الفصل 724: ثقل الندم
هوت السفينة المتهالكة من عتمة السماء الحمراء القاتمة، واصطدمت بالتمثال العملاق الفولاذي الشاهق تحت وهج القمر القرمزي الغريب. ضربت مقدمة السفينة المدرعة -المصممة للإختراق-صدر العملاق بقوة هائلة لدرجة انبثاق وميض ساطع من الضوء، ثم اجتاحت موجة صدمة عاتية أرجاء الجزيرة، لتطرح ساني أرضًا بعنف.
دوّى هدير الاصطدام الصام للآذان لحظة سقوطه.
وبينما كان ساني يتدحرج على الأرض، هاجمت مسامعه فرقعة الانفجار المدوية، وأنين الخشب المحطم، وعويل المعدن الثقيل الممزق المزلزل.
نهض على ركبتيه وهو مذهول ومشوش، ثم ترنح قليلًا ونظر إلى الأعلى.
ما رآه جعله يشحب.
كانت سفينة الساحر ملقاة محطمة على الأرض. تكسرت الخطوط المنسابة لهيكلها الرشيق وانفتحت فيه خروق مروعة، بينما انتشرت شقوق عريضة عبر الخشب العتيق. تحطمت مقدمة السفينة بالكامل، وكان الضرر في الجزء الأمامي منها بالغ الشدة بوجه خاص. وبدت الشجرة البديعة التي نمت حول صاريها الرئيسي متضررة و… ميتة.
ولم يكن لكاسي أي أثر.
وعلى حافة الجزيرة تمامًا، جثا أمير الشمس بعدما ارتد إلى الخلف. كان التمثال العملاق الفولاذي يترنح بصورة خطيرة، قابضًا على وجهه بيده الوحيدة المتبقية. وفي المكان الذي ضربته فيه مقدمة السفينة، تهشم صدره وانشق، لتتدفق أنهار من المعدن المصهور من ذلك الجرح المروع.
وفي أعماق الجرح المتوهج بفعل الحرارة الشديدة، تكشف قفص صُنع على هيئة جسد بشري.
كان القفص متصدعاً بعض الشيء أيضاً، وبدت يدٌ متفحمة تحاول التشبث بالحواف وتمزيقها؛ وتحت أصابعها، كان المعدن ينثني وكأنه قماش، متمزقاً ببطء.
ارتجف ساني، ثم أعاد بصره إلى حطام السفينة الطائرة.
'كاسي… أين كاسي…'
لم يستطع رؤية الشابة العمياء في أي مكان بين الحطام.
لكن… رأى ساني شخصًا آخر.
هوى جسد مضرج بالدماء فجأة من الأعلى، وارتطم بالأرض مرتدًا ليصطدم بهيكل السفينة، مسببًا ظهور المزيد من الشقوق على سطحه. ذو شعر أسود كالغراب، وبشرة شاحبة… كان نوكتيس.
لم تكن حالة الساحر تبشر بالخير.
كان جسده بالكامل مغطى بالدماء، وجراح مروعة فاغرة تنتشر في انحاء جسده. وتحطم وجهه الجميل وتشوّه، حيث تشققت البشرة وبرزت العظام البيضاء من تحتها، بينما كان أحد محجري عينيه فارغًا يملؤه الظلام.
ومع ذلك، كان لا يزال على قيد الحياة… بالطبع، كان كذلك.
فلم يكن بمقدور نوكتيس الفرار من الألم إلى أحضان الموت الرحيمة حتى لو أراد ذلك.
وبينما كان ساني يراقب وقد تجمد مكانه للحظة، ومض شيء في الهواء، وظهر قوام رشيق لجزء من الثانية أمام الساحر، بشعر كستنائي جميل يرقص في مهب الريح.
وفي اللحظة التالية، انفجر جزء كبير من هيكل السفينة عندما دُفع نوكتيس عبره بضربة شرسة. واختفى كِلا القديسين في ظلام السفينة العتيقة التي اهتزت بعنف، منذرة إلى استمرار معركتهما المروعة.
تصلب ساني، ناظرًا بين التمثال العملاق المترنح وحطام السفينة القديمة. فرغ عقله تمامًا، ولم يدرِ ما الذي ينبغي عليه فعله…
أو بالأحرى، لم يستطع تحديد ما يحظى بالأولوية.
لكن لم يكن هناك متسع من الوقت للاختيار.
كزّ على أسنانه ونظر حوله، باحثًا عن رفاقه.
