الفصل 9.5: لوين والخيانة العظمى
الطفل الذي لم يرده أحد
وُلد لوين داخل عائلة فون غيلدور كخطأ.
لا، ليس حتى خطأ… بل وصمة، تذكير حيّ بخطيئة والده.
كان ابنًا غير شرعي، ثمن لحظة أنانية.
أما والدته، فكانت خادمة بلا صوت ولا حقوق. لم تُعامل يومًا كبشر. وعندما أُجبرت على حمله، لم يكن ذلك خيارها أبدًا.
لم تستطع الهرب.
ولم تستطع حتى البكاء.
سيلينا داركمور، زوجة الدوق، لم تستطع تحمل رؤيتها. لم تستطع تحمل رؤية امرأة تحمل دليل خيانة زوجها.
لذلك أخذتها بعيدًا.
وعندما عادت… كانت الأرض قد ابتلعت دم الخادمة، واختفى جسدها داخل ظلام لم يرغب أحد في السؤال عنه.
لم يعرف أحد أين ذهبت.
ولم يهتم أحد.
لكن الطفل… الطفل الذي لم يرتكب أي ذنب… بقي خلفهم، يسأل نفسه كل يوم:
"أين أمي؟"
كان صغيرًا عندما تعلم أن لا أحد سيتحدث عنها أبدًا.
وكان صغيرًا عندما أدرك أن لا أحد أراد له أن يوجد.
لذلك، عندما بدأ العالم يلتهم طفولته… لم يجد سوى ملجأ واحد.
السيف.
أصبح السيف طريقه نحو الأمان.
وكان ذلك الأمان يكمن في القوة.
دخل معسكر التدريب الإمبراطوري دون أن يملك شيئًا سوى اسمه وجرحًا في قلبه لم يلتئم أبدًا.
كان أقوى من الآخرين، ليس لأنه موهوب… بل لأنه لم يكن يملك خيارًا آخر.
إما أن يصبح قويًا… أو يسحقه العالم.
وعندما وصل أخيرًا إلى رتبة فارس، وبدأ اسمه يتردد في أنحاء المملكة، لم يكن ذلك من أجل المجد.
بل من أجل البقاء.
لكن حتى القوة لم تكن كافية لإنقاذه.
ولا لإنقاذ الحب الذي لم يكن العالم ليسامحه عليه أبدًا.
كان اسمها إيلينور.
لم تكن أميرة، ولا نبيلة، ولا شخصًا يُذكر اسمه في قاعات السلطة.
كانت فتاة عادية… لكنها الوحيدة التي جعلته يتذكر أنه إنسان.
ليس لقبًا يُمدح.
ولا سيفًا يُشهر.
ولا سلاحًا يُؤمر به.
لقد رأته كما هو… لا كما أراد العالم تشكيله.
وفي هدوئها وصدقها البسيط… كانت تشبه شيئًا فقده منذ زمن بعيد.
لقد ذكّرته بوالدته.
لكن القدر لا يرحم العشاق دائمًا.
انطفأ حبّهما بصمت.
حدث ذلك أثناء احتفال بعيد ميلاد أحد أبناء الإمبراطور. تعرضت إيلينور للتنمر من فتاة نبيلة. كان وجهها محمرًا من شدة الصفعات، وسُكب النبيذ فوقها، ومُزقت ملابسها.
كان لوين ثملًا بشكل غريب تلك الليلة.
لم يستطع تحمل ما حدث للفتاة التي أحبها.
لقد كبت مشاعره لفترة طويلة، وتعب من إخفاء علاقتهما وكأنها سر مخزٍ.
أراد أن يمنحها لقبًا.
أراد أن يناديها زوجته.
أراد أن يمنحها الكرامة التي تستحقها أي امرأة.
لكن تلك الرغبة أصبحت بداية معاناتهما.
تدخل.
أمسك بيدها أمام الجميع وصرخ:
"إنها حبيبتي. إنها تحت حمايتي. أي شخص يؤذيها سيموت."
في تلك اللحظة… لم يدرك أنه وقّع حكم إعدامه بنفسه.
