الفصل 34: الطفولة والمصاصات
بعد أن التقط جين وجوزيف أنفاسهما وتبادلا بعض الكلمات، بدأت حدة القتال تتلاشى تدريجيًا.
استند الاثنان على بعضهما بخطوات ثقيلة حتى وصلا إلى باب متجر صغير. أدخل جين يده في جيبه واشترى مصاصتين بسبعمئة وون، واحدة بنكهة الكولا والأخرى بالفراولة. كانت الفراولة المفضلة لدى جين، بينما لم يكن جوزيف يحب المصاصات حقًا، لكنه لم يمانع أخذ نكهة الكولا.
تمتم جوزيف متذمرًا:
"أنت تهدر مالنا يا جين."
ابتسم جين بخبث، ثم دفع مصاصة الكولا داخل فم جوزيف وقال ببرود:
"اصمت."
كاد جوزيف يختنق، وبدأ يسعل بشدة.
"كح، كح! ماذا تفعل أيها الوغد؟!"
"أغلق فمك القذر."
ثم أخرج جين مصاصته الخاصة، نزع غلافها ووضعها في فمه، بينما أدخل يده اليمنى في جيبه.
"هيا، لنذهب لرؤية نونا."
سارا معًا بمحاذاة البحر، والنسيم المالح يلامس وجهيهما. بدأ جين يضايق جوزيف بخبث، دافعًا إياه نحو الحافة. وفجأة أشار إلى الأمام وقال:
"انظر يا جوزيف! امرأة شقراء مذهلة بعيون زرقاء… ترتدي بيكيني!"
استغل جين الفرصة ودفع جوزيف مباشرة إلى البحر.
"هاهاهاهاها! انظر إلى نفسك! ألم تكن قبل قليل تتحدث عن حبك لنونا ورغبتك بالزواج منها؟ أين ذهبت أخلاقك الآن؟"
"كنت فقط أتأكد إن كانت تحتاج معطفًا لأن الجو بارد."
"أتتوقع مني أن أصدق ذلك؟! نحن في الصيف!"
ارتفع صوت جوزيف الغاضب بينما كان يسبح نحو الشاطئ.
"اللعنة عليك يا جين! إذا أمسكت بك سأحطم ظهرك!"
وفور وصوله إلى اليابسة، اندفع نحوه.
"تعال يا سيد الرومانسية! المسني فقط، وسأكون أنا من يركلك اليوم!"
"إذا كنت ستضربني، فلماذا تهرب مني يا جين؟ لنحل الأمر كالبالغين. أنت تعلم أنني لست ضيق الأفق!"
انطلق الاثنان عبر الأزقة بسرعة تفوق الرياضيين المحترفين. كانت أجسادهما مختلفة دومًا، استثنائية جسديًا وذهنيًا، لكن لا أحد عرف السبب.
قفز جين بخفة مبتعدًا وهو يضحك، لأنه كان يعرف قوة جوزيف. لو أمسكه فعلًا، فسيسحقه.
السيدة التي ربتهما في دار الأيتام لم تجرؤ أبدًا على كشف الحقيقة، خوفًا على حياتهما.
تم العثور على جين رضيعًا أمام باب دار الأيتام دون أي تفسير، بينما وصل جوزيف في الرابعة من عمره بعد أن قيل إن والديه ماتا في حادث تحطم طائرة. ولعدم وجود أقارب يتكفلون به، أخذته صاحبة الدار الطيبة دون تردد.
صرخ جوزيف وهو يلاحق جين بجنون:
"إذا لم ألقنك درسًا اليوم، فأنا لست رجلًا!"
ركض جين وكأن حياته تعتمد على ذلك، قافزًا فوق الدرجات الثلاث أمام مطعم بحركة واحدة. اندفع إلى الداخل وهو يلهث، ممسكًا بالباب الزجاجي وكأنه خط النهاية.
رن الجرس المعلق فوق الباب، وظهرت نونا من خلف الطاولة.
أبعدت شعرها الأسود الطويل عن وجهها، كاشفة عن عينين داكنتين عميقتين محددتين بكحل حاد يلمع ببرودة قاتلة.
كانت ترتدي قميصًا أبيض تحت سترة داكنة أنيقة منحتها حضورًا رسميًا ومتمردًا في الوقت نفسه.
على يدها امتدت وشمة وردة سوداء قليلًا مع حركة أصابعها، بينما رفعت سيجارة إلى شفتيها، والدخان يدور حولها كضباب يعلن وصولها.
لمعت حلقة معدنية في أذنها، وتدلت جوهرة داكنة من عقدها، مضيفة هالة أكثر غموضًا.
ملامحها الرقيقة وشفاهها الشاحبة لم تحمل أي ابتسامة، فقط تلك النظرة الباردة المثقلة بأعباء الحياة، وكأنها تحمل فوق كتفيها أكثر مما ينبغي.
أطفأت سيجارتها، ثم رفعت حاجبها بدهشة.
"ما الأمر يا جين؟ تبدو وكأن وحشًا يطاردك!"
وقبل أن تمر ثانية واحدة، اقتحم جوزيف المكان، وثيابه لا تزال تقطر بماء البحر، وشعره ملتصق بجبهته، ووجهه متجهم.
"أين أنت أيها الوغد؟!"
تنهدت نونا واضعة يديها على خصرها.
"مرة أخرى؟ ما المشكلة هذه المرة؟ هل قررتما إغراق بعضكما؟"
حاول جين كتم ضحكته، واضعًا يديه خلف رأسه.
