الفصل الثاني من غداء الشلال 🙜 قال: "سنمشي طوال اليوم معا، لذا يجدر بك إخباري بشيء ما". سكت الحديث قليلا، وبينما كان إمبر يفكر، راقب شروق الشمس وهو يتحول من الذهبي إلى الوردي الفاقع الجميل. ثم مدت يدها إلى داخل سترتها وأخرجت الحجر الصغير المتوهج الذي وضعته على عتبة بابه قبل ليلتين. قالت: "هذا يأتي من الجبل". قال: "أعلم. أحضر هانتر حجرا مشابها من رحلاته مرة". ابتسمت وهي تقول: "صياد؟" رد إمبر ابتسامتها بخفة رغما عنه. قال: "من نوع ما، نعم، أظنه كذلك". "لا بد أنه شجاع". رفعت كاي الحجر في مواجهة ضوء الشروق، وراقب إمبر الضوء الكهرماني وهو يدوخ في داخله. "هذه كثيرة الوجود، لكن دروب الجبل شديدة المكر". قال إمبر بشك وهو يمد يده ليلسمه: "لا يبدو لي كحجر جبلي". أيقظته برودته تحت إصبعه قليلا. "هذا حجر نهر مصقول". ناولته كاي إياه فغطاه بأصابعه، متعجبا من الضوء الاحمر الذي يسطع عبر جلده. باهتا، لكنه ملحوظ. أوضحت قائلة: "هذه تُصقل يدويا، لكن هناك الكثير غيرها داخل الجبل. إنها تنمو هناك". عقد إمبر حاجبيه وناولها الحجر: "تنمو هناك؟" دسّته هي مرة أخرى. "يبدو هذا غير معقول البتة". هزت كتفيها قائلة: "هذا ما قيل لي". طرح تساؤلا: "ماذا لو فتحنا الباب ولم نجد شيئا هناك؟ إذن ماذا؟" طال الصمت لدرجة جعلته يدرك أنها لم تعتبر ذلك احتمالا قط. ركل حصاة في طريقهم بانتظار إجابة. قالت أخيرا: "إذن فقد قيلت لي أكاذيب كثيرة". مشيا في صمت حتى بلغت الشمس كبد السماء، وكانت كاي تخطف كل ما هو قابل للأكل من جوانب الطريق وتدس يدها بين حين وآخر في سلة إمبر بحثا عن ورقة أخرى، بينما كان إمبر يسلّي نفسه بلمسات من الحياة البرية وتغير المناظر الطبيعية. فكر في كوخه من حين لآخر لكنه طرده تدريجيا لصالح اهتمامات أخرى أكثر أهمية — وفي مقدمتها ما سيقترفه وأين سيتجه متى انتهت هذه المغامرة الغريبة. هل لدى كاي خطط أخرى من أجله، أم إنه وُجد هنا فحسب ليفتح الباب في الجبل؟ متى انقضت فائدته، ماذا ستفعل به؟ فكر متسللا إلى حلقه ذعر خاطئ: ماذا لو فشلت؟ كلما تقدما في السير، ضاق الطريق. وفي أحر ساعات النهار — حين بدأ العرق يتصبب من أنف إمبر وصارت جوقة الحشرات الطنانة لا تطاق تقريبا — بلغا نقطة صار فيها أشبه بدرب منه بطريق. كانا بالكاد يبدآن صعودا نحو الأعلى حين انحرفت كاي وركضت في ممر صُدفي صغير وتمايلت الأغصان خلفها. نادت بحماس: "تعال، من هنا!" كان الجفاف قد أنهك حلقه وأوجعت قدماه مسبقا، لكن صوتها جذبه قدما ونحوالأعلى بطاقة متجددة. تبعها بإصرار عبر أجمة من أشجار البتولا وصعد مرتفعا صغيرا يشرف على الدرب. لم يُمض وقتا طويل حتى استطاع سماع صوت مياه جارية، ونبتت أوراق الصيف الخضراء والوريفة تحت القدمين. أزاح إمبر ستارا من الأغصان الإبرية وخرج إلى جنة مصغرة من الرذاذ الأبيض، والحجارة الرمادية المسننة، وفراش سميك من الطحالب المزهرة. انبسط أمامه مرج صغير تحيط به جدارية من الصخور والأشجار المائلة. وتدفقت أشعة الشمس عبر الأغصان لتتلألأ على الأوراق المبتلة، بينما تدفق شلال عريض