زوجته، المرأة الجليدية التي اختيرت له، لم تقل شيئًا… لكن النظرة في عينيها حددت مصيره.
وفي تلك الليلة، كُتب قدرهما بحبر مصنوع من الصقيع والدم.
كانت تلك بداية العذاب.
بعد أن أوصل إيلينور إلى مكان آمن، عاد إلى قلعة فروست.
تجمدت ساقاه فور دخوله البوابة.
لقد نُصبت دائرة سحرية عالية المستوى.
كانت عائلة فروست قد نصبت له كمينًا.
أجبروه على الركوع.
ثم بدأ التعذيب.
سُحب إلى غرفة مظلمة لا يمكن رؤية أحد فيها. تم ختم حواسه الخاصة بالمانا والهالة بالكامل.
ثم بدأ الجحيم.
كان أول أنواع التعذيب كسر العظام ببطء… عظمة تلو الأخرى.
امتزجت صرخاته المكتومة بصوت عظامه وهي تتشقق تحت ضغط محسوب.
لم يرسلوا رجلًا قويًا ليقتله، ولا رجلًا ضعيفًا ليشفق عليه.
كل ما سمعه في ذلك الظلام كان تحطم جسده وصوته وهو يتفتت.
ثم انتقلوا إلى ساقه.
لم يكن الكسر مفاجئًا.
انحنت العظمة ببطء، صرير خافت سبق التحطم الأخير، وكأن الألم نفسه تردد قبل أن يغمره دفعة واحدة.
جمدوا أطرافه حتى تفتتت.
أصبح جلده هشًا كورقة خريف جافة، بينما بقيت أعصابه حية رغم كل شيء، لتشعر بكل شرارة من العذاب.
وعندما أذابوا الجليد، اندفع الدم في عروقه كحمم مشتعلة، يعيد الحياة لكل جزء ميت فقط ليؤلمه من جديد.
ثم كسروا عظامه مرة أخرى… ببطء وصبر، كفنّانين يجربون أشكالًا جديدة من التعذيب.
كل زاوية، كل نقطة ضغط، كل ضربة… صُممت لتحطيم روحه قبل جسده.
تحولت صرخاته إلى تمزق للروح نفسها.
وعندما انتهوا… كان لوين ملقى بالكاد حيًا داخل زنزانة باردة.
تباطأ تنفسه.
ثم وصل العقاب الثاني.
أحضروه أمام طفليه، لونا وإيان.
بحثت عيناه المتورمتان في وجهيهما عن الدفء، عن شيء مألوف، عن الحب الذي أغدقه عليهما منذ ولادتهما.
لكنه لم يجد شيئًا.
"أرجوكما… اتركاهم وشأنهم."
وقفت لونا أمامه.
كان وجهها الصغير يحمل قسوة لا ينبغي لطفلة امتلاكها، وعيناها أبرد من صقيع الشمال.
وللحظة، أقنع نفسه أن هذا مجرد خدعة… مجرد وهم من أوهام فروست.
لكن صوتها كان واضحًا، حادًا، بلا رحمة.
"أيها الخادم. نظف هذا المكان."
لقد كان وهمًا نفسيًا صنعته عائلة فروست.
جعلوه يرى نسخًا مشوهة من أطفاله.
مجرد كلمات بسيطة… لكنها طعنته أعمق من أي سيف.
لم تره عيناها كأب.
بل كخادم.
شيء.
عديم القيمة.
بلا اسم.
تاريخ ممحو.
حاول مناداتها باسمها، لكن صوته لم يخرج.
كان جسده يحترق، لكن قلبه هو ما تحطم حقًا.
ثم جاء العقاب الثالث.
جردوه من إنسانيته.
لم يقتلوه.
فالموت كان رحمة.
قيدوه، عاريًا، مسلوبًا ليس فقط من ملابسه بل من كرامته، ثم جرّوه إلى الغابة المتجمدة.
كان الهواء يمزق جلده كسكاكين غير مرئية.
انهار جسده فوق الثلج القاسي.
لم يكن سجنًا.
ولم تكن حتى غرفة تعذيب.