بدا كاي فاقدًا لوعيه جزئيًا جراء الانفجار، لكن إيفي كانت تقف على قدميها بالفعل، وتحدق في الاتجاه ذاته الذي كان ينظر إليه.
وكانت تعلو وجهها ملامح صارمة.
أنّ ساني، ثم وقف ببطء.
"إيفي… هل من… هل من أفكار؟"
ترددت للحظة، ثم رمقته بابتسامة باهتة.
"أظن أن الوقت قد حان…"
عقد حاجبيه.
"حان وقت ماذا؟"
رمقت الفتاة الشابة الحطام بنظرة، ثم قالت بشيء من التحسر:
"أتعلم، تلك اللحظة في الأفلام، حين يقول أحدهم: فلنفترق!"
حدق ساني فيها، دون أن يفهم ما ترمي إليه تمامًا.
انتقلت نظرات إيفي ببطء نحو التمثال العملاق الجاثي، وقالت بنبرة ثابتة:
"أعطني السكين… الياقوتي. سأتولى أمر ذلك الوغد الضخم. اذهب أنت وكاي وابحثا عن كاسي، ثم ساعدا ذلك المعتوه… بهذا الترتيب. فهو ن يموت في أي وقت قريب على أي حال…"
حدق فيها من أعلى، والظلال الكثيفة تحجب عينيه. كان لدى ساني الكثير ليقوله… لكنه في النهاية، اكتفى بالسؤال:
"هل أنتِ متأكدة؟"
ضحكت الفتاة الشابة.
"ألا أبدو متأكدة؟ اهدأ يا أهبل… إنه مجرد متسامٍ خالد فحسب. من الأفضل أن نتعامل مع ذلك الشيء قبل أن يفلت من القفص، على أية حال…"
كزّ ساني على أسنانه، ثم استدعى صندوق الجشع وناول إيفي السكين التي حصلوا عليها من المخلوق في البحيرة.
لم يكن هناك وقت لقول أي شيء آخر، ولا داعي له. أخذت إيفي السكين، وقبضت على معصمه للحظة، ثم انطلقت راكضة دون أن تلتفت إلى الوراء.
ساعد ساني كاي على الوقوف، ثم سارع -وهو يسند الرامي الذي كان يعاني من فقدان التوازن- نحو حطام السفينة المتحطمة. وبينما كانا يركضان، ارتسمت تعبيرات قبيحة على وجهه الشبيه بوجه الوحش.
'إياكِ وأن تموتي، يا عالة… فكبسولة النوم الخاصة بكِ لا تزال في منزلي، تباً! هل تعلمين أصلاً حجم العناء في التخلص من جثة بشكل لائق… إن كان لديكِ أي ضمير، فستبقين على قيد الحياة!'
…خلفه، ركضت إيفي نحو حافة الجزيرة، مستدعية شظية الغسق. ومع تطاير دوامة الشرر حول يدها، قفزت عاليًا وحطت على عمود ساقط يستلقي موازيًا للأرض ويرتفع قليلًا عند طرفه الأقصى.
اندفعت الفتاة الشابة عبر العمود الطويل، ثم وثبت عاليًا في الهواء بكل ما أوتيت من قوة هائلة، طائرة مباشرة نحو صدر العملاق الجاثي.
وأثناء طيرانها، فعّلت إيفي التعويذة الوحيدة للدرع الثقيل.
[صُنع هذا الدرع من شظية نجم ساقط، وهو يحمل ثقل السماوات. واعتمادًا على قلب حامله، قد يكون خفيفًا كالريشة أو ثقيلًا كالندم.]
صبّت جوهرها في الذكرى، لتجعلها تبدو ثقيلة كالجبل في قبضتها.
وبعد لحظة، اصطدمت إيفي بالتمثال العملاق بكل ذلك الثقل.
لم يكن الاصطدام مدمرًا كاصطدام السفينة حين أسقطتها كاسي من السماء.
ولكن بما أن أمير الشمس لم يستعد توازنه بعد، فقد كان كافيًا لدفع الجزء العلوي من جسده إلى الخلف قليلًا.
…وكان ذلك المقدار الضئيل كافيًا لإسقاط أمير الشمس متهاويًا.
وبعد ثوانٍ معدودة، غاب كلاهما عن الأنظار — العملاق الخالد والفتاة الصغيرة — وهما يهويان من فوق حافة الجزيرة.
إلى الأسفل، نحو ظلمات السماء السفلى الخاوية.