الفصل 607 : رمال متحركة
محبوسًا في الظلام، كان لدى ساني متّسع كبير من الوقت للتفكير. من حوله، حشد من مخلوقات الكابوس ينتظرون دورهم ليُذبحوا في الساحة الملطّخة بالدماء، وبينهم بعض العبيد البشر التعساء. في هذه الزنزانة الكابوسية، لم يكن هناك فرق بين الرجسات والبشر؛ فالكل سواء في مواجهة الموت المحتوم.
عادت أفكاره إلى بداية الاختبار، إلى الإعلان الذي نطقته التعويذة. خمسة شجعان… لكن كان هناك شخص آخر قد دخل الكابوس معهم، وامتلك ساني فكرةً جيدة عمّن يكون.
موردريت… أمير اللاشيء ما زال حيًّا، رغم كل الاحتمالات، وقد وجد سبيلًا لبلوغ غايته. ربما كان انعكاسه قد اختبأ في عيني القديس كورماك، ثم انزلق خفيةً إلى عيني إيفي أو كاي.
هل مات أحد أصدقائه؟.
لا… لا، لم يكن ذلك منطقيًّا. لو أن موردريت التهم روحًا من الأرواح التي كانت على متن السفينة الطائرة العتيقة، لكان أحدهم قد لاحظ. فحراس اللهب كانوا جماعةً مترابطة، يعرف بعضهم بعضًا معرفة عميقة تمنع أن يفوتهم أي تغيّر مفاجئ في سلوك أحدهم.
أما بالنسبة إلى إيفي وكاي، لو كانا قد سقطا ضحية لقدرة موردريت المرعبة، لكان الذين دخلوا الكابوس أربعة أرواحٍ فقط.
لكن من قال إن أمير اللاشيء مضطر لافتراس روح ما إن قفز انعكاسه إلى عيني شخص؟ ربما كان قادرًا على الاكتفاء بالاختباء في الانعكاسات، متربّصًا بفرصته حتى يجد وعاءً أفضل.
وعند ذكر الأوعية…
ألقى ساني نظرةً على جسده الوحشي، وبدت عيناه السوداوان تفيض قلقًا كئيبًا.
لماذا أُرسل في جسد شيطان؟ كان المفترض أن تختار التعويذة أوعية مناسبة للمتحدين… فهل جُعل مسخًا بشعًا بسبب أنوية الظل الثلاث التي يمتلكها؟ إذ قلّما تواجد بشرٌ يملكون روحًا جديرة بجانب سامٍ.
وإن كان الأمر كذلك… فهل موردريت الآن في جسد رُعب؟.
ارتجف ساني بينما كان مخبئًا في الظلام.
نعم، هذا على الأرجح هو الحال. من الممكن أن تكون حقيقةٌ كهذه إمّا نعمةً أو نقمة.
نظريًّا، كان هدفهم جميعًا واحدًا — حلّ صراع الكابوس والصعود. وجود رُعب يقاتل في صفّهم سيكون عونًا عظيمًا، مهما بلغ حقد ساني على ذلك اللقيـط. كما شك في أن موردريت كان يحمل السكين العاجي، مما يزيد من فرص نجاحهم.
ورم ذلك، فقد تذكّر ساني ما قالته لهم السيدة جيت… ليس كل المستيقظين الذين يسعون لتجاوز اختبارات التعويذة يشتركون في ذات الغاية. فأحيانًا، تتصادم حلولهم ومُثلهم، فيتحوّلون إلى أعداء.
أخافته فكرة أن يكون موردريت عدوًا في هذا الجحيم الذي لا يُقهر. أمير اللاشيء… ربما كان أخطر خصم واجهه على الإطلاق.
هل سينقلب موردريت على الأربعة الباقين الذين دخلوا البذرة؟ لم يكن بالإمكان الجزم. لم يكن قاسيًا لمجرد القسوة، ولم يكن مجنونًا كما يظن الجميع. كان حقده موجّهًا نحو ڤالور، لا نحوهم. ولكن في الوقت نفسه، لم يكن ساني قادرًا على القول إن الأمير المنفي سليم العقل تمامًا.
