23أوهام 🙜 "ما هذا..."
أشارت المخلوقة بمخلب معقوف مفرد. وعاتبت عيناها الحجريتان كاي فيلي كأنها طفلة عاصية. حدق إمبر في فمها مفتوناً. لم تتوافق الكلمات مع حركات شفتيها.
غنّت: "أترغبين حقاً في تشويه جمالك هكذا؟"
وتخللت أصابعها شعرها.
"لماذا تستر ابنة يانيفيلي النبيلة نفسها بأسمال المخلوقات الأدنى؟"
ظن في البداية أن كلام السيرينا متأخر كصدى. لكن مع كل لحظة تمر اتضح جلياً أن الكلمات التي نطقت بها كانت غريبة تماماً على إمبر: الكثير من الحركات المستديرة للشفاه، وحركات خفية في الحلق، ومقاطع تحتك فيها اللسان بالأبراج. خفت فضوله العجيب حول ما إذا كانت هذه المعجزة في الفهم سحرة سيرينا فاعلة أم تعاويذ البئر حين تمايلت كاي في مجال رؤيته لامسة تمزقاً صغيراً في قماش بنطالها.
شَدَّت بقلق خيطاً متدلياً. وشدت عضلات وجهها بإحكام. لم تعد تخافها كثيراً بعدما علمت أنها لا تستطيع رؤيته. مرر إمبر أصابعه على ذراعها بفضول. عبرا من دون أثر. كان كل شيء هنا واهياً كخادم العرافين نفسه.
جاء صوت كاي هادئاً كأنفاس: "بالتأكيد لم تكوني تغنين لنفسك".
تمتمت السيرينا حمراء الشعر باسترخاء بدا له متعالياً: "بالتأكيد لا. لأغانيي غاية".
"أين المسافر التعيس؟"
قهقهت السيرينا فارتعد إمبر.
"كان أسعد حالاً مما كان عليه قط في حياته القصيرة البائسة. هكذا هم دائماً حتى النهاية. أأتيت لتشاطرني غنائمي؟"
تراجعت كاي خطوة صغيرة.
"ما كنت لأفكر في الأمر..."
تأملت السيرينا بنظرة ضيقة وأمرت: "اجلسي".
أشارت بإصبع مفرد معقوف بمخلب أسود خبيث نحو الجانب الآخر للنار وابتسمت. ابتسامة قاسية وساخرة.
"كلي".
تسللت كاي للأمام مثل كلب مطرود وهي تشم وترتجف أنفها. وتدلت أذناها كأذني الخفاش وترتجفان مع كل صوت طائر وورقة متقطعة. ولما بلغت الجانب الآخر رفعت رأسها.
تذمرت قائلة: "رائحتها نفاذة للغاية. ما من رجل يأكل هذا. لقد وضعت أعشاباً منتنة في هذا الحساء".
اقترب إمبر بحذر متوقفاً في كل خطوة ليتأمل طيف كاي. بدت إيماءاتها مختلفة تماماً عن ذكرياته حتى عن ذلك اليوم الذي تطلعت فيه بخوف نحوه من إحدى شباك صيده. لم يكن هناك أي تحد أو مرح. بل خضوع ذليل أضعف وقفتها وجده إمبر مقززاً ومفزعاً في آن واحد.
سخرت السيرينا وهي تلف أصابعها في عرفها الأحمر الكثيف: "ليس للرجال أذواقنا ولا شهواتنا. كلي يا كيفيلي، كلي".
تسلل الاسم من لسانها ناعماً وجذاباً. قرر إمبر أنه خادع لكونه يحمل تياراً تحتياً من التهديد كرعد بعيد وبريق خطير في عينيها السوداوين كالفحم. تبع إمبر كاي ببطء إلى الجانب الآخر للنار حيث جثا فوق الأوراق أو بالأحرى فوق بلاط الأرضية القريب من البئر وأبقى نظره ثابتاً على وجهها. لم تلتفت إليه البتة. لم يكن موجوداً بحسب علمها وتساءل عما ستفكر فيه لو علمت أنه يراقب كليهما.
تمتمت كاي وهي تطبق شفتيها: "لست جائعة".
لم يصدق إمبر ذلك. لقد عرفها لفترة طويلة كافية لتأكيد أنها لن ترفض وجبة معروضة بإرادتها قط. ومع ذلك ركعت أمام الجمرات المتوهجة ناظرة بعصبية إلى القدر. كان إناء خفيف الوزن يناسب إعداد وجبات على الطريق. وحين التفت ليطلع على الخلاء لاحظ حافة بطانية فارغة متكتلة إلى جذع شجرة. غطاها أحدهم عمداً بالأوراق. وترك هذا المنظر طعماً مُرّاً في فمه.
