أغنية إمبر الفصل 44 — البقيّة

اقرأ أغنية إمبر الفصل 44 — البقيّة باللغة العربية على مانجا تايم.

33 البقية 🙜 تسلّلت السكينة إلى قلب إمبر من دون استئذان حين سمع وقْع خطوات كاي الخافتة على الدرب خلفه. وترامى إلى أذنه بين حين وآخر همهمة خافتة تنقطع دائماً في منتصف النغمة ويعقبها صمت طويل، كشأن من يضبط نفسه متلبساً بعادة مكروهة. وأبى أن يمنحها متعة الالتفات برأسه، لكنه استيقن على الأقل أنها تريد منه أن يعلم بتتبعها له. ولو لم تقصد ذلك لما سمع مقبلها. وكان يعلم هذا بالتجربة.

إمبر... تنهد بحرقة وتوقف مسنداً كفه إلى عمود. وحبات الضوء الدقيقة التي لطخت مجال رؤيته طوال الساعة الماضية اتخذت أشكال وألوان يراعات بعيدة، تختفي وتعود للظهور أمامه كغبار متوهج. أحسّ أن أحداً نادى اسمه؟ كانت أعمدة القاعة العظيمة داكنة ومتشققة، وتتفرع نحو السقف بأنماط طبيعية غريبة كأشجار صخرية. واتسعت القاعة ببطء من حولهم لتفسح المجال أمام النقوش المعقدة. وبدا له المكان هادئاً كالغابات المحيطة بكوخه، رغم أن الهواء لم يكن بالصفاء والنقاء ذاته.

وتسرّب ضوء ذهبي باهت عبر شقوق الجدران حيث تطل عروق صخرية متوهجة، وأضفت النغمات الزرقاء لأنوار اليراعات جواً من الهدوء على الجبل. ذكّره هذا بأحلام اليقظة. إمبر... تردد النداء مرة أخرى. تمتم متسائلاً وهو يلتفت بعبوس: - ماذا؟ كانت كاي تهمس ناظرةً من مجاوزة إياه، وتنقل عينها بين الأعمدة، وتجمعت تلك الأنوار الخرافية الصغيرة حول رأسها وكتفيها. وتطايرات بين خصلات شعرها الأسود الترابي كجواهر حية لتعكس ضوءها الباهر في عينيها اللامعتين.

وحُبس نفسه لرؤيتها هناك. حرّكت أذنها على وقع صوتة وأصدرت همهمة راضية، فهو أول لفظ ينطق به منذ غادروا قاعة التماثيل المحطمة. لكن صدى تردّد فوق نغمتها المفردة، وأدرك حينها أنها لم تنادِ اسمه. وألقى نظرة قلقة في أرجاء القاعة، مادّاً يده خلف كتفه لملامسة مقبض فيشبايتر البارد. لامس أذنيه صدى هامس آخر. أخذ إمبر نفساً مرتعشاً. - أتصغي إلى هذا؟ تسمّرت نظراتها عليه بحدّة. - ماذا تسمع؟

- أصواتاً. تنادي باسمي. للحظة، تفرسا في بعضهما في صمت، بينما راحت الأضواء تتطاير بينهما كالثلج المنثور. وتململ ضيقاً تحت وطأة نظراتها وخشية كلماتها. لكن كاي مالت برأسها ورمشته ببراءة. - السحر هنا يتجمع بأشد من ذي قبل... - إذن أنت تسمعينها أيضاً! همست كاي مقتربة بخطى جانبية: - يا إمبر. وانكمشت زاويتا عينيها الكبيستين في تعبير بشري غريب يذكره بالألم أو الحزن. - الأصوات تنطق دائماً.

وحدك أنت من لا يسمعها. أبعد إمبر يده عن فيشبايتر بانزعاج ونظر إلى أعمدة الشجر المتشابكة قبل أن ينطلق مجدداً. كان الهواء مثقلاً بالسحر بالفعل، لكنه لم يكن سحراً متقِداً وباهتاً كذاك المنثوج في التماثيل الكهرمانبة. كلا، كان هذا سحراً نائماً. ناعماً وثقيلاً ومستحباً، يدعوه برفق لترك حقيبته والاتكاء على عمود لتأمل الأنوار المتطايرة والوهج الضبابي طوال الأبدية. غير أنه لم يستطع الاستسلام لذلك؛

فسحر هذا الجبل كان شديد التقلب ومتخبطاً. راحت الأنوار تحوم حوله محيطةً به، لتلامس ملابسه وجلده قبل أن تبتعد أو تنطفئ تماماً. ولوح بيده وسطها كما فعل مرات لا تححصى في الساعة الماضية ولم يشعر بشيء قط. وتساور للحظة ما كان لـ إمبر القديم أن يظن به لو رآه الآن. فمنذ يوم بالكاد، لا بل أسبوع، إن لم يكن أكثر، أو لعلها حقبة بأكملها، كان يعيش بهدوء على ضفة النهر، محتمياً بكوخه كل ليلة وغير آبه بالظلام المتربص داخل جبل الأخوات.

