الفصل الثلاثون: العجوز مجدداً
بينما كنت أجاهد لأركيز ذهني، اخترق صوت تدريبي قائلاً: "أنت…"
تجمدت في مكاني، بينما اخترق الصوت ضباب تركيزي. بدا مألوفاً كأنني سمعته مؤخراً. التفت لأرى مصدر الصوت، وهناك، على بعد بضع خطوات، كان يقف العجوز الذي تشاركت معه وجباتي في معسكر التدريب.
نظر إلي بمزيج من الفضول والاهتمام، وقد أضاء ضوء القمر وجهه المطبوع بتجاعيد الزمن. سأل بصوت لطيف لكنه حازم: "ما الذي تفعله هنا في هذا الوقت ايها الفتى؟"
مسحت العرق عن جبيني محاولاً التقاط أنفاسي. أجبت ببساطة بينما شعرت بثقل إرهاقي يتسلل إلي: "أتدرب."
"أرى ذلك."
تجوّلت عيناها العجوز فوق جسدي، مدققتين في كل شبر من هيئتي بنظرة فاحصة. استقرت عيناه طويلاً على عيني اليمنى، ولوحة خافتة من التعرف والقلق عبرت وجهه. كنت أعرف السبب. لقد كانت الندبة -الحديثة والتي لا تزال طرية- التي شوهت الجلد أسفل عيني مباشرة، تذكاراً قاسيًا لقائي مع 'فارس الريح'.
قال برفق وبصوت مشوب بمزيج من الشفقة والفضول: "تلك الندبة.. إنها جديدة."
أومأت برأسي بينما اشتد فكي. "هدية من 'فارس الريح'."
ضيّق العجوز عينيه قليلاً كأنه لم يفهم ما أقصده. كان ذلك مفهوماً، إذ كان ذلك الاسم لقباً أطلقته على ذلك الفارس. شيئاً شخصياً يخصني وحدي.
ومع ذلك، هز رأسه ببطء. "يبدو أنك نلت نصيبك الوافر من ساحة المعركة."
عند سماعه يقول هذا، لم أجب. لم تكن هناك حاجة لقول أي شيء، إذ لم يكن ذلك بالأمر المهم.
"لكن إرهاق نفسك بهذه الطريقة لن يساعدك على التخلص من ألمك." ومع ذلك، كانت هناك لمسة خفيفة من اللطف في كلماته. شيئاً لم أتمكن من إدراك سببه تماماً.
بقيت صامتاً، ومثّبت نظراتي على العجوز بينما كان يدرسني. كان قلقه واضحاً، لكنني لم أكن في مزاج يسمح لي بإجراء حديث قلبي. ليس الآن، ولا في أي وقت مضى. لقد علمتني ساحة المعركة أن أبقى مشاعري مدفونة في أعماق لا يمكن استخدامها ضدي فيها.
تنهد العجوز، مستشعراً ترددي في الكلام. قال بصوت منخفض ولطيف: "في بعض الأحيان.. للتخلص من النيران بداخلك، تحتاج إلى مشاركتها مع شخص آخر."
تيبست عند كلماته، ولوحة من الانزعاج عبرت وجهي. أجبت بصوت بارد ومتباعد: "لست بحاجة لمشاركة أي شيء. أنا بحاجة للتدرب فقط."
رفعت رمحي مرة أخرى، مستأنفاً تماريني بشدة متجددة. كانت الحركات الإيقاعية للسلاح راحة مألوفة، وسيلة لإغراق الضوضاء في رأسي. ولكن حتى أثناء التدريب، كان بإمكاني أن أشعر بعيني العجوز علي، وكان حضوره تذكرة هادئة للكلمات التي تلفظ بها.
هز رأسه ببطء، وهو يراقبني بمزيج من الشفقة والفهم. "التدريب مهم يا بني، لكنه ليس كل شيء. لا يمكنك حمل كل هذا الألم وحدك. إنه عبء ثقيل للغاية."
