⟦⚔⟧═══✧═══⟦⚔⟧
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
⟦⚔⟧═══✧═══⟦⚔⟧
.
.
.
لم يستطع جين أن يُخبّئ دانتي إلا لصِغَر جسده. فلو كان بحجم رجلٍ عاديّ، لما تمكن قطّ من إخفاء حذائه تحت العباءة.
هل كان ذلك صوتَ اختراق؟ لا بُدّ أنني توهّمت، أليس كذلك؟
حتى لو أصغى جيدًا وسمعه حقًا، لم يكن بوسعه أن يُخرج دانتي الآن.
ألقى جين نظرةً على بيرادين المطروح أرضًا. كان يتشنج ويرتجف، وبدا وكأنه سيُغمى عليه في أية لحظة.
أفضل وسيلة لاختراق متراس ساحريّ زيڤل كانت باحتجاز بيرادين رهينة.
لكن رفع بيرادين كرايةٍ لطرد السحرة، سيترك أثرًا رسميًا يُسجَّل كهزيمة أمامه، لأن عشرات الصحفيين سيتقاطرون لمُشاهدة ذلك.
وإن كان لا بُدّ من معرفة الأمر، فالأفضل أن يظلّ خبر فقدان بيرادين وعيه سِرًّا لا يعلمه سوى آل زيڤل، ما أمكن.
لن يُثير المتاعب في عشيرته حين يستعيد وعيه، أليس كذلك؟ كنتُ أظن أنّ دانتي وحده هو من سيُضحّي بحياته من أجل معتقداته.
والحق أنّ لتقاربهما سببًا وجيهًا. فكلاهما ـ دانتي وبيرادين ـ طائشان يركنان إلى المخاطرة بأرواحهم في سبيل قناعاتهم، لا في سبيل مخارج سهلة أو حلول ناجعة.
اشتدّت النيران وهي تذيب الذهب، فسال خليط الذهب المصهور مبتعدًا عن بيرادين، متجهًا صوب البحر.
"إنه هو!"
"لقد وجدنا جين رونكاندل!"
ثبت السحرة أنظارهم على جين فورًا. لكن على خلاف أصواتهم المستعجلة، لم يبدُ عليهم الذُّعر كما حدث في الساحة.
كانوا يرتّبون تشكيلاتهم. بعضهم ألقى حواجز واقية حول جسده ليتحصّن من سيف الأساطير، بينما راح آخرون يُعِدّون تشكيلات هجوميّة مركّبة.
كان وراء جين عشرون ساحرًا من زيڤل، ومع ذلك لم يشعر بأي توتّر.
فقد كشف هويته في الساحة بصفته رونكاندل، وأسقط الاسم المستعار "باميل"، ولم تعد هناك حاجة لإخفاء أنه مبارز.
وبالطبع، يمكن لآل زيڤل دائمًا أن يرفعوا دعوى على آل رونكاندل لكسرهم الميثاق.
لكن جين فكّر ببساطة: تلك مشكلة العشيرة، لا مشكلتي أنا.
ولو لم يكن يعتقد أن آل رونكاندل أقوياء بما يكفي لمواجهة هذه المسألة، لما أعلن هويته أصلًا.
بل، لو لم يكن مؤمنًا بقدرتهم، لما تمنّى قطّ أن يكون البطريرك القادم لهم بعد عودته للحياة.
تجمّعت المانا في كفّ جين. ورأى السحرة بوضوح كيف تكثّفت المانا المبعثرة في الهواء فجأة لتتحوّل إلى طاقةٍ مُركّزة بين يديه.
لم يصدّقوا أعينهم.
"مانا؟ هل… هل جمع هذا القدر من المانا؟" ارتجف قائدهم وهو يتكلّم.
وكان لدهشتهم سببٌ وجيه. فجِين لم يكن يجمع المانا وحسب.
بل كان يُطلق التعاويذ بسرعةٍ مرعبة حتى بالمقارنة مع أولئك السحرة الذين طالما وُصفوا بالنوابغ قبل انضمامهم إلى زيڤل.
بل إنّ مانا جين كانت أكثف بكثير من تلك التي راكمها سحرة زيڤل أنفسهم. وكانوا يظنون أنّ النُّقَى الخُلّص فقط من آل زيڤل قادرون على مُعالجة هذا القدر.
لكن ها هو رونكاندل يفعلها… بل وفتًى لم يزل حاملَ رايةٍ مؤقّتة!
"أطلقوا النيران!" زمجر قائدهم بغضب. ذلك الرونكاندل الملعون كان ينسج مؤامرة، وقد شعر بالإهانة.
كان من الرُّعب مجرّد تخيّل أنّ رونكاندلًا واحدًا قد يملك سحرًا أرقى من سحرهم.
وما إن صدرت أوامره، حتى انطلقت من الدوائر السحريّة عشرات صواعق البرق. تلألأت عينا شوري وهي تُفلت بجسدها العملاق متجنّبة الضربات.