بل كان إعدامًا على يد الطبيعة نفسها.
البرد، الجوع، والرعب تُركوا لينهِوا المهمة ببطء.
لقد علموا أن البرية ستمزقه بوحشية أكبر من أي جلاد.
ثم جاءت الذئاب.
لم تعد أعينها تحمل خوفًا من الفارس الذي كانه يومًا.
لقد رأت فقط لحمًا.
جسدًا ضعيفًا.
وجبة.
وعندما غرست أول أنيابها في ساقه، لم يصرخ.
كان الألم الجسدي لا شيء مقارنة بما تحمله مسبقًا.
تدفق الدم الدافئ فوق جلده المتجمد.
ولم تتعجل الذئاب.
لقد عرفت أن فريستها لا تستطيع الهرب.
لذلك مزقته ببطء.
ومع ذلك… لم يفكر بالموت.
ولم يفكر بالانتقام.
كل ما همس به، عبر شفتيه المرتجفتين، كان:
"سامحوني… لونا… إيان… إيلينور… أنا آسف… لضعفي."
لكن موته لم يكن النهاية.
لم تكتفِ عائلة فروست بذلك.
فموته لم يكن يعني لهم شيئًا.
وفي الأيام التالية… اختفت قرية إيلينور من الوجود.
لم يبقَ جدار قائم.
ولم يبقَ حجر في مكانه.
أُحرقت المنازل حتى لم يبقَ منها سوى الرماد، امتزج مع الثلوج المتساقطة ليصنع مشهدًا رماديًا يشبه بقايا حلم تحول إلى غبار.
لم تكن معركة.
ولم تكن حربًا.
ولم تكن حتى انتقامًا.
بل إبادة محسوبة.
لم ينجُ أحد.
لا الأطفال.
ولا الشيوخ.
ولا النساء اللواتي لم يلتقين بلوين حتى.
لقد كان العقاب أكبر من الحب نفسه.
لكن الكابوس لم ينتهِ.
كان دور لونا وإيان التالي.
وقفا أمام محكمة عائلة فروست.
"اقتلوهما. أزيلوا هذا العار من دمائنا."
كان الحكم واضحًا.
لا رحمة.
لا تردد.
لكن قبل تنفيذ الأوامر، وصل مرسوم.
مرسوم إمبراطوري مختوم بالذهب.
كانت الورقة سميكة، مختومة بدم ملكي أكثر سمية من أي سلاح.
وعندما قُرئ المرسوم بصوت عالٍ، لم يجرؤ أحد على الاعتراض.
"يُمنع إلحاق الأذى بدم الفارس لوين. تُمنح الحماية الملكية للطفلين لونا وإيان."
لم يكن ذلك رحمة.
ولم يكن لطفًا.
كان الإمبراطور صيادًا ينتظر أن تخطئ عائلة فروست، أن تلطخ أيديها بدم محرم، حتى يسحقها باسم العدالة.
الحياة نعم… لكن بلا حياة.
تم تسليم لونا وإيان إلى قلعة فروست تحت الحماية الإمبراطورية، محاطين بجدران عالية وحراس صامتين وسلاسل سياسية.
لكن الحماية لم تكن كافية.
والحياة لم تكن كافية.
لونا، الطفلة الصغيرة التي عاشت تلك اللحظة المرعبة، لم تنسَ أبدًا.
ولم تسامح أبدًا.
كل ليلة كانت تتذكر الوهم الذي فرضوه على والدها، الصوت الذي حطمه.
جرحٌ حُفر عميقًا في قلبها.
أما إيان، الطفل الصغير الذي لم يعرف سوى دفء ذراعي والده، فقد رأى موته في كل كابوس.
لم يكن يعرف التفاصيل، لكنه شعر بها.
البرد.
الخوف.
واليأس الخانق.
لقد منحهم الإمبراطور الحياة… ولا شيء غيرها.
لم يمنحهم عائلة، ولا سلامًا، ولا فرصة للنسيان.
وهكذا انتهت قصة لوين.
أو ربما…
لم تنتهِ بعد.