الفصل 26: إذا كان العالم لا يريد المساعدة، فحارب العالم! وإذا جرؤ العالم على العرقلة، فـ
"ممم" تنهد أزيف.
كانت صوفيا جالسة تحت شجرة الخوخ التي تقيها حرارة الشمس. كانت الأوراق الجافة متناثرة حول النار لتأجيجها وجعلها أكبر.
وفي يدها، كانت هناك أفعى مشوية على السيخ فوق نار الجمر.
وليس بعيداً خلف الأشجار كانت هناك بقايا منازل. تظهر بعض آثار المنازل القديمة ويمكن رؤية الكثير من الجثث المتصلبة على تلك البقعة من الأرض الخضراء.
"هل يمكنني الانضمام إليك؟" قال أزيف.
أومأت برأسها بلا مبالاة. مشى أزيف نحوها وجلس على جذع الشجرة المقطوع بجانبها.
لم يتحدثا إلى بعضهما البعض لبرهة، بل اكتفيا بالنظر إلى النار بينما استمرت صوفيا في شوي اللحم.
كان حطب النار يفرقع وأحياناً كانت صوفيا تستخدم يديها لتأجيج ألهبتها.
أكلت صوفيا اللحم دون أن يظهر على وجهها أي تعبير. لم يستطع أزيف سوى استشعار البرودة المنبعثة منها.
أعطت أفعى مشوية واحدة لأزيف وقضم منها. كان من المفترض أن يكون لذيذاً لكن أزيف لم يستطع الشعور بأي حماس تجاهه.
وبرؤية وجه صوفيا الخالي من التعبير، انتاب أزيف شعور بأن تجربتها لم تكن أفضل من تجربته، إن لم تكن أسوأ.
أكلا في صمت.
لم يكن هناك أي وحش جاء لمهاجمتهما، ولا أفايا تتلوى، ولا أي جئيان جاءت للتجسس.
ولم يكن هناك حتى صوت أنين الجثث. راقب الإحساس السماوي لدى أزيف المنطقة ولم يستطع استشعار أي شيء خطير أو خارج عن المألوف.
انتهيا من الأكل وأسندت صوفيا ظهرها إلى الشجرة ناظرة إلى السماء كشخص فقد رغبته في الحياة.
لكان أزيف ليصدق حتى لو سمحت صوفيا لنفسها بالموت تحت الشجرة. لم تكن تبدو وكأنها ستتحرك من مكانها بجانب الشجرة.
حينها، وبالنظر إلى وجه صوفيا، حسم أمرـه.
"إذن... كيف سارت الأمور؟" سأل أزيف.
لم تقل شيئاً... لكن عينيها بدأتا تدمعان. ببطء، تشكلت دمعة وسقطت على الأرض.
لم تنطق بكلمة لكن أزيف استطاع أن يشعر بحزنها. لا بد أنها مرت بتجربتها المؤلمة الخاصة.
كان لأزيف تجربته، ولها تجربتها.
لقد كانت عرضة للخطر، وكانت مكشوفة، وكانت ضعيفة... لكنها كانت جميلة أيضاً، في نفس اللحظة.
في تلك اللحظة، وتحت الشجرة، ناظرة إلى السماء بعيون ملأى بالدموع... كانت جميلة.
أعرف أزيف أنه ما من شيء قد يهدئها، وما من شيء يمكنه قوله ليواسيها.
لذلك، اقترب أكثر ووجّه رأسها ليستقر على كتفه. فكر لنفسه بأنه يستطيع على الأقل إعارتها كتفه لتبكي عليه.
وهكذا، أسندت صوفيا رأسها إلى صدر أزيف وبكت وأولت وناحت، ضاربة صدر أزيف، ومطلقة صرخات قادرة على تمزيق قلوب أي رجل.
حاضنها أزيف وتركها تبكي.
لمدة خمس دقائق، لم يكن للمرء أن يسمع سوى الصرخات، والمراثي الشبيهة بمراثي أيوب، واللعنات، ثم توقفت الدموع أخيراً، وتوقفت اللعنات، وتوقف النحيب أيضاً.
تحمل أزيف كل ذلك لأنه استطاع تفهم الألم.
ربما لم يكن بمقدوره فهم كل ألمها، لكنه استطاع فهم جزء ضئيل منه. ألم فقدان شخص ما... فقدان عائلة... والشعور بالوحدة التامة في هذا العالم الجديد والمرعب.
لقد كان نوعاً خاصاً من العذاب، وننوعاً خاصاً من الشقاء أن تكون وحيداً... وخائفاً. وأزيف يفهم شعور الوحدة... وشعور الخوف.