قفزت شوري يمينًا ويسارًا لتتجنّب القذائف، وتصدّت بمخالبها لما لم يكن ممكنًا تفاديه. أمّا السحرة فتابعوا الخطوة التالية بهدوءٍ كأنما كانوا يتوقعونها.
نداء البرق، جدار اللهب، وسجن الجليد. خرجت تعاويذ العناصر تباعًا. بالكاد وجدت شوري لحظة لتهبط أرضًا كي تتفاداها.
ولم يكتفوا بهذا، بل نشروا حاجزًا عملاقًا أيضًا.
رأى جين أنّ سحرة زيڤل يؤدّون حركات معقولة في مواجهته.
فبرغم تفوّقهم العددي، كانوا يختارون استراتيجياتٍ مألوفة ويُقلّلون المخاطر، دون أن تُعيق قوى العناصر بعضها بعضًا. بل انسجمت في ضغطٍ متكامل عليه.
لكن إلى هذا الحد فقط. لم يخطر ببالهم أن يضعوا في حسابهم ما يُمكن أن يصنعه نابغةٌ حقيقيّ.
لم يَدر في خُلدهم أنهم أنفسهم ليسوا عباقرة أصلًا، وأنّ جين قد جاوزهم علمًا بالسحر بما لا يُقاس.
هووووش!
تفادت شوري لهيبًا اندفع فجأة من تحتها بقفزة إلى السماء.
وكان السحرة في انتظارها. رفعوا عصيّهم دفعةً واحدة وصوّبوها نحوها.
كما فعلوا حين أطلقوا صواعق البرق، اجتمع العشرة الذين لم يكونوا مشغولين بالحواجز على تعويذة هجوميّة واحدة.
"مزّقوهم أشلاء!"
وأطلقوا رياح الجحيم، ذروة التعاويذ الهوائية من فئة الثماني نجوم.
اندفعت الرياح المصطنعة نحو شوري وجين. كانت أشبه بشفراتٍ مشبعة بالهالة، شفافةً عصيّة على التنبؤ بمسارها.
وكان الأشدّ خطورة أنّ شوري كانت في الهواء، فلا مجال للمناورة.
لا شكّ أنهم اختاروا هذه التعويذة لئلا يُخطئوا الهدف، ولصعوبة صدّها بالسيف.
لكن جين كان ينتظر منهم بالذات أن يطلقوا رياح الجحيم.
سماء مقلوبة!
قبل أن تصله الضربات، اختلّت بقعة صغيرة من الفضاء فوق رأس جين.
كانت بوّابةً لولادة جُرم السماء المقلوبة. وما إن امتلأت بالمانا حتى اتّسعت لتصير جرمًا دوّارًا.
يتطلّب إطلاق سماء مقلوبةٍ كاملة مانا من فئة تسع نجوم، لكن جين لم يكن يتجاوز السبع. ولذلك، فقد كان يستعمل نسخة ناقصة.
غير أنّه ما كان ينوي إطلاقها بماناه أصلًا.
ابتلعت رياح الجحيم العشر شوري وهي تهوي. والتفّت المانا حول جسدها لتغمره كلّيًا.
انتظر السحرة سماع تمزّق اللحم وتكسّر العظام، فإذا بهم يسمعون صوتًا غريبًا، كأنما تُنشر رياح الجحيم نفسها وتتمزّق في منشارٍ خفيّ.
في تلك اللحظة، شعروا غريزيًّا بأنّ أمرًا جللًا يحدث.
هووووش!
هبطت شوري وجين إلى الأرض بلا خدش.
وما إن مضت ثانية، حتى تحوّلت البقعة الصغيرة التي فتحت السماء المقلوبة إلى أعظم جرمٍ أطلقه جين في حياته. تراءى للسحرة وكأنّ السماء برُمّتها قد انطبقت عليهم.
وفوق هذا، كان الجرم يُصدر صريرًا كصرخات شيطانٍ يتألّم.
وقبل أن يستوعبوا ما يجري، كان جين قد أطلق تتابع الردّ الارتدادي الذي هيّأه في الهواء عبر الإلقاء المتزامن.
اشتغلت السماء المقلوبة بأقل قدرٍ من المانا.
ثم لوّح بجدار الردّ الارتدادي كدرعٍ ليُحوّل اتجاه رياح الجحيم.
وهكذا، امتصّت السماء المقلوبة كلّ الرياح العشر، وحوّلتها إلى طاقةٍ وقودٍ لها.
بعبارة أخرى، ارتدّت رياح الجحيم نفسها على سحرة زيڤل.
وصارت السماء المقلوبة أعظم حجمًا حتى ممّا يمكن أن يُطلقه ساحر من فئة التسع نجوم، بينما لم يُنفق جين سوى قدرٍ يسير من المانا لإلقاء الردّ.
وكان هذا عند غيره لا يتعدّى كونه مجرّد فرضٍ نظريّ!