"هيه… نونا… كان يعانق امرأة على الشاطئ، مدعيًا أنه يدفئها لأنه لم يجد لها معطفًا."
احمر وجه جوزيف فورًا، وصرخ غاضبًا وهو يندفع نحو جين:
"توقف عن قول الهراء!"
لكن نونا رفعت الملعقة الخشبية الطويلة التي كانت تحملها وضربتهما بها.
"أيها الأحمقان…!"
صرخ الاثنان معًا:
"آآآه!"
دون اكتراث، نزعت نونا المصاصة من فم جوزيف ووضعتها في فمها.
تجمد جوزيف في مكانه، ووجهه تحول إلى وردي خفيف. لم ينطق بكلمة أو يعترض، بل أشاح نظره وكأن الأمر لا يعنيه، رغم أنه سرق نظرة سريعة نحوها، يراقب شفتيها تتحركان ببطء حول المصاصة، بينما قلبه يخفق بقوة كأنه على وشك الانفجار.
مصّت نونا المصاصة برفق، ثم أمالت رأسها بقليل من الفضول.
"هممم… نكهة الكولا… المفضلة لدي."
ابتلع جوزيف ريقه بصعوبة، والحرارة ارتفعت إلى وجنتيه حتى كاد صمته يفضحه.
أما جين، فكان يراقب المشهد بابتسامة ماكرة، يهمس لنفسه مستذكرًا كلمات معينة.
"ألم تقل إنني أهدر مالنا يا جين…؟"
لم يرد جوزيف، فسخر جين:
"ألست قادرًا على الكلام يا جوزيف؟"
لكن نونا اكتفت بابتسامة جانبية باردة وأشارت بحزم نحو المطبخ.
"بدلًا من محاولة إغراق بعضكما، ساعداني في المطعم."
ثم أشارت نحو جين.
"أنت ستصنع البرغر."
وأشارت إلى الآخر.
"وأنت يا جوزيف… ستساعدني في تنظيف المكان."
دخل الثلاثة إلى الداخل. كان المطبخ ممتلئًا بحرارة الموقد ورائحة التوابل. وقف جين أمام الطاولة الخشبية وكأنها ساحة معركة، وعلى وجهه ابتسامة واثقة.
"استعدوا لتذوق برغر لا مثيل له."
أخرج وعاءً كبيرًا ووضع فيه لحمًا مفرومًا طازجًا، ثم رش الملح وملعقة من الفلفل الأسود. أضاف حفنة من البصل المفروم ناعمًا، ورشة من مسحوق الثوم، ولمسة خفيفة من البابريكا الحمراء لمنح نكهة مدخنة. أمسك بالبقدونس الطازج من الطاولة، قطعه بسرعة وخلطه مع المزيج.
بيدين معتادتين، شكّل قطع اللحم، ضاغطًا عليها بما يكفي لتتماسك. أشعل المقلاة الحديدية، وسكب قليلًا من الزيت، وما إن لامست قطع اللحم السطح الساخن حتى امتلأت الغرفة بصوت الأزيز وتصاعد البخار العطر.
وضع شريحة جبن فوق كل قطعة قبل أن تنضج بالكامل، تاركًا إياها تذوب ببطء إلى طبقة ذهبية. وفي الوقت نفسه، قطع الطماطم والخس بسرعة، ثم حمص خبز البرغر حتى أصبح ذهبيًا ومقرمشًا.
وأخيرًا، رتب كل شيء بعناية: الخس أولًا لحماية الخبز، ثم شريحة الطماطم، تليها قطعة اللحم الغنية بالعصارة والمغطاة بالجبن الذائب، وأخيرًا ملعقة من صلصته الخاصة المكونة من الكاتشب ولمسة مايونيز ورشة خردل.
تراجع جين خطوة، رافعًا البرغر كما لو كان تحفة فنية.
"ها هو… برغر جين الأسطوري."
جوزيف، الذي كان ينظف بجانب نونا، لم يستطع منع نفسه من ابتلاع ريقه وهو يشاهد. أما نونا فابتسمت ابتسامة خفيفة.
"لنرَ إن كان مذاقه جيدًا بقدر هذا العرض."
ابتسم جين بثقة.
"هذا البرغر ليس سوى وعاء لموهبتي."
وبعد أن تذوقته، وضعت نونا الملعقة جانبًا مبتسمة.
"لقد تطورت كثيرًا منذ المرة الماضية يا جين… لم أتوقع أن يكون الطعم مثاليًا هكذا."
ثم ضحكت بخفة وأضافت:
"يبدو أن المرأة التي ستتزوجك ستكون محظوظة حقًا."
اقترب جين من جوزيف بابتسامة خبيثة وهمس بحيث لا يسمعه سواه:
"أرأيت؟ لو كنت علمتك الطبخ منذ وقت أبكر، لكنت حصلت على قبلة بالفعل."
"حسنًا حسنًا، أنت محق يا أيها الوسيم متعدد المواهب."
"إنه يشبهني فعلًا…" همست روح جين البالغة، تلك التي اندمجت مع لين وأصبحت تعيش بداخله، بينما كانت تحدق في ذكرياتها.
ومع ذلك، خلف كل تلك المشاهد السعيدة، كانت روحه تنبض بالألم من الذكريات الضبابية التي تتسرب كشظايا، بينما بدأ عقله ينفتح ببطء على صور تنفجر داخله بلا رحمة. كل لحظة بدت وكأنها تعيد إليه شيئًا ثمينًا فقده…
شظايا متناثرة تتحد لتكشف حقيقة واحدة:
هويته الضائعة.