كان هناك شيء فيه… حين ينظر ساني في عيني موردريت، كان يشعر وكأن شيئًا مفقودًا فيهما. اختلاف ضئيل، لكنّه يجعل مواجهة أمير اللاشيء أمرًا يبعث على قلقٍ غريب.
كان موردريت ورقةً مجهولة، لا سبيل لتوقّع أفعاله.
'…لا جدوى من التفكير في الأمر الآن. إن لم أجد وسيلة للهروب من هذا المكان الكئيب حيًّا، فلن ينتظرني سوى الموت على أية حال.'
تحرّك قليلًا وأصدر فحيحًا أثناء شعوره بالألم يتفشّى في جسده، منبعثًا من جراحٍ لا تُحصى.
تذكر ساني ذكرياته عن معركته في الساحة.
غريب… كان كل شيءٍ غريبًا.
بعض قواه قد اختفت، فيما ظلّت أخرى باقية. بدا جانبه غير متأثر، لكن صلته بالتعويذة قد انقطعت.
فهل يعني هذا… أن الجانب لم يكن جزءًا من التعويذة، بل كيانًا مستقلًا عنها؟.
محبوسًا في داخل قفصٍ مسحور لا يُكسر، عبس ساني.
فمنذ زمن بعيد… عندما اجتاز الكابوس الأول وتلقى جانبه… كان الشعور وكأن القوة تنبع من أعماقه، وليس من مصدرٍ خارجي.
هل كانت التعويذة تقتصر على إيقاظ القوى الخاملة المحصورة في أرواح البشر، بدلًا من صنعها؟.
'انتظر لحظة…'
بالتفكير في الأمر… أورو من التسعة قد ادّعى أنه مستيقظ، والفتى الجالس بصمت في القفص المجاور أيضًا كذلك، رغم أنه لم يصرّح. لكن في هذا الماضي السحيق، كان الملوك ما زالوا أحياءً، وكذلك الأرواح.
لم تكن حربهم المريعة قد بدأت بعد، ولم يكن ويفر قد اختفى ليبتكر ما سيجلب الهلاك للآلـهة والأرواح الستة… ليصنع تعويذة الكابوس.
ولو صحّت شكوك ساني، فهذا يعني أن تعويذة الكابوس لم تكن قد وُجدت بعد، في هذا العصر.
ومع ذلك… وُجد المستيقظون.
كما وُجدت مخلوقات الكابوس… أو الفاسدون، كما سمّاهم الشاب.
تقلّصت حدقتا ساني العموديتان.
ألم تُصنع مخلوقات الكابوس… بواسطة تعويذة الكابوس أيضًا؟.
'ما هذا بـحق الجحيم…'
بدت الفكرة في حد ذاتها غريبة وسخيفة. فالتعويذة هي التي ظهرت في عالم اليقظة، مسببةً ولادة أوائل مخلوقات الكابوس من أجساد المصابين بها، وبزوغ الجيل الأول من المستيقظين.
هي التي استدعتهم إلى عالم الأحلام، حيث تقيم الرجسات، ودَفعتهم للسعي خلف بذور الكوابيس وتحدّيها. وما لم تُقهَر بذرة، فإنها تفتح في النهاية طريقًا لوحوش جديدة تغزو الواقع.
لذا فإن فكرة مخلوقات الكابوس، والجوانب، واليقظة هي جزءٌ لا يتجزأ من التعويذة.
ومع ذلك… بطريقة ما، لم تكن كذلك؟.
'ما… ماذا يعني هذا كله؟'
ضغط ساني على أنيابه، مثقلًا بسيل من الأفكار وحيرة جمّة. بدا وكأن أساس نظرته للعالم قد تبيّن فجأة أنه قائم على رمال متحركة…
أغمض عينيه وقطّب جبينه، شاعرًا بصداعٍ خافت يلوح، ثم رفع يديه الاثنتين ليفرك وجهه، حذرًا من أن يجرحه بمخالبه.
وفجأة، اهتزّ القفص المجاور. نهض الشاب المستيقظ وأمسك بالقضبان، محدّقًا في الظلام.
وبعد لحظات، قال بصوتٍ أجش:
"شيطان… أيها الشيطان. استيقظ. إنهم قادمون!"
{ترجمة نارو…}