فالسماء المقلوبة التي أطلقها جين جمعت بين خمسة أمور عسيرة: سرعة إتمام تسلسل التعويذة في ثوانٍ، عقلٌ استراتيجيّ يتنبّأ بخطوة الخصم التالية، إلقاء متزامن، تحكّمٌ بالغ الدقّة لنقطة البدء في وسط الهواء… ثم الجرأة والثقة على تنفيذ كلّ ذلك في لحظة حياة أو موت.
"هكذا يكون السحر." ابتسم جين، وانسالت قطرة دمٍ على شفتيه.
لكن الإصابة الطفيفة لم تكن علامة على رد فعل عنيف ناتج عن استخدام مانا مفرط. عندما وجّه سيلًا من الضربات العنيفة كالدرع، تسببت رياح الجحيم في ارتطام ذراعه بشفتيه.
شعر أن فمه أصبح مخدرًا.
غير ذلك، لم يُصب بأي أذى.
"أيها الفريق، انشروا الحواجز!" أدرك القائد أولًا خطورة الموقف، فصرخ كالمجنون. نصف السحرة لم يُدرِك بعد ما يحدث.
لقد بلغ فهم جين للسحر طبقةً أخرى، هكذا خطر للقائد.
ولو كان قد علم أنّ جين يملك مثل هذه الموهبة فضلًا عن سرّ تقنيّة قاعة كيدارد، لقاتل بطريقة أخرى.
ومع أنهم لم يكونوا نخبة زيڤل، فقد كانوا عشرين ساحرًا. كيف يخطر ببالهم أن يُهزموا في مواجهة تكتيكيّة سحريّة على يد حامل راية مؤقت لم يبلغ العشرين بعد؟
بعد أن ابتلعت السماء المقلوبة رياح الجحيم، راحت تمتصّ المانا من المكان.
ابتدأت بالحواجز التي نُصبت في وجه تقنيات سيف الأساطير. فحاول المهاجمون نشر حواجز جديدة، لكن العجلة جرّت عليهم الضرر أكثر من النفع.
وقد ارتدّ بالفعل عدد منهم. فليس يسيرًا على ساحرٍ موهوبٍ لكن متوسّط، أن يُلقي حواجز فورًا بعد إطلاق تعويذة ضخمة كرياح الجحيم.
ومن تلك اللحظة، كان مصيرهم الخسارة محتومًا.
"ما كان عليكم نصب الحواجز، بل سحب المانا والهروب. لعلّ اثنين أو ثلاثة حالفهم الحظّ كانوا سينجون."
في حياته السابقة، طالما غمر جين شعور بالدونيّة والهزيمة أمام إخوته وفرسان آل رونكاندل.
لكنّه لم يحسد سحرة زيڤل يومًا. فقد بدأ دراسة السحر في الخامسة والعشرين، وبلغ فئة الخمس نجوم في ثلاث سنوات. ولم يتجاوزه أدعياء النبوغ بينهم حتى حينئذ.
ولم يُشعره بالعجز سوى بيرادين وحده. لكنه كان يؤمن أنه لو بدأ مبكرًا لفاقه أيضًا.
والآن في هذه الحياة، صار ذلك حقيقة. بل صار بيرادين الوحيد من زيڤل الذي استلطفه حقًّا.
ششينغ!
انفلت سيغمود من غمده. وتألق نصله تحت الشمس. وأحسّ السحرة وكأنهم عالقون في دهليز الموت.
كانت السماء المقلوبة قد كبّلتهم، وأفقدتهم أي وسيلة للدفاع.
"اخترقي دفاعاتهم، يا شوري."
خفضت شوري جسدها واندفعت كسهم.
وألقى من لم يرتدّ منهم بعد بتعاويذ لصدّها، لكن تعويذاتهم تناثرت كورقٍ ذابل أمام الأمواج المتفجّرة من سيف جين المغمور بالبرق.
ومن تلك اللحظة لم يعد قتالًا… بل مجزرة. لم تكن لدى جين نيّة لترك أحد منهم حيًّا.
"لا تأخذوا الأمر على محملٍ شخصي. ابكوا لأنكم وُلدتم كزيڤل."
"أيها الوغد! آل زيڤل سيقضون عليك حتمًا!"
"سعيد بسماع ذلك. كنت سأخيب لو توسّلتم النجاة."
ومع كلّ ضربةٍ من سيفه، هوى ساحر أرضًا كدميةٍ انقطع خيطها.
وحين وصل الصحفيون إلى الميناء، شهقوا مكمّمين أفواههم من هول ما رأوا.
"ما الذي يحدث؟!"
كان الهرم الذهبي الذي جلبه آل زيڤل يذوب في ألسنة النار.
وفي مواجهته، كان جين يُحيل سحرتهم إلى الموت.
في تلك الليلة، سيملأ اسمه كل صحيفةٍ في البلاد.
⟦⚔⟧═══✧═══⟦⚔⟧