كانا في عناق تحت الشجرة، كلاهما فقد شخصاً مهماً في ذلك اليوم، وكلاهما يواجه عذابه بطريقته الخاصة.
أزيف بأن أصبح أكثر عناداً وعزماً على التحدي، بينما صوفيا تبكي وتصبح أكثر تصميماً.
كلاهما فقد شيئاً في ذلك اليوم، لكنهما اكتسبا شيئاً أيضاً.
اكتسب أزيف إرادته التي لا تقهر واكتسبت صوفيا الشجاعة... أزيف لأنه رفض الانصياع لأوامر العالم التي تآفرت لدفنه تحت بؤسه، وصوفيا لعدم وجود خيار آخر أمامها.
كان عليها أن تكون شجاعة.
كظمت صوفيا شهقة وحررت نفسها من صدر أزيف.
"هل أنت بخير؟" قال أزيف وبصوته تلميح من الاهتمام.
أومأت صوفيا برأسها بضعف. ثم سألت:
"لماذا أتيت إلى هنا؟"
تهب الرياح جالبة ربيعاً جديداً، وتتساقط أوراق الخريف متخلصة من الماضي. لقاء قدري يقود إلى مصير قدري. اللقاء والافترق مقدران.
علاقة مدى الحياة، وقسم منطوق، لا يمكن للموت وحده إلا تحديه.
"دعونا نثير الجحيم في هذا العصر الجديد!" قال أزيف ناظراً نحو صوفيا وعيناه تشتعلان ناراً. لقد اختفت عيناه الباردتان عادة وأسلوبه غير المبالي المعتاد.
لقد كان ممتلئاً بالعزيمة والحماس الملتهب وبريق من الجنون.
تطايرت بعض الأوراق المتناثرة تحت قدمي صوفيا بسبب الرياح وكان هناك شيء في عينيه لم تستطع صوفيا تجاهله.
لقد كانت هناك عزيمة، عزيمة فولاذية.
"لن أستفسر عما حدث لوالديك ولكن إن كان لي أن أخمين، فهما ميتان" قال أزيف.
"أن... ت!" كادت صوفيا تغضب عندما قال أزيف:
"مثل عائلتي!" قال وهو يطحن على أسنانه.
"ليس لدي أي شخص آخر في هذا العالم سوى عائلتي. لم يكونا والدين محبين أو مرحين لكنهما لم يسيئا معاملتي أيضاً. لقد بذلا قصارى جهدهما. لقد صارعا ضد العالم. لقد حاولا فعل الصواب! لقد اتباع القواعد! لقد دفعا الضرائب، وصليا للإله، وعاشا حياة لا تكذب على الناس. العالم غير عادل! والناس غير عادلين! الشر يحكم العالم والأخيار يهلكون. إنه عالم ذئاب. ووالداي كانا نعاجاً! وأنت يا صوفيا. هل لديك أي شخص آخر غير والدتك؟"
سأل أزيف ناظراً إليها بتركيز. كان الغضب في عينيه، غضب صامت وندم.
"لا" قالت وبصوت بارد.
"هاهاهاها" ضحك أزيف بلا قيود ونهض من على الجذع.
كان غطاؤه يغطي وجهه، ورداؤه يرفرف بقوة، وكان رداؤه ينبعث منه هالة سوداء غطته.
"ليس لديك أحد آخر في هذا العالم مثلي تماماً!"
أعلن ذلك وهو ينظر إلى السماء.
"عندما كنت طفلاً، كان والداي دائماً ما يخبرانني بهذه الأشياء الثلاثة: افعل الخير، عامل الناس بالطريقة التي ترغب أن يعاملوك بها، وكن ممتناً دائماً! ولقد فعلت كل هذه الأشياء. فعلت الخير، لكن الناس فعلوا الشر! عاملت الناس جيداً، فخانوني! كنت ممتناً لكن الناس قابلوا الإحساس بالعداوة! وكلما عشت لفترة أطول، كلما رأيت أكثر. الطيبون لا يعيشون طويلاً. العمل الصالح لا يُكافأ. عاش أبي طوال حياته كحارس أمن. بالنسبة لي، طالما شعرت بالامتنان تجاهه. على الرغم من أنه نادراً ما كان يملك وقتاً لأمي أو لي أو لإخوتي، فعندما كبرت فهمت ما ضحى به من أجل العائلة. لم تمر لحظة واحدة في حياتي شعرت فيها بالخجل من عمل أبي. لم يكذب قط حتى عندما كان قادراً على ذلك. لم يرتكب الشر قط حتى وإن كان الشخص يستحقه. لكن الناس طالما احتقروا أبي. لم أصادق هذا النوع من الناس وهم لم يصادقوني. لم أصادقهم بسبب سلوكهم البغيض. ولم يصادقوني لأنهم اعتقدوا أنني لا أستحق ذلك".
