أغنية إمبر الفصل 78 — 75 • البحر، والضباب، والقمر (الجزء الثاني)

اقرأ أغنية إمبر الفصل 78 — 75 • البحر، والضباب، والقمر (الجزء الثاني) باللغة العربية على مانجا تايم.

54 البحر والضباب والقمر — الجزء الثاني 🙜 كان نفسها رطباً وعطراً، كأنه أمسية ربيعية غناء بعد مطر... أو كالضباب المتسلل أحياناً على صفحة النهر، والذي طالما ظن أنه ينحدر من المحيط نفسه. تناهت نظرة السيرينا السامقة لتمسحه من جديد، عيناها السوداوان عميقتا الغور ومفعوفتان بالأسرار. لو سألها أسئلة لا تعد ولا تحصى ولم تفتأ تجيب عنها جميعاً طوال مئة ليلة وليلة، لأحس بأنه لن يبلغ قرار ذلك البئر قط.

حاول أن يمسك بتلك العينين في عينيه، وبقية سؤال ترقد على طرف لسانه، لكن كل فكرة تلاشت أمام صفائه المستجدّ. بعد التملي في ظل الموت قبل ومضة حسبها دهراً، والنجاة لذكره، باتت المخاوف السابقة جميعها هباء منثوراً. ماذا لو لم يبلغها الباب الآخر أبداً؟ ماذا لو لم يلمس وجه الشمس أو دفء نسيم الحصاد مجدداً؟ لقد اقتربا من نهاية هذا الدرب جداً، بيد أن كل شيء جائز بين هذه اللحظة والتي تليها؛

أصوات ألف روح ترددت في ذهنه، وأدرك كم كانت حياته قصيرة، قصيرة جداً — وكم كان ضئيلاً — في التدبير العظيم لهذا العالم. فجأة، أدرك تماماً ما يبتغيه. ولأول مرة في حياته، شجح لطلبه، ليرى أيمكن له أن يجده. نهض إمبر مستنداً على مرفق واحد، وانتزع برفق خصلة شعر من خد كاي اللزج، ليدسها خلف أذنها. رمشت، واتسعت عيناها. برّد نفسها العطِر شفتيه وأفهامه حين انحنى إلى الأمام، مرتجفاً بخليط مبهم من الخوف والبهشة.

قبل أن تلتصق شفتاهما، انتفض فاصطدم أنفه بذقنها عوضاً عن ذلك. جلست مفاجأة، واتسعت عيناها أكثر. مدّ إمبر يده نحوها. جذبتها بعيداً عنه وارتدت القهقرى، تنفض أصابعها على التنورة. برز لسانها بسرعة، يبلل بحذر كل زاوية من فمها. اندفع الحر إلى وجهه وأطراف أذنيه. كان ضيقها سافراً، ومع كل ما فعله بها، لدغ صدودها كصفعة على الوجه. وما آلمه أشد الألم هو إدراكه الحاد بأنه سيعيد الكرة برمتها...

في سبيل أهدأ كلمة استحسان، أو ألطف لمسة، أو ألا يكون سوى في حضرتها بضع لحظات أُخر.

قال متمتماً، وقد غمره الإحراج: "يا كاي، أردت فقط أن أشكرك على..."

قالت مسرعة وهي ترمي بطرفها نحو السقف: "لا حاجة لأي شكر. أنا أكون لك فحسب ما ما فتئتَ تكونه... من أجلي".

راقبها إمبر صامتاً، محاولاً تبين مغزى كلماتها.

ثم تجرأ بالقول: "أفعلتُ شيئاً أغضبك؟"

هست السيرينا: "لا"، بقوة كفت لجعله ينكمش.

"لم تفعل شيئاً".

