⟦1﹞ 17كتاب الاصداء - الجزء الثاني 🙜 ترددت اصداء صوته في القاعة، وارتدت كلمة الامة مراراً وتكراراً. ثم ادرك إمبر بفزع ان الاصوات آخذة في التغير.
"الامة... الامة... الامة... الافات... الف... آفة تحل بروحك... ايها الخائن الذميم... وتلتهمك باسرها!"
تعالت الكلمات البغيضة في الردهة، واكتسبت قوة وهي تقذف من عمود الى آخر. كان صوت إمبر، لكن شيئاً آخر كان يشكله. رفعت كاي يديها لتغطي اذنيها الغشائيتين وارتطمت بركبة واحدة، مطرقة بصرها نحو الجدار بعينين خاويتين. استدار إمبر بفزع نحو الكتاب، وضرب بيديه على الصفحات بغضب لاهث، لكن الكلمات استمرت في الزحف تحت اطراف اصابعه، وواصل صوته المارق اطلاق الكلمات بنبرة خفيضة ومرحة.
"اذ ان كلماتك السوداء انكرت القدر الذي ينوء به الماء العذب، ها أنت تقف امام خطيئتك، كما خطت داخل هذا القبو العتيق. يا جلد الحلزون، احذر ماضيك وتحاسب على افعالك الاثمة. لقد كذبت على الصرف الذي اقسمت انه اقرب اليك من اعشاب الماء. دم بدم الإخوة المسفوح نحذرك الان، فقد يصدر قراره، وفي فعل الانتقام هذا سيبرر الدم الى الأبد."
حين رمش ناظراه نحو كاي، شق خطان احمران طريقيهما من جفنيها السفليين إلى مسافة عرض اصبع فوق خط فكها، اشبه بآثار دموع قرمزية. لكنها لم تكن دموعاً، بل كانت جروحاً. تساقط دم داكن وكثيف على الارض. ضرب إمبر الكتاب بقبضته حتى اصيبت يده، لكن ذلك لم يحدث اي اثر في هذا الخصم. لم يجسر على الاقتراب من كاي، فان كانت السحر قد استبد بها، لم يكن يعرف اي اذى اضافي قد يلحق بها بالتدخل.
"اصمت!"
صرخ وهو يخمش الصفحات.
"هذا صوتي، ولا يمكنك امتلاكه!"
"لذا نسألك: صديق ام عدو؟ وحدها الحقيقة والمعرفة تدركان..."
تلاشى الصدى ببطء، مختفياً في الممر، وانهارت كاي كومة على الارض. ارتعشت وضمت يديها الى وجهها. تقاطر الدم بين اصابعها واطلقت نحيباً مكتوماً هز كيانه من الجذور، جسداً وروحاً. مع ان الاصداء قد انقضت، ظلت الكلمات التي تليت معلقة كثيفة في الهواء كضباب سام، تهمس في عقل إمبر. بدلاً من الذهاب اليها فوراً، ظل واقفاً قرب القاعدة، يراقبها بمزيج من الريبة والخوف. ارتجفت السيرينا كالورقة، وتووت العضلات النحيلة تحت سترة الجلد وهي ترمش ناظرتين نحو الدم على اطراف اصابعها.
منكمشة. خاضعة. لقد عصر قلبة ان يراها هكذا، والاكثر من ذلك ان يعلم انه شرع في قراءة تلك الكلمات البغيضة، لكن اعلانات الكتاب ملأته برعب اسود ونتح.
"كاي؟"
همس. لم يكن ردها سوى أنَّة واهنة. صغيرة ومرتجفة. لم يصدر عنها صوت مماثل من قبل، ولم ترفع نظرها. ان كنت ستتناول لحم البشر وتتسوق دم عروق البشر... رمش إمبر ناظراً إلى بركة الدم الحمرة على الارض، مخدراً من الصدمة. نزل عن القاعدة، ووقع حذائه الجلدي بصمت تام على الحجر، وجثا على ركبة واحدة بجانب هيئة كاي المرتجفة. بسط يداً فوق كتفها.
"انا آسف..."
تلعثم بارتباك.
"انا آسف، لم أكن أعلم... لما كنت لأفعل..."
بدا ان السحر قد حررها من سطوته، وبات هو متلهفاً للمغادرة.
"ارجوك انظري إلي، كاي،"
توسل، وفجأة استولى عليه اليأس.
"كاي، انظري إلي؟ أنا آسف!"
رفعت عينيها فجأة لتلتقي بعينيه، مستديرتين وداكنتين. شيء ضبابي راح يطوف داخلهما. شيء مختلف، شيء انعم قليلاً من ذي قبل.
"الكتاب كذب، أليس كذلك؟"
همس.
"أنت لست مثلهم..."
مثلهم. تذكر الجمجمة ذات الأسنان المدببة. تذكر الطريقة التي أمسكت بها بين يديها. واصلت كاي التحديق في عينيه، صامتة كالجثث التي مروا بها في الممر الخارجي. عادت الكلمات التي قرأها لتطرق عقله: اذ لا يجوز لأي إنسان ان يكذب داخل قاعاتنا المقدسة. كان هناك شيء تخفيه كاي عنه، شيء ظلّت تخفيه منذ ان تحدثا الى باب الجبل، لا بل أبعد من ذلك. منذ لقائهما الأول في الكُخ. ربما لو ضغط عليها الان، لدفعتها السحر مرغمة على البوح.
كان الهاماً ملتوياً، لكن اي خيار كان يملكه؟
"أأنت كذلك؟"
تردد إمبر لحظة واحدة، وجلاً من حضورها الفاتن، ثم قبض برفق على كتفها وهزها قليلاً. تمايلت في قبضته كقصيبة نهر، لكن شفتيها الشاحبتين انطبقتا بعناد.
