الفصل 624: يوم جديد
تردد إلياس للحظة، ثم ابتسم إلى ساني بحزن.
" لا بأس… لا بأس يا شيطان. شكرًا… شكرًا لأنك أوصلتنا إلى هذا الحد. أمّا الآن، فقد حان دوري. هذه فرصتنا. هذا ما حاربنا من أجله طوال هذا الوقت، أليس كذلك؟ الحكايات التي روتها لي أمي كانت حقيقية… سأحرّرنا! سترى بنفسك. سيرشدني لورد النور…"
ثم مدّ يده وأخذ السكين الخشبي من يد سولفان، وامسكه بإحكام.
ابتسمت الكاهنة بإشراق وتراجعت إلى الوراء. تلألأت عيناها الجميلتان بالابتهاج، وانطلق صوتها في ظلمة الليل الآخذ في الزوال، مفعمًا بالرجاء والشوق:
“كن شجاعًا يا فتى. الملوك تراقب!”
قاوم ساني القوة الساحقة التي ألقته أرضًا بكامل قوته، لكن دون جدوى. لم يستطع سوى اخراج زئير مكتوم من فمه…
على بعد خطوات قليلة، وقف إلياس مستقيمًا، وحدّق بثبات في عيني المتسامية الخالدة، ثم اتخذ وضعية قتال. كان يعلم ما يفعله، ففي النهاية… كانت موهبة الشاب تضاهي موهبة ساني في سنه، أو ربما تفوقها.
قد منحته شهران من القتال اليومي في الحلبة خبرة يعجز معظم الموقظين عن اكتسابها طوال حياتهم، وهي ليست أقل ممّا امتلكه ساني على الشاطئ المنسي.
‘لا! هذا لا يكفي!’
لكن ماذا لو… ماذا لو كانت لدى إلياس فرصة حقيقية؟ لقد صنع ساني العديد من المعجزات بنفسه، ورأى آخرين يفعلون الشيء نفسه.
حتى في أصعب المواقف، كان هناك دائمًا أمل… كان هذا درسًا تعلمه ضد كل الصعوبات في جحيم الشاطئ المنسي، وفي وقت لاحق في معبد الليل.
…دون أن يُضيّع إلياس وقته في الشك والتردد، أطلق جوهر روحه بوحشية، وانطلق للأمام، مُتحركًا برشاقةٍ وسرعةٍ لا يحلم بهما إلا القليل من المُستيقظين. طارت يده في الهواء، سريعةً بما يكفي لتبدو كضبابٍ يكاد يكون غير مرئي.
كانت الضربة سريعة وماكرة… لكنها كانت مجرد خدعة. كانت نيته الحقيقية الهجوم من الأسفل، وقد كانت نيته مخفية تمامًا ،تقريبًا. لم يكن هناك ما يدل على أن الشاب كان يستعد لتغيير اتجاه الضربة. لقد تعلم جيدًا من مشاهدة ساني وهو يقاتل…
ولكن إذا كان ساني قادرًا على رؤيتها، فإن سولفان قادر أيضًا على رؤيتها.
ضاقت عيناه.
قبل لحظة واحدة من وصول السكين الخشبي إلى جسد المتسامية، تعثّر إلياس فجأة، ثم تباطأ. خطا بضع خطوات متعثرة للأمام، ثم فقد توازنه وسقط فجأة على الأرض.
ظهر خط أحمر رفيع عبر صدره، ثم انفجرت منه الدماء.
فوقه، تنهدت سولفان بحزن، وأخفضت يدها، سقطت قطرة قرمزية من أصابعها. ارتجفت شفتاها الجميلتان، ثم تسرب همسٌ خافت إلى مسامع ساني.
“…ليس اليوم.”
لكنه لم ينتبه له. تجمدت نظرة ساني علي إلياس، الذي كان مستلقيًا على الأرض بلا حراك، والعشب يتشرب دمائه. كان وجه الفتى شاحبًا، وعيناه الزرقاوان لا تزالان مفتوحتين. لكن تلك العيون، التي كانت مشرقة وحيوية في السابق، أصبحت الآن باهتة وفارغة، تعكس ظلمة سماء الليل اللامتناهية. بدا وجه إلياس… هادئًا تقريبًا.