أو لعلّي جُننت حين رأيتها للمرة الأولى، وأعيش وهماً منذ ذلك الحين. إن حكايات الصياد عن السحر وجنيات الغابات لم تأخذه لأي لقاء حقيقي بمثل هذه الأشياء. وقد اعتمد اعتماداً كبيراً على كاي لتهديه، وحتى ذلك كان يفلت من يديه الآن. وإذ أدرك، وإن فات أوان الندم، أنه كان ساذجاً وموثوقاً أكثر من اللازم، ومتلهفاً للترحال، ومفتوناً إلى حد بعيد بجمالها الفريد. - انظر إلى الأعلى.

همست بالقرب من أذنه لتوكزه خارجاً من شروده. كانت الأغصان المنحوتة تمتد أعلاهم في شبكة حجرية، تكاد لا تُرى في وهج الجدران والضوء الحجري عند خصره. ومد رقبته وامش به بصرَه. وهناك، في فروع الأعمدة الحجرية، جلست المئات من الظلال الضبابية، يماثل كل منها حجم بومة ضخمة. همس مستغرقاً: - أهي نائمة؟ داعبت أذنه همهمة هوائية. - ربما. فكّ إمبر الحجر عن حزامه ورفعه فوق رأسه، محولاً تبين عددها.

وتطايرت الأنوار الدقيقة عبر أجسادها الصغيرة الممتلئة كأنها صُنعت من ضباب المساء، لا أكثر ولا أقل، غير أن إمبر لم يخدع. فقد استطاع الإحساس بألم لدغاتها اللاذع، إن أمعن التفكير في الأمر، بينما كان الجرح المتقرّح على كتفه يحتك بضيق تحت قميصه. وحين تحرك ضوء الحجر بين الأغصان، انفتحت زوجان من العيون العاكسة فوقهم فجأة. غر-ر-يك-يك-يك-يك-يك-يك-يك، حذّرت، وتردد صدى زقزقتها المنخفض عبر الأغصان.

التقط إمبر أنفاسه ودسّ الحجر بسرعة في قميصه. رمشت العيون ثم اختفت. وتردد هديل جماعي وتمتمة عبر السقف كالريح في العشب قبل أن تتبدّد إلى صمت. أطلق أنفاسه التي حبسها في تنهيدة هادئة، مرتخياً بقبضته عن الحجر. ولم ينطق أحدهما بكلمة أخرى وهما يوغلان في الظلام، بينما خنق علم ما يعلوهما أنفاسه وجعل خطواته لينة. ❧ غلظت الأنوار حولهما كعاصفة ثلجية مضاءة معلقة في الهواء حين صادفا عموداً ساقطاً يعترض الدرب.

وكانت أغصانه مهشمة ومتفتتة تحت وطأته، وتلك التي بقيت سليمة خلفت خدوشاً ضحلة في الجدار الحجري. لكن الشجرة لم تكن ما أثار غثيانه. ركع أمام الحطام، واضعاً يديه على ركبتيه ومحدقاً بقبول متبلد في المذبحة الماثلة أمامه. واصطفت قرابة مئة جمجمة بشرية على الجذع المنحوت، من جانب القاعة إلى الآخر. ولم تكن هناك عظام أخرى مرئية، مما يوحي بأنها انتزعت من هياكلها وسُحبت إلى هذا المكان واحدة تلو الأخرى.

وتذكر المحارب مقطوع الرأس الذي صادفه حين كان يتعقب كاي... وبدا جلياً أن بعضها يعود لنساء أو رجال أصغر سناً، أصغر حجماً وأكثر رقة وأشد هولاً. وأزعجه هذا المشهد على مستوى أعمق وأشد حميمية من العظام المتشققة والمقرضة قرب باب الجبل، لأنه ذكّره بفظاعة بقرون الأيل التي علقها آلدن في حانة القرية. وبعد لحظات، انحنى حضور صامت إلى جانبه. ولم تنطق بكلمة. وبدا رغبتها جلية، فقد شعر أنها تريد أن تهمهم، أن تتكلم، وأن تزيل عنه كسيّده، فالجو كان مثقلاً بذلك، لكنها امتنعت.

مسح إمبر بقايا تراب عن العمود المخدوش. وتحتها رموز غريبة، نُحشت في الصخر منذ أمد بعيد. وحكّ الأوساخ قدر استطاعته بأظفاره، لكنه مهما التفت برأسه يمنة ويسرة لم يفقه منها شيئاً. كانت حادة ومقوسة، ومزخرفة بنقاط وخطوط صغيرة لها بلا شك دلالة ما لكنها لم تعنِ له شيئاً. مررت كاي أصابعها على الرموز بعينين واسعتين ولامعتين. وتناثرت زوبعة من الأنوار الخيالية مع لمستها. همست وجلدها يقشعر: - هذه هي طلاسم قومي.