تجاهلته، مركّزاً على الحركات الدقيقة لرمحي. كانت كل طعنة وتصدي وسيلة لتفريغ إحباطي وغضبي وألمي.
لم أكن بحاجة لشفاقته أو نصيحته.
لا. لم أكن أشفق على أي شخص في هذا العالم.
هذا العالم الذي كان قاسياً معي، ليس مرة واحدة ولا مرتين، بل عدد لا يحصى من المرات، وكل هؤلاء الناس الذين راقبوا كل شيء دون أن يقفوا بجانبي.
وعندما عثرت أخيراً على مكان شعرت فيه أنني أتنتمي إليه، اختفى مرة أخرى.
في هذه المرحلة، لو لم أكن قد فهمت ذلك، لكنت مجرد أحمق غبي حقاً.
'أنا وحدي تماماً.'
هذا هو كل ما في الأمر. لا أكثر ولا أقل.
لذا، لم تكن هناك حاجة للشفقة أو أي شيء آخر.
ظل العجوز صامتاً لفترة، واقفا مكانه فحسب، وكان حضوره قوة ثابتة لا تتزعزع. وأخيراً، تحدث مرة أخرى، بصوت ناعم لكنه حازم. "أنت تذكرني بشخص عرفته منذ زمن بعيد. هو أيضاً ظن أنه يستطيع التعامل مع كل شيء بمفرده، وأنه لا يحتاج إلى مساعدة أي شخص. لكنه كان مخطئاً."
توقفت، واشتد قبضتي على الرمح. لقد ذكرني ذلك بيومنا الأول عندما التقينا. على الرغم من أنه كان لقاءً موجزاً، إلا أنه روى قصة مشابهة في ذلك الوقت أيضاً.
اخترقت كلماته ضباب تركيزي، محركة شيئاً عميقاً في داخلي.
"أتعلم لماذا كان مخطئاً يا بني؟"
"لا تسألني."
أصر العجوز بنبرة لطيفة لكنها ملحة. "أتعلم لماذا؟"
كان هناك شيء في طريق كلامه جعل من الصعب علي الرفض. ورغم رغبتي في إبعاده، وجدت نفسي أجيب. "أهلل لأنه لم يكن قادراً على حمل العبء بمفرده؟"
هز العجوز رأسه ببطء، وابتسامة خافتة ترتسم على شفتيه. "لا، لم يكن الأمر كذلك. السبب في خطئه هو أنه كلما اعتقد أنه بحاجة للقيام بكل شيء بمفرده، كلما جعل العالم بأسره حوله يدور حول نفسه فقط. أصبح عالمه متمحوراً حوله وحده؛ وكان يظن دائماً أن العالم موجود لينال منه. واعتقد أن الجميع أرادوا دائماً الوقوف ضده."
عبست، محاولاً فهم معنى كلماته. "ماذا يعني ذلك؟"
تابع العجوز قائلاً: "يعني أنه في عملية القيام بذلك، عمى نفسه. عمى نفسه عن مصائب الآخرين، وكان هناك أشخاص آخرون مثله. أشخاص كانوا يكافحون ويعانون ويخوضون معاركهم الخاصة. لكنه لم يستطيع رؤية ذلك لأنه كان مركزاً بشكل مبالغ فيه على ألمه وصراعاته الخاصة."
شددت قبضتي على الرمح، بينما تردد صدى كلماته بشكل مزعج بداخلي. "إذن أنت تقول إنه بمحاولته التعامل مع كل شيء بمفرده، أصبح أنانياً؟"
أومأ العجوز برأسه. "نعم، بطريقة ما. لقد استهلكته أعباؤه لدرجة أنه لم يعد يرى الصورة الأكبر. لم يستطيع أن يرى أن هناك آخرين يمكنهم مشاركته الحمل، والذين يمكنهم فهمه ودعمه. وفي عزله لنفسه، فقد بصره عن الروابط التي كان من شأنها أن تمنح حياته معناً أكبر."
