام الجميع."
اتسعت عينا آن دهشةً عندما قاطع جين كلامها بغتة.