متساقط فوق الصخور والنتوءات الحجرية. وتدحرجت حديقة الطحالب نحو منحدر شديد الانحدار إلى يساره. كانت كاي قد اختفت. قال إمبر بحذر وهو يضع السلة جانبا ويحل حربة الصيد: "أهناك أحد؟" سمع صوت ارتطام ماء ولمح الشلال، لكنه لم ير سوى مياه بيضاء مزبدة ورف صخري. عندها لاحظ زوجا من السراويل البنية الملقاة على شجيرة كثيفة. وكانت سترتها متروكة على بعد خطوات قليلة في الطحالب، وكأنها رمتهما بعيداً دون مبالاة وغاصت. احمر وجه إمبر خجلا فوضع الحربة جانبا وأدار وجهه دافنا لحيته الخشنة بيده ومحاولا تدبر مكان يريح فيه نظره. splash. رشقت قطرات الماء البارد ذراعه. ألقى نظرة على الرف الصخري فرأى وميض حركة: كانت كاي قد رمت بنفسها على إحدى الصخور مباشرة تحت التيار المندفع، ومختبئة خلف الرذاذ باستثناء وميض عابر لشعر أسود أو مرفق شاحب. وتركت الشلالات الأوساخ والغبار وإبر الأشجار تتدحرج بعيدا، وحين ظهرت يداها أضفى الماء على جلدها بريقا لم يره إمبر من قبل — إذ تلألأ بألوان قوس قزح جميلة، مما ذكره بصدفة أذن البحر التي جلبها أحد القرويين من البحر. أخرجت رأسها من وابل الماء وابتسمت له قبل أن تختفي تماما. سمع يديها وقدميها العاريتين تطرقعان على الصخور الرطبة لكنها ظلت دائما بعيدة عن الأنظار، كظل تحت ماء تضيئه الشمس، تتنقل هنا وهناك بسرعة مذهلة. أجبر نفسه على تحويل بصره وأسرع نحو الرف الصخري ليتسلق إحدى الصخور الأقل انزلاقاً، جامعا يديه تحت الماء الجاري. كانت الرشفة الأولى باردة بشكل مبهج لتبث الوخز من رأسه حتى أخمص قدميه. لم يتذوق قط شرابا بهذه الروونة والنقاء... لابد أنه ماء ذوبان صيفي قادم من قمم الجبال. شرب حتى ارتوى وسكنت شفتاه المتشققتان، ثم تراجع عبر المرج ليملأ معدته الفارغة. بعد وقت غير طويل، لاحظ كاي فيلي تتسلل خلف الضفة وتتفحص ملابسها، فأخفض بصره بكياسة إلى الخبز الذي كان يأكله. خطفته بذراع رطبة نحيلة واختفت. بعد لحظات، ركضت عبر المرج وهي ترتدية سترتها وسروالها. جلست على بعد خطوات قليلة — وما زال الماء يقطر من ذقنها — وشرعت في ترتيب شعرها الرطب الكثيف ليتدلى بانتظام على كتفيها. بلع ريقه ثم مد يده نحو رغيف الخبز الأخير متأوها. لن يدوم طويلا بالقدر الذي أمله. راقبته في صمت وهو يقطع قطعة كبيرة ويضعها في حجره ويفتح جرة العسل؛ كانت أذناها ترتجفان مع كل صوت جديد وتتبع عيناها كل حركة ليديه. تنهد فحشر الخبز في الجرة وكشط شيئا من العسل المتبقي عن الزجاج قبل أن يدفعه في فمه. "ممم..." كانت لقمة أكبر من أن تُمضغ بلياقة، واضطر لابتلاعها على أجزاء، لكن لم يكن هنا أحد ليثير إعجابه. لقد أرست كاي سابقة من انعدام الإتيكيت والحد الأدنى من الحياء (وهو بلا شك أمر لائق جدا بمعايير حوريات البحر). تمتمت وهي تلقي نظرة خفية على مؤونته: "أتساءل، ما الذي يجعل عسلك حلوا هكذا؟" أجاب إمبر بصوت غليظ وهو يستخرج المزيد من العسل من الجرة بقطعة خبز نصف مأكولة: "عليك سؤال النحل. هن اللواتي صنعنه. وهو حلو أكثر من اللازم ليُؤكل سادة. الأفضل خلطه بالعصيدة أو فرده على