قال أزيف كل هذا بحماس وكأنه إعلان من نوع ما. نظر إلى السماء وكأنه أراد سحق الغيوم ووطء السماوات.
لقد كان غضبه غضباً هائلاً! كيف له أن يقبل بما حدث لعائلته! حتى وهو ناجٍ!
حتى هو!
كان ينبغي على الملك أن ينقذ أخيه الصغير، وينقذ أمه وأباه. لا هو! من بين كل أفراد عائلته، هو أقل من يستحق النجاة.
أهذا شعور بالذنب لدى الناجين؟ أزيف لا يدري. لكنه حافظ على نظراته متجهة نحو السماء ناظراً إليها وكأنه يريد إعلان نيته للعلم.
ثم نظر إلى صوفيا ورأى دموعها الجافة. لابد أن والدتها كانت تعني لها شيئاً عظيماً في حياتها.
لم يكن ينبغي لوالدتها أن تموت. من المفترض أن يُكافأ الأخيار لا أن يُعاقبوا.
"هذا عالم ذئاب. لا يمه العالم إن كنت تفعل خيراً أم شراً! سيستمر في التحرك بلا توقف دون أن يكترث لنا نحن البشر الفانين! لا يكترث البتة بالخير أو الشر! العالم لا يحكم على الرجال بقيمتهم، ولا يتعلق الأمر بما هو عادل! يمكن للأشرار الاحتفاظ بالسول طوال حياتهم ويُبكى عليهم عندما يرحلون. ويمكن استهلاك الأقرياء كقطع النقود لمجرد أن ذلك ملائم. لن أكون هكذا! إذا كان العالم لا يريد مساعدتي، فسأحارب العالم! وإذا جرؤ العالم على العرقلة، فسأدمره! في هذا العصر الجديد، سأثير الجحيم، حتى يتذكر الجميع اسمي عندما أموت! سأحفر اسمي في التاريخ! ما رأيك يا صوفيا؟ هل ستتبعيني؟"
قال ذلك وعيناه تنظران بتطلع. لقد كان إعلاناً جريئاً ومتغطرساً!
إذا كان العالم لا يريد مساعدته، فسحارب العالم! وإذا جرؤ العالم على عرقلته، فسيدمره!
أليس هذا تغطرساً؟
"أنا..." وفكرت في كل تلك اللحظات التي قادتها معه وكيف فقدت كل شيء.
لقد فقدت والدتها، والطريقة التي فقدتها بها... مزقت قلبها.
بالتفكير في الأمر، أرادت أن تبكي مرة أخرى. أرادت أن تنوح مرة أخرى. أرادت أن تصرخ مرة أخرى حتى لا يستطيع حنجرتها الصراخ.
أرادت الحداد... لأطول فترة ممكنة. أرادت الهرب والاختباء.
لكن الدموع لم تأتِ. لقد تحاملت على نفسها. ولم يأتِ النحيب. لقد تحاملت على نفسها. ولم يأتِ الصراخ أيضاً. لقد تحاملت على نفسها.
لم تهرب ولم تختبئ. لقد تحملت ذلك. كل الألم، كل الغضب، كل الحزن وتدفق مشاعر جديدة.
الغضب. السخط. غضب مشتعل. تجاه العالم! تجاه كل شيء! وترددت كلمات أزيف في أذنيها.
هذا عالم ذئاب!!!
"نعم" فكرت لنفسها.
عالم ذئاب وهي نعجة. والنعاج تؤكل من قبل الذئاب. وتتذكر قصة أزيف عن والده ووالدته.
والدتها لم تكن مختلفة عنهم. ولهذا السبب تحبها. لكن العالم أخذ والدتها منها.
لم يتم مكافأتها. وكل معاناتها، وكل صبرها مع العالم لم ينفعها بشيء.
إذا كان العالم لا يريد مساعدتي، فسأحارب العالم!!! وإذا جرؤ العالم على العرقلة، فسأدمره!!
علق هذا الكلام في عقل صوفيا، وتردد بقوة مع مشاعرها ولمس غضبها.
نهضت وبقلبها غضب، وعزيمة ملتهبة تلمع في عينيها ومدت يدها.
"دعونا نثير الجحيم... أيها اللورد شادو" قالت صوفيا ببرود وصافحت يد أزيف الممدودة. وهكذا وُلد اللورد شادو والرامية السماوية صوفيا في ذلك اليوم.
في السنوات القادمة، تمت الإشارة إلى هذا الحدث العظيم بالوعد تحت شجرة الخوخ.
وكانت صوفيا الرفيقة الأولى للورد شادو بينما كانا يحفران اسميهما في التاريخ.