وأخيرا أصبح الشاب حرا.
…زأر ساني، وشرع يهاجم الضغط الغير مرئي بكل ما لديه من قوة، لكن كل ما فعله هو إلحاق المزيد من الضرر بجسده المنهك. دون أن يهتم بالألم، واصل مُقاومة السلاسل الخفية التي تُثبّته، وشعر بالأرض نفسها تتحرك تحت ركبتيه.
‘اقتلها! سأقتلها! سأمزقها إلى أشلاء!’
ظلت سولفان واقفة لبعض الوقت، ثم انحنى بصمت لالتقاط السكين الخشبي من أصابع الشاب البيضاء.
اقتربت، وحدقت في ساني بتعبير مظلم، ثم سألت:
“ماذا عنك؟ هل أنت مستعد لمحاربتي، أيها الشيطان الصغير؟”
حدّق بها ساني، كاشفًا عن أسنانه بابتسامة مليئة بالكراهية. أراد… أوه، كم أراد ان يحاربها!
لكنه لم يستطع. قتال سولفان لم يكن يعني سوى الموت…
هز رأسه ببطء.
تنهدت الكاهنة الجميلة.
“…بالتأكيد. لماذا توقعتُ شيئًا مختلفًا من خادم الظل الجبان؟”
ومضت يدها فجأة، وانفجر ألم رهيب في جسد ساني.
عند النظر إلى أسفل، شعر بالديجا فو، رأى ذراعًا رشيقة تبرز من صدره، تحطم درع السلاسل الخالدة الي قطع.
عبست سولفان، وسحبت يدها من صدره، واقلعت قلبه الذي لا يزال ينبض بسهولة. نظرت إليه بخيبة أمل، ثم قذفت بجسد الشيطان ذي الأذرع الأربعة من حافة الجزيرة.
كان آخر شيء رآه قبل سقوطه في الهاوية هو هيئتها الجميلة والرشيقة تقف حزينة على العشب الطويل.
ثم سقط ساني في أحضان الظلام.
طار جسده إلى الأسفل، أسرع وأسرع، واختفى بسرعة في فراغ السماء أدناه.
وبعد قليل، أصبحت الجزيرة الحمراء بعيدة جدًا لدرجة أن حتى نور الشمس لم يعد قادرًا على الوصول إلى هذا البعد.
تمزق صدره، وتم انتزاع قلبه منه بلا رحمة، تاركًا وراءه جرحًا مروعًا.
…بعد سقوطها لفترة من الوقت، تنهد ساني.
لحسن الحظ، كان لهذا الجسد الغريب قلبان. وبينما كان أي شخص آخر سيموت بفقدان الدم بعد تدمير أحدهما، كان يمتلك نسيج الدم، الذي أبقاه على قيد الحياة رغم إصابته المروعة.
كان الألم شديدًا.
لكنه لم يكن قادرًا على المقارنة بالألم الذي شعر به في روحه.
أغلق ساني عينيه.
‘سامحني يا إلياس… لقد خذلتك. لكن… لا تقلق. سأقتلها نيابة عنك… يومًا ما. سأقتلها ثانية. سأقتلها ألف مرة، حتى تُمحى ذكراها من الوجود. انتظر فقط…’
صر أسنانه، ثم استدعى العبء السماوي وطعن الإبرة السوداء في لحمه.
ظهر الجناح المظلم على كتفيه، وتحول بسرعة إلى ضبابية.
بدأ سقوط ساني في التباطء ثم وأخيراً تحول إلى طيران.
كان يطير في الظلام، ويبتعد أكثر فأكثر عن جزيرة الكولوسيوم الأحمر…
وفوق ذلك، في الشرق تحول الأفق إلى اللون الخزامى الباهت، معلنًا عن بداية يوم جديد.