الخبز". قالت كاي بفظاظة: "أفضل لعقه سادة. لا أراه حلوا أكثر من اللازم". توقف إمبر عن المضغ ورفع نظره إليها. "ألعقته من هذه الجرة؟" ابتسمت ومررت لسانها المائل للزرقة على شفتيها. "أخبرتك. إنه لذيذ". بجهد شاق، ابتلع إمبر ما تبقى من الخبز ونظر إلى الطبقة الجديدة من العسل بيأس. ربتت كاي على خصلة شعر شاردة لتعدها إلى مكانها ونظرت إلى الأغصان فوق رأسها. "ماذا؟" أجيب بنبرة غاضبة: "لا شيء"، ورمى الخبز المدنس باتجاهها ومد يده ليأخذ قطعة غير مغموسة بالعسل. "أه!" وسعت عينيها نحوه. "لن تأكل ما تبقى من العسل؟" قال إمبر وهو يرمقها بنظرة حادة: "أظن ذلك". التلعت كاي قطعة الخبز غير المكتملة في فمها وخطفت الجرة وفتحتا بصوت صغير يدل على الابتهاج. "سأنهيه عنك". ولم يستطع إمبر الجزم — نظرا لأن مشاعر الحورية وأساليب تعبيرها كانت لا تزال غريبة عنه تماما — عما إذا كانت جاهلة حقا باللطف البشري أم أنه قد سُلب غداء الخبز والعسل. ❧ حين مدت ظلال المساء أذرعها على طول الدرب وتراجع طنين ألف حشارة إلى بضع صراصير تزقزق، صار الطريق أكثر انحداراً. وراح يلتف حول التلال الصغيرة وبقع الغابة الكثيفة. وتدفقت بضع شلالات أصغر حجماً على النتوءات الصخرية وكان إمبر يتوقف أحيانا ليشرب. كانت كاي تتوقف عند كل منها، تاركة الماء يتدفق على بشرتها العارية وتمشطه عبر شعرها. سمع صوتا خافتا للغاية يتردد صداه قادما من الجبل مرتين في ذلك المساء — يكاد يشبه نداء طائر، لكنه لا يشبه أي طائر عرفه. مرعب وغريب، ظل صداه يتردد حول التلال لفترة أطول بكثير مما ينبغي. ومع ذلك، في كل مرة كان يخفت فيها، كان يتساءل فوراً عما إذا كان قد سمع شيئا حقا. ومع ظهور النجوم الأولى فوق الأشجار، اقتربت كاي قليلا وهي ترفع بصرها نحوه مرارا كمن يرغب في قول شيء. غامرت بالقول أخيرا: "إمبر، لا أعرف الكثير عن بني جنسك، لكنك لست وحيدا". أجاب بدهشة: "لا. ليس بطبيعتي..." وتابعت: "أنت مولع جدا باعشاشك". وأدرك إمبر تدريجيا ما تعنيه. "أظن معظم الناس كذلك. ففي هذا الوادي، غالبا ما تُورث المزارع بين العائلات". وأنزل نظره إليها. "أليس لأبناء قومك بيوت؟" قالت أخيرا: "أنا أتخبط". وكان ذلك آخر الكلام. ورغم أنه انتظر منها أن تأتي على ذكر ما فقده، لم يصدر عنها شيء. اكتفت بالمشي، والتفكير، والهمهمة من حين لآخر. وكلما همهمت خف التوتر في صدره قليلا. ظهرت بضع يراعات متفرقة مع حلول الغسق وبدأ الدرب الذي يتبعانه يختفي ويظهر بين الغابات بشكل مزعج. وادرك إمبر أنه لولا وجود الحورية لضاعت منه الطريق تماما. كان وجودها المتخفي أقل إخافة بكثير من الظلال غير المألوفة التي تتربص في الأدغال وتصدر حفيفا على طول الطريق، وفضل المشي ممسكا بحربته بدلا من تعليقها خلف ظهره. لقد أثقلت عقول البساطة القرويين الذين تركهم خلفه وحكاياتهم حول الجان والأشباح كاهله. كانا في منطقة أكثر وحشة الآن.
أغنية إمبر الفصل 16 — مأدبة عند الشلال (الجزء الثاني)
اقرأ أغنية إمبر الفصل 16 — مأدبة عند الشلال (الجزء الثاني) باللغة العربية على مانجا تايم.