عبست تجاه كلمات العجوز، محاولاً استيعاب التداعيات. كانت عيناه، على الرغم من تجاعيدهما وإرهاقهما، تخترقان عيني بحدة تجعل من الصعب إبعاد نظري عنهما.
تمتمت بصوت بالكاد يُميز: "لا أحتاج إلى مساعدة أحد. لقد تمكنت من تدبر أمري بمفردي طوال هذه المدة."
ضحك العجوز بخفة، وكان صوت همهمته المنخفضة يبدو وكأنه يهتز عبر الهواء. "أه، تظن أنك تدبرت أمرك، أليس كذلك؟ ربما نجيت. ولكن هل عشت حقاً يا بني؟"
جرحت كلماته أعصابي، ولم استطع إلا أن أرد بحدة. "ما الذي تفهمه في هذا الشأن؟ أنت لا تعرف شيئاً عني."
أجاب وابتسامة خبيثة تلعب على شفتيه: "ألا أعرف؟ لقد رأيت الكثيرين مثلك، مقتنعين بأن ألمهم فريد من نوعه، وأنه لا يمكن لأي شخص آخر فهمه. لكن الألم يا بني هو التجربة الأكثر شمولاً بين جميع التجارب."
أطبقت على فكي، واشتدت قبضتي على الرمح. قلت من بين أسنان مطبقة: "لا أحتاج إلى محاضرة. أنا بحاجة فقط لأن أصبح أقوى."
تأمل العجوز قائلاً، وعيناه تلمعان بتلميح من المشاكسة: "آه، القوة. أخبرني، هل تعتقد أن القوة تتعلق مجرد بالعضلات والمهارة؟ هل تتعلق بالتلويح بررمح حتى تتألم ذراعيك ويتصبب جسدك عرقاً؟"
لم أجب، لكن صمتي بدا وكأنه يسليه.
وتابع قائلاً: "القوة، القوة الحقيقية، تأتي من الفهم. فهم حدودك الخاصة حدود الآخرين. وفهم أن القوة الأعظم أحياناً تكمن في السماح لنفسك بأن تكون ضعيفاً."
تهكمت على ذلك، غير قادر على إخفاء احتقاري. "الضعف هو عين الهوان."
سأل رافعاً حاجبه: "أحقاً كذلك؟ أخبرني، أيهما أقوى: من يخفي جروحه ويعاني في صمت، أم من يتحمل ندوبها ويسعى للحصول على الدعم الذي يحتاجه للشفاء؟"
استدرت مبتعداً، غير راغب في ملاقاة نظراته. كانت كلماته تصيب وطراً حساساً في داخلي، محركة مشاعر لم أكن أريد الاعتراف بها. "ليس لدي وقت لهذا."
لقد كان الأمر مزعجاً لدرجة أنني كنت أفكر حتى في مغادرة هذا المكان. جئت إلى هنا للتخلص من الأفكار العبثية التي كانت ترافق رأسي، وها قد قوبلت بمحاضرة بدلاً من ذلك.
'مزعج. ولكن لماذا ما زلت أبقى هنا حتى الآن؟'
سألت نفسي بينما قبضت على الرمح في يدي. الآن بعد أن فكرت في الأمر، هل كانت هناك حاجة لي لأقف هنا؟
'ولكن، لماذا أرحل؟ ليس الأمر كأنني فعلت شيئاً خاطئاً.'
لسبب ما، جعلني شعور محاولة تغيير الأماكن أشعر وكأنني أهرب من كلمات العجوز.
وكان ذلك مزعجاً.
"….." وهكذا، دون رد، قررت التقاط رمحي والمتابعة. ولكن هذه المرة، ركزت بشكل أكبر على مركز جسدي وتقنيتي بدلاً من التلويح بلا مبالاة.
حتى اللحظة التي سمعت فيها العجوز يقول:
"الرمح ليس سلاحاً يناسبك."