أطرق برأسه أخيراً، وسرى الخجل ليغطي وجهه بأسره ويمتد إلى عنقه. أصلحت كاي تنورتها، وهمهمت بنغمات خاطفة ظن أنها وُضعت لتضع حداً للأمر — غير أن قلبه كان ينبض بوتيرة أسرع من أن تطفئ ألحانها البسيطة اضطراب أفكاره. أكانت خائفة؟ أجبانة؟ لا — ليست جبانة، ولا كاي. ولا يوماً. ماذا إذن؟ أأحمق نفسه؟ أفهتت عنايته الخرقاء، ومجاملاته التي طالما أسيء فهمها؟ ألا بد أنها تدرك أن عبيرها يعتزيني...

خجل مجدداً من بضع ذكريات آنية داهمته. كيف تسنى له أن يظن نفسه مرغوباً — ناهيك عن أن يكون نداً لمثل هذا الكلوق العاتي؟ مع ذلك، فقد أساءت إليه هي نفسها، بل واقرت بإساءتها. ليس كلها يقيناً، بل بعضها. أيعقل البتة أنها ظنت نفسها دونه؟ طرد تلك الفكرة من رأسه، وبدأت عيناه توخزانه من جديد. يا إمبر، أيها الأحمق!

تمتم محاولاً ويائساً إبعاد نبرة اليأس التي قد تخون وقاره: "أما حزت شيئاً من ثقتك؟ لك ثقتي، إن ابتغيتها".

التفتت قليلاً، كأن صوتها شده، لكنها استمررت في التحديق بالجدار وراءه.

"حين ظننت أنني هالك، لم أكن أفكر إلا في... أنتِ... أنا..."

دفء محمرّ جديد غمر وجنتيه.

"أعلم كم أبدو أحمق في عينيك، لكن... قسم السماء، أنت لا تدركين حتى كم أنت فاتنة!"

توقع منها أن تواقفه مشاعره، بل ربما أن تصححه باعتراف ما بجمالها. لطالما كان الإطراء سبيل قلب كاي فيما مضى، غير أنها لم تبتسم هذه المرة. ارتعشت عضلة تحت عينها وبلعت ريقها بصعوبة، وبدت هيأتها خاوية بغرابة.

"أنت متعب يا إمبر. نم".

لكن إمبر اعتدل في جلسته، وتهادت الأغطية إلى حجره، وحاول التقاط عينيها مجدداً.

"صدقني حين أقول إنني لا أتوهم. أعلم أنني بالكاد أهل لنظرة عابرة، حتى في واديي... لكن—"

"ما عِلمك بالسحر البري؟"

كان السؤال مباغتاً، وصوتها حيّاً على غير عهدها، لدرجة أخرسته. رمش، وقلبه يرفرف مذهولاً.

"يا كاي، أنتِ..."

قالت كاي بصوت خفيض: "يا إمبر".

تشدّدت الأوتار في عنقها وبدا الإجهاد على وجهها واجفاً في جلاءه. أراحه على الأرض الحجرية، مستنداً برأسه إلى ثنية ذراعه.

"سأناقش كل ما تشاء. أي شيء آخر، تماماً".

مذهولاً، حاول لمّ شعث أفكاره، لكنها تشتت كأوراق شجر في ريح الحصاد. لانت السيرينا، فوضع يدها بالقرب من يده على الأغطية. خفق قلبه حتى لتلك الإيماءة البسيطة.

كررت بصوت ألطف: "ماذا تعرف عن السحر البري؟ وما القصص التي تروى في... واديك؟"

اعتترف إمبر وهو يمدّ يده نحوها شارداً: "قليل جداً".

نصت بأصابعها الرقيقة مبتعدة وتنهدت من جديد.

"ليس السحر البري في العالم كثيراً كما كان حين وُلِد أجدادي. الأنوار في الغابات بقايا أثرية من أيام خلت، وأعتقد، الشجرة. غير أن كثيراً من هذه الأشياء جاءت ومضت، ولن تعود".

