الفصل 82: عملية الاحتيال المسماة بالزمن
أخذ لويس اللحم المطهو، لكنه لم يبدأ بأكله.
لأنه لم يكن يثق بذلك الطفل المختل عقليًا.
وبينما بدأ يفكر فيما سيفعله باللحم، هل يرميه أم يعطيه لشخص يحتاجه، واصل السير، ثم ألقاه لكلب جائع.
لكن الكلب لم يأكله، واستمر في المشي رغم أن معدته كانت تتلوى من الجوع، ثم سقط ميتًا من شدة الجوع، بينما انهمرت دموعه.
وهنا زُرعت أول بذرة للشك في قلب لويس.
لكن ما لم يكن يعرفه هو أن انشغاله بأمر عديم الفائدة كهذا كان جزءًا من خطة جستر، لأنه لم يرد للويس أن يركز على ما كان يستعد لفعله.
بعدها أعطاه جستر اللحم النيء، وقال له أن يقدمه لشخص يحتاجه أكثر، في مكان يعج بخمسين شخصًا مستعدين لقتل أي إنسان من أجل الطعام.
لكن بشرط واحد:
أن يخرج الشخص الذي يأخذ اللحم من هناك حيًا.
دخل لويس المنطقة التي اختارها جستر.
فرأى طفلًا يتضور جوعًا، وكان أول من فكر في مساعدته.
لكن الحقيقة كانت أن جستر وقف في زاوية محسوبة بدقة، بحيث يوجّه مجال رؤية لويس نحو ذلك الطفل.
وهكذا تحرك لويس نحوه، تقوده خيوط غير مرئية يمسكها جستر.
وعندما أصبح على بعد خمسة أمتار منه، انتشرت رائحة اللحم النيء في المكان الضيق فجأة.
وفي لحظة، وقف الجميع مستعدين للموت من أجل الحصول عليه.
كان هذا المكان يُعرف باسم مدفن مدينة فايرمور.
مكان خُصص للمصابين بالأمراض القاتلة، ولمن لم يتبق لهم الكثير من العمر، ولذوي الأطراف المبتورة والوجوه المشوهة، ولكل من يحمل مرضًا مميتًا.
ظن لويس أن الاختبار سيكون سهلًا.
لكن ما إن دخل، حتى نهض جميع من كانوا يبتسمون للطعام، واندفعوا نحوه بجنون.
فعّل لويس درعًا من المانا، وبدأ يقفز ويتفادى هجماتهم.
وسرعان ما أدرك أن جستر قد أوقعه في الفخ.
…
كان الطفل جستر يستند برأسه إلى شجرة، بينما يسعل دمًا.
"أوه… يبدو أنني لن أعيش طويلًا هنا.
إنها تجبرني على استخدام قوتي."
…
أما لويس، فكان محاصرًا بعشرات الأشخاص الذين يحاولون انتزاع اللحم منه.
ظل يقفز ويصد كل الهجمات التي تُوجَّه إليه.
وفي تلك الأثناء، وقف جستر يراقب بصمت.
ثم رأى خمسة بلطجية يسحبون ذلك الطفل الفقير إلى زاوية بعيدة.
وبدؤوا ينهالون عليه بالضرب.
كانوا رجالًا بالغين يضربون مراهقًا أعزل.
"أأنت ابن تلك العاهرة كوهان؟"
انهالوا عليه بالركلات من كل اتجاه.
امتلأ جسده بالكدمات.
تكسرت أسنانه.
وسال الدم من كل جزء فيه.
أما بقية المرضى، فقد وقفوا يضحكون عليه.
إلى أن قطع ضحكةٌ مجنونةٌ أصواتهم.
"هاااا… هاهاهاهاها…"
دخل جستر ببطء، وألقى سكينًا نحو الطفل، الذي كان يحتضن موته يائسًا.
التفت الجميع.
ورأوا الطفل ذا الأعوام الخمسة.
وفجأة…
انفجر الرعب في قلوبهم.
وبدؤوا يتقيؤون بصورة مقززة.
فعلى السطح كان مجرد طفل.
لكن من يعملون في عالم الظلام كانوا يعرفون جيدًا من يكون.
في الماضي، حين كان صغيرًا، مُنح لقبًا غريبًا بين رجال العالم السفلي.
الوحش عديم الوجه ذو التنورة السوداء.
وكان مشهورًا بأفعاله المجنونة.
لم يجرؤ أحد على التحرك.
لأنهم يعلمون أنه إن غضب…
فالجحيم سينزل عليهم.