رفع إمبر يده مندهشاً: - ماذا تقول؟ ترددت. نظر إلى طيور الظل الجاثمة فوقه، ثم عاد بنظره إلى كاي. - حسناً؟ أطبقت شفتيها أخيراً وهزت رأسها. - لا أجد من الكلمات ما ينطق بها بلسانك، وبعض ما هو مكتوب هنا لا يليق ترداده. أكد لها: - أنا واثق أني سمعت ما هو أسوأ. أخبريني. لعقت كاي زاوية فمها وأدارت وجهها، فيما لا تزال تقتفي أثر الطلاسم بأطراف أصابعها. - هنا... تحت جبل الرأسين، يرقدون...

آفة ساكني الأعماق. آفة ساكني الأعماق. حدق إمبر مطولاً في الطلاسم الأنيقة. وتسلل المعنى إلى ذهنه ببطء، لكنه تردد في النطق به. - ساكني الأعماق؟ قومكِ؟ أهل النهر؟ هزت رأسها إيجاباً. - وآفتهم... أظن أنها تعني... البشر. - أظن ذلك أيضاً. - أليس أهل النهر آفتنا؟ أخذت كاي نفساً سريعاً وتابعت: - مدفونان معاً، ومصائرهم متلاحمة. نتمنى ألا تجد عظامهم راحة في الأراضي البعيدة، لا طقوس مقدسة ولا حداد أقارب.

لقد حل الموت بمكان اللعنات هذا، والموت يتخلى عنا. لا نبقي منهم أحداً، لأنهم يغارون على... على قلوبهم. نحن ساكني الأعماق، علينا أن نأكل أغانيهم إلى الأبد. سرت فيه رعشة رهبة من الكلمات غير العادة. - كيف يمكن للمرء أن يأكل أغنية؟ تململت كاي وأصدرت صوتاً خفيفاً بالانزعاج. - لا توجد... كلمة في لسانك. لن تفهم إلا لو كنت حورية. - همم. حدق إليها بطرف عينيه. - أهذا كل شيء؟ ألقت نظرة مجدداً على الطلاسم، وانقبض فمها.

- تقول أشياء أخرى. ما فعله صانع هذه الكلمات بمن لم تُبقِ عليهم. هذا كل شيء. - ماذا— - أرجوك، يا إمبر. أصدرت صوتاً حاداً، فارتجفت طيور الظل فوقهما. ووضع إصبعاً على شفتيه، متسعة العينين، فخفضت صوتها: - لا تسألني. لقد ماتوا جميعاً، وليكن هذا ختام الأمر. وبعد لحظة، أضافت بصوت ألطف: - لا أبتغي... إلحاق الأذى بك. كانت عيناها واسعتين وداكنتين، وحين حاول العودة بنظره إلى الطلاسم وجد أنه لا يستطيع الإفلات من نظراتها القاتلة.

واستقر برد في عموده الفقري وهو يدرك أنها تعني أكثر مما تحويه النقوش. ماذا تريدين مني يا كاي؟ فكّر بيأس، وقلبه ينقبض بقوة مع كل نبضة. لماذا نحن هنا؟ أخبريني فحسب، أرجوك، وسأساعدك... تعلمين أنني أود ذلك... لكنه لم يجد الكلمات ولا الشجاعة لطرح السؤال مجدداً، لخوفه من صدّ آخر؛ وكان خيراً له أن يظن أنها ستخبره إن سأل، من أن يسأل ولا يتلقى إجابة. قال بحزم ليقطع الخلوة، وهو ينهض ويمدّ لها يده: - ألن نتابع؟

بدت صرخات المحاربين المحتضرة كحلم منسٍ وسط الأنوار الراقصة. لقد كانت حقيقية بما يكفي بطبيعة الحال، حقيقية كالغبار والكهمران المسحوق على ملابسه وفي شعره، لكن الإسهاب في تفكير فيها لم يكن سوى حماقة. سيحين وقت التأمل فيما مضى، حلوه ومُره، حين يتحرران من فك جبل الأخوات الملتوي. ولم يكن ليقبل بنتيجة أخرى. وبعد لحظة، رفعت كاي يدها وضعت كفها اللزجة برفق في كفه، والتفت أصابعه حول مفاصلها.

لم يُنسَ شيء، لكنهما لم يكونا عدوين. ليس بعد الآن... أو ليس بعد. تنهدت بخفوت، فغمره عبق نرجس النهر: - أجل، لنتابع.