تمتمت الأخرى وهي تغمس أصابعها في القدر وتلتقط قطعة لحم في نهاية مخلبها: "أنت دائماً جائعة".
وضعته في فمها ومضغت بابتسامة ماكرة: "كلي".
ترددت كاي وهي تبتلع لعابها قليلاً كأنها تعرف الكلمات التي ترغب في نطقها لكنها لا تستطيع أو لا تجرؤ: "هذا ليس... هذا ليس عشّنا. لنرحل فوراً".
"سنرحل متى شئت. أم نسيت أنني الكبرى؟"
ابتسمت له السيرينا وهي تلعس أحد أنيابها.
"تعالي، تعشّي معي".
شمّت كاي اليخنة أخيراً.
استسلمت قائلة: "سنأكل بسرعة".
"ما العجلة؟"
راحت عيناها السوداوان الواسعتان تجولان في الخلاء ووضعت يداً فوق قدر اليخنة.
"لا يعجبني المقام هنا. هذا كل ما في الأمر".
قالت شقيقتها: "مممم".
ورغم أنها لم تكن سوى رؤيا من غابة بعيدة ترددت النغمة المفردة في جسده كله بقوة تتجاوز الزمن.
"كما تشارين".
استعادت كاي مظهراً أكثر استرخاء فالتقطت لقمة لحم من القدر ومضغت بنشاط. ضغط إمبر بقبضة مشدودة على بطنه وتراجع إلى الوراء على البلاط البارد مقاوماً الرغبة في التقيؤ. استحالة ألا يجمع أجزاء ما يحدث ومن تكون هذه المرأة الشرسة والأسوأ من ذلك ما يوجد في اليخنة. سال المرق على ذقنها وبرقت أنيابها في ضوء النار الآخذ في الخبو وهي تبتلع اللحم الملعون. كظم غيظه والتفت بعيداً.
تمتمت الشقيقة: "تساءل البعض من عشيرتنا... عنك".
أكلت كاي بسرعة.
"لست أنا بالطبع بل أخريات. لا ينبغي لك أن تجعلي نفسك نادرة إلى هذا الحد يا أختي. ما عاد حالك هو حالك منذ مقتل الهرطوقي".
اعترفت بذلّ من فم مليء: "لا أظنه كان هرطوقياً".
هست شقيقة كاي: "إذن ربما كان يجدر بك ألا تفكري البتة! ماذا عسانا نسمي كذاباً كهذا؟ كانت أوهامه لتزرع الشقاق بين عشيرتنا. آمال كاذبة وقصص كاذبة. سمكة كاذبة كان".
لم يكن لدى كاي رد على ذلك. كل ما فكر فيه إمبر هو: لقد كذبت علي حقاً. كذبت... كذبت... ارتجفت أصابعه لكنه شدها حول السكين وابتلع لعابه بصعوبة ناظراً إليهما بالتناوب. اضطرب معدته لكن اهتماماً حاداً بما يجري نقاشه أبقاه مسماراً في الأرض. كان واضحاً أنه يسمع جانبين من قصة متعددة الجوانب تفوته تعقيداتها.
ولكن ربما سيكشف البئر— تمتمت كاي من خلال فم ممتلئ: "أوهامه كانت ممتعة. ألم تعجبك؟"
فجرت السيرينا بغضب وهي تغرف كفاً أخرى من اليخنة في جوفها وتطحن أسنانها بصوت عالٍ: "لا تكوني بلهاء هكذا!"
رشت رشفة مرق على كاي التي انكمشت.
"لقد كان شيخاً ولكنه مجون وقد ضل في النهاية كسائر الحمقى ضعاف العقول من قبله. فه. ممالك جبلية خفية ورجال يعرفون السحر... وحدك من يصدق حكاية كهذه. كلي واكتفي. هذا كل ما ستنالينه منه".
جعل شيء ما —الكلمات أو النبرة— كاي تتوقف عن المضغ. نظرت إلى الأعلى بخفية.
علقت السيرينا حمراء الشعر: "هذا الرجل... لم يخف مني كما ينبغي. لعلّه رآك تحومين في الجوار يا أختي؟ لقد كنت ظلاً في هذه الغابات مؤخراً أليس كذلك؟"
مرت على وجه كاي تعبيرات خوف محكوم بإحكام تذكرها من لقائهما بالكتاب.
قالت وهي تبتلع بوضوح ويرتجف عنقها كعنق طائر: "أنا متأكدة يا سيلفي أنك مخطئة. أبقى وحدي".