في العام الماضي، قام بغلي مجموعة من البلطجية مع زعيمهم في ماء مغلي.
ثم قلاهم في الزيت.
وأطعم لحومهم لكلابه أمام أعينهم.
فقط لأنهم حاولوا العبث معه بعدما هدد تجارتهم في سوق اللحوم.
ذلك المشهد حطم حياتهم.
وأصبح كابوسًا سيلازمهم إلى الأبد.
وربما كان أحد الأسباب التي جعلت عقولهم تبدأ بالانهيار.
تكلم جستر بهدوء:
"أمنحك خمس ثوانٍ.
خذ هذا السكين.
واقطع إصبعين من كل شخص يقف هنا.
ثم خذ حقك."
نظر الطفل إليه.
أمسك السكين.
ونهض.
حاول الهرب…
لكنه سقط.
لم يكن ينقصه الجسد.
بل الشجاعة.
كان جوعه وضعفه نتيجة عقليته.
رفض أن يقتل.
رفض أن يسرق.
رفض أن يصبح المخلوق الذي يتطلبه هذا المكان كي ينجو.
كان يريد أن يعيش بسلام…
في أرض مات فيها السلام منذ زمن بعيد.
السمكة ليست ضعيفة لأنها لا تستطيع عبور الصحراء.
لكن الصحراء أيضًا لا تهتم إن عاشت السمكة أم ماتت.
سقط الطفل ببطء.
أما البلطجية…
فبدأوا يتقيؤون.
أحس جستر أن لويس قد وصل أخيرًا.
فقرر إنهاء هذا المشهد من مسرحيته.
"إن قتلتم هذا الطفل جميعًا…
فسأسمح لكم بالرحيل."
اندفع أحدهم بسرعة.
وفي اللحظة نفسها وصل لويس.
رأى ذلك المشهد المقزز.
وحاول إنقاذ الطفل والفوز بالاختبار.
لكن كل ما رآه…
هو الطفل مقتولًا.
والجميع يتقيؤون بصورة مقرفة.
فسقط لويس على ركبتيه، يتقيأ هو الآخر.
ثم استعاد توازنه تدريجيًا، وأمسك جستر من ملابسه.
"ماذا فعلت؟!"
وانهال عليه باللكمات في هستيريا.
تلألأت عينا جستر باللون القرمزي.
تحمل الضربات بلا أي تعبير.
وحين ملّ…
لكم لويس في رأسه، ثم أعاد قبعة المهرج إلى رأسه.
وقال:
"ألم أقل لك؟
الخلاص مجرد عملة اخترعتها.
ولهذا أبيع الأخلاق لكل أنواع البشر."
صرخ لويس:
"ما الذي تحاول قوله أيها الشيطان؟"
ابتسم جستر.
"أنت تعرف الإجابة بالفعل.
الأشرار يجذبون الصالحين… والصالحون يصنعون أشرارًا. والأشرار بدورهم يخلقون صالحين جددًا… وهكذا تستمر الدائرة إلى الأبد."
"لا… هذا مستحيل."
تمتم لويس وهو يرتجف.
لحم كلب… مزرعة…
كيف لطفل صغير أن يفعل كل هذا؟
وفجأة اتسعت عيناه.
"أوه…
لقد فهمت أخيرًا."
قالها جستر.
"لم تكن ذكرى."
وفجأة…
كبر جسد جستر الصغير، ليصبح في هيئة فتى يبلغ الخامسة عشرة.
"سأغادر الآن.
أمك تدفعني إلى أقصى حدودي.
إن لم أقاتل بكل ما لدي…
فسأموت."
"أمي؟!!"
تجمد لويس في مكانه.
ثم اجتاحه إدراك مرعب.
وامتلأ قلبه بالخوف والقلق.
واندفع نحو جستر.
لكن الأخير بدأ يتلاشى ببطء وسط الضباب.
"اللعنة…
يجب أن أنقذ أمي!
لم يكن هذا اختبارًا…
ولا ذكرى.
بل كان جستر الحقيقي نفسه.
كيف دخل إلى هنا؟
ومتى وصل؟"
وهكذ
ا…
أدرك لويس خطة جستر.
لكن بعد فوات الأوان.
فقد كان جستر قد تلاعب به لكسب الوقت.
كان موجودًا في مكانين في آنٍ واحد:
الأول يقاتل والدة لويس.
والثاني داخل الاختبار الثاني…
وكل ذلك كان جزءًا من خطته الأساسية.
ويبقى سؤال واحد فقط:
لماذا كان جستر موجودًا داخل مكتبة المعرفة؟