"لماذا أحضرتني إلى هنا حقاً يا كاي؟"
راحت عيناها تزيغان هنا وهناك، في كل مكان سوى وجهه. ضغط إمبر على أسنانه، متذوقاً طعم الغبار.
"لم يكن الأمر لمجرد قراءة تلك الرموش، أليس كذلك؟"
انحنى إلى الأمام، بحيث أصبح وجهه بمواجهة وجهها، أقرب بكثير مما تجرأ عليه من قبل. أخيراً ردت له النظرة، واهتزت شفتها السفلى مرة قبل أن ترقّ. بدا جلدها بارداً وزلقاً ضد جلده، وعيناها داكنتين وخاليتين من الروح. كانا قريبين لدرجة تجعله يرى نتوءين صغيرين لأنيابها يختفيان خلف شفتيها، وكل وميض لزج على جلدها، وكل تفصيل في قزحيتيها السوداويين المخضراوين، وكل بريق في بؤبؤي عينيها، وكان واثقاً أنها تستطيع سماع دقات قلبه تتخبط في صدره.
قطرة من دم دافئ استقرت على ساعده... كانت رائحتها زكية، وأثارث غثيانه.
"أنت"، تمتم، بينما داعبت أنفاسه خصلات الشعر الأسود المنسدلة على جبهتها.
علقت بضعة خيوط بالجروح المشقوقة. امتلاءت عيناه بدموع ضبابية، لكن عندما رمش لتنقية بصره كانت لا تزال تحدق فيه ببرود كما اعتادت. المشاعر التي تسللت إليه لم تكن حزناً. الغضب، الحار واللزج، عكر صفو عقله.
"لقد كذبت علي، أليس كذلك؟"
فرك إبهامه على كتفها الرطب دائماً. جلد الحلزون.
"كان يجب أن أعرف قدر نفسي، بريق الصانع، كم أنا أحمق. من تكون تلك التي أكلتها؟"
بدأت الكلمات تتخذ إيقاع مرح غريب، كأنها لم تعد تخصه. شعر بالانفصال عن صوته الخاص بعد الاستماع إلى الأصداء تحوم دونه.
"أختي؟ أبي؟"
كان صمتها يبعث على الجنون. أرادها أن تتحرك. أن تتكلم. أن تعترف. لكنها رفضت، وعيناها تلمعان كالماء.
"هيا,"
لاهثاً، جذب رمحه فوق رأسه. قبض عليه بقوة، مصدوماً، ووجه رأسه نحو قلب السيرينا.
"أنكر ذلك. أخبرني أن تلك لم تكن خطتك أبدا! أو اقتلني وكلني. ما الذي يمنعك الآن؟"
ارتجف جفناها، وتوسعت منخراها. لماذا لم تضرب؟ أو تهرب؟ اتركها، يا إمبر. اتركها. ستجلب لك الهلاك عاجلاً أم آجلاً. لم يستطع الجزم إن كانت تلك الكلمات أفكاره الخاصة أم صدى آخر شارد... لكنه صدقها. لقد كانت الحقيقة دائماً، وكان أعمى بجمالها السطحي عن رؤيتها على حقيقتها.
"ثقت بك،"
حاول. لا شيء. استولى عليه الخوف، مهدداً بقلب محتويات معدته رأساً على عقب. بدونها، سيكون تائهاً في بحر من السحر، باحثاً عن مخرج قد لا يكون موجوداً أصلاً. اذهب يا إمبر، همست الأصداء، ضاغطة عليه بإلحاح. اذهب... أرخى قبضته عن كتفها العاري وعقد يده مجدداً في قبضة. حدق كل منهما في الآخر بصمت. لقد فهم الآن. كان حضورها سماً، إدماناً يبقيه أسيراً، حتى الآن. ثم وقف ليغادر. تحركت كاي أخيرًا، واهتزت أذناها الرقيقتان قليلاً.
انطوت الأغشية الشبيهة بالخفافيش للداخل مع ارتعاشة، مختفية نصفها في شعرها. نفض إمبر دمها عن ساعده. تلطخ. ارتجفت تحت القوس، وأطرافها الطويلة منضمة إلى جسدها. غير محترفة، ومخيفة، وجميلة بشكل مذهل. أراد أن يقول إنه يتمنى ألا يراها مرة أخرى، لكن لسانه تجمد على أسنانه ولم يستطع النطق حتى بهمسة. كانت الشيء المألوف الوحيد الذي تبقي له في هذا المكان— أنت أحمق يا إمبر، جاءت الأصداء.
اذهب بينما تستطيع... أغلق الكتاب بصوت خفت وانطفأ النوار. قفز إمبر في الظلام المفاجئ، لكن السيرينا ظلت ظلاً منحنياً قرب المدخل. قطع عدة خطوات إلى الوراء في الممر، حيث أنارت عروق السحر الحي في الأعلى الكهف بخفوت كاف لرؤية الامتداد العظيم أمامه. تكومشت كاي فيلي على الجدار، وقد انحنى رأسها نحو صدرها. سقطت قطرة أخرى من خدها إلى يديها. لكانت دمعة لولا عتمة السائل. قسّى إمبر قلبه، وأدار ظهره، ومشى بخطى حثيثة في الممر إلى اليسار، مطالعاً من فوق كتفه للتأكد أنها لا تتبعه.
كان خائفاً، مجرداً من عقله، يهابها ويمقتها في آن واحد. ترددت الأصداء بلا نهاية في عقله، تحذيراً مهلكاً. لم تتحرك أبداً. وتركها هناك، وحدها مع دمها والكتاب.