أدرك إمبر أنها لا ترمي إلا إلى صرفه، لكنه تساءل لمَ اختارت مثل هذا الموضوع؛ وربما كان شاغلاً لبالها طوال الآونة الأخيرة. قرر مرغماً أن يسايرها، ولو ليلهي نفسه عن إحراجه.

"وماذا عن..."

ارتعش، ففرّ الدحر بأسره منه.

وبأنان تصطك، رفع الأغطية فوق جذعه مجدداً: "...الغول؟"

توترت كاي، ثم تنهدت.

"لا أعلم. لا أبتغي التفكير في الأمر أكثر".

تمتم، مجتذاباً رغم أنفه: "أصادفت أي سحر بري آخر؟"

كانت نظرتها حادة، وبقت عيناها تومضان.

"نعم".

حرك أصابعه نحو أصابعها مجدداً، فتوارَت عنه مرة أخرى.

"من أي نوع؟"

غنت بلطف: "أنا من السحر البري يا إمبر".

تجمد، وكانت أناملها قريبة جداً منه. تراجعَت، قابضة على حفنة من تنورتها لتغرز مخالبها في القماش. ولفت يدها الأخرى برخاوة على صدرها، ولأول مرة أطلق لبصره العنان ليتجول في المنحنيات تحت ثوبها. فكّر في نفسه، بعد كل شيء، حتى وإن لم أنل شيئاً من ودها، فهي ما زالت فاتنة للغاية؛ لها أن تأبى النظر إليّ، لكن لمَ لا أنظر إليها؟ لقد بالغت في إحراج نفسي؛ ولا داعي لإخفاء إعجابي.

"ماذا تقصدين؟"

غنت بلطف: "قومي صانعون عظام. صنعنا أنفسنا، منذ أمد بعيد — صُنعت أولى السيرينا من ثلاثة أشياء: زبد البحر، وضباب الصباح، وقمر."

ارتعش، مستذكراً رقوق العرّافة: إن عُرف يوماً أن المعرفة قد ضاعت، ويا حسرتنا... يدعون بالملاعنين من قِبل المتعبدين. وقبل أن يتمكن من الاستفسار أكثر، انكفأت كاي على ركبتيها وهمهمت بضع نغمان. فاجأته جسارتها، واستغرقت وقتاً ليستلهم نغمها.

"أأسقيك شعراً حتى تخلد إلى النوم؟"

تأمل تريثها. لطالما سألته أولاً — بغض النظر عن عدد المرات التي أقرّ فيها بنعم.

قال معاتباً: "بعد أن تخبريني المزيد عن قومك. كيف تسنى لكم أن تصنعوا أنفسكم؟"

جالت عيناها في كل صوب، فتحولت من جديد لتستقر على الحجارة.

قالت وهي ترفع عدد الأصابع الملائم أثناء حديثها: "لسنا الكائنات الوحيدة المصنوعة بالسحر. أنا أرى ذئباً عيناه تلمعان كالقمر، وبركة جبلية تعكس سماء مرصعة بالنجوم في ضوء النهار، وحزمة أشجار تئز وتتمايل حتى بلا ريح—"

"نعم، ولكن كيف تتحول إلى تلك الأشياء؟"

راقبها بحذر.

"كل شيء مصنوع بشيء ما — لا شيء يصنع نفسه".

أعقب ذلك صمت قصير.

تمتمت بعد هنيهة: "السحر يصنعها، لو أقامت في أقصى أجزاء الغابات وعورة طويلاً".

ثم أردفت بألطف: "أو تُصنع كذلك بأفعالها".

استقرت كلماتها عليه ببرودة.

"استرِح بهدوء يا إمبر، فما من شيء آخر أستطيع أن أهبه لك."

فكر في قمر خفي يتوهج في ساعات الغسق، وضباب صباحي رقيق على الدرب المفضي إلى ضفة النهر، وأمواج متلاطمة لمحيط لم يلمحه قط إلا في عيني عقله الهائم.