تمتمت سيلفي بغموض: "حين تشائين".
كان هناك متسع من الوقت ليفكك إمبر الاسم. أشارت كلمات كاي الأخيرة عند عتبة داره إلى أن كلمة فيلي تدل على العائلة أو لعلها مرتبطة بالعشيرة التي أشارت إليها شقيقتها. لا بد أن سيل هو اسم هذا المخلوق الشخصي. تساءل عما يعنيه. شيء دنيء بلا شك.
قهقهت سيل وهي تغوص بأصابعها في القدر: "تحدثنا طويلاً وهو يعد عشائه يا للأسف لأنه لم يذقه قط. غير أن كل شيء لم يُفقَد بالنسبة لنا! فهو سيروي ظمأنا أفضل بكثير من ذلك البائس الهزيل الذي وجدته. علاوة على ذلك أعتقد أن هذا سيشكل حلية جميلة حين أحضر مراسمك... ألا ترين؟"
وراحت بصمت تمد يدها إلى خصلاتها لتلوي خصلة لاحظ إمبر الآن أنها ضُفرت ولُفّت حول خاتم فضي باهت. برقت في ضوء النار. عند هذا رفعت كاي رأسها فجأة كأن أحدهم جذبها من شعرها.
أظلمت سيل فوق القدر وبسمتها النحيلة لا تفعل شيئاً لتلطف التعبير: "أه نعم، لقد أجرينا حديثاً لطيفاً".
جمدت عظام نقيّه.
"اسمه ومهنته والمكان الذي تجول فيه أمس والتقى بمن كان يأمل في لقائه الليلة. أخبرني بكل شيء ألا ترين".
سرى قشعريرة في جسد كاي من كتفيها حتى أصابع قدميها التي لفتها وحشرتها تحت نفسها متراجعة إلى الداخل.
تمتمت وخداها لا يزالان منتفخين باليخنة: "أفعل ذلك؟"
"أفعل".
وضعت سيل إصبعها في فمها ومصته بتفكير —رغم أن إمبر خمن أنها لم تكن سوى محاكاة للتذكر وأنها كانت تقرر بدلاً من ذلك التفاصيل التي ستثير رد الفعل الأكثر إمتاعاً لدى شقيقتها. ضاقت عيناها.
"برين كان اسمه على ما أعتقد".
وما إن نطقت بالكلمات حتى أخرجت كاي لسانها لتعود لقمة اليخنة إلى القدر. هدأت ابتسامة سيل.
"كنت ستعرضين جثته على الشيوخ أليس كذلك؟ ارتقاؤك غداً... بالتأكيد لم تكوني تخططين للظهور خالية الوفاض".
تردد صدى تجشؤ خفيف في الخلاء واهتزت شفة كاي السفلى لحظة. غطت فمها بيد واحدة ووخز مخالبها خدها. ضحكت سيل ضحكة جوفاء تردد صداها بصوت عال في الخلاء ببهجة جعلت إمبر يود قتلها حيث كانت جالسة. لا بد أن الأعشاب القوية التي نكّهت بها اليخنة مع المسك الزهري للسيرينا قد جعلت من الصعب حتى على كاي أن تشتم رائحة خدعتها. برين. صار له اسم الآن. شخص عرفته كاي... شخص أكلته. بدا أنها أكلت الكثيرين قبله.
أحكم قبضته على السكين في يده وتابع بصمت وعرق يتصبب.
لعقت سيل شفتيها: "ما الذي ظننت أنك ستبلغينه بهذه المغازلة؟ لقد حذرتك ألا تداعبى طريدك. الرجال مخلوقات بلهاء وشقيقتي الساذجة تضل طريقها بسهولة بالغة بسبب العبث البشري. كان بإمكانك المطالبة به تحت الهلال ومشاركة غنائمك معنا جميعاً، بدلاً من أن تتناولي حصصنا الضئيلة بينما كنا ما زلنا جياعى! إنها إساءة لعشيرتنا وقد صلحتها بحق. اشكريني يا أختي".
بدأ جسد كاي يرتجف مائلاً كورقة في الريح. انحنت سيل فوق النار وتراجعت شفتاها في عبوس.
تحذير حلقي يقترب من الزمجرة: "اشكريني يا كيفيلي. اشكريني".
صاغ فمها المرتجف كلمات بلا صوت.
"أ بصوت أعلى يا كيفيلي".
هست كاي ووجهها شاحب كعظام العراف: "أشكرك".
"اجلسي الآن وكلي ما تبقى من هذا. بعد كل هذه الأيام التي انتظرت فيها التذوق فلماذا تُهدر لقمة واحدة؟"