بدا أن عبارة "اليمنى هي الفاعلة"
لم تكن مبرراً مقبولاً لما حلّ بمكتب المدير. وهو ما وجده غير عادل، إذ كان واثقاً من أنها ستنجو بفعلتها لو قالتها.
قال وهو يغرز ملعقة في كوب لبن رائب: "لم يكن الأمر جللاً حقاً. أرادت فحسب الحديث عن رحلة نادينا".
لم تضيّع أليس ثانية واحدة قبل جذبه إلى الخارج، مسوقة هراءً نبيلَ المظهر ردّاً على احتجاجاته. بدا أن اللياقة فقدت كل معنى، إذ تسابقا هبوطاً على درج البرج قبل إيجاد مكان لتجميع الأنفاس. لظنّ أن المقاصد ستكون المساكن، لكنّ أحدهم شمّ رائحة فطائر، وها هما هنا. كان المقهى الذي وجداه صغيراً، واحتلا طاولة في الزاوية، متجمّعين حولها لتناول الإفطار. لم يكن بمعزل تماماً، غير أن حركة المارة أوحت له بأن المكان للطلبات الخارجية أكثر منه للجلوس.
بقي القلق من العاملين، ورغم رمقه إياهم بنظرات عابرة، لم يلمح ما يدعو للريبة بتاتاً. ظنّ أن عليه الحذر من النافذة خلف ظهره أيضاً، لكنه شعر بأنها مظلّلة بما يكفي لإبعاد الهواجس. كان كال في مزاج مقبول، بكل المعايير. كانت اليمنى تعلم تماماً بأمر شخصيته الأخرى، لكنها لم تحطم وجهه كذلك. كان ذلك نصراً، وطالما أن روايته متماسكة، وهي كذلك، فسيسير كل شيء على ما يرام. عرف أنه متفائل، ولكن بغض النظر عن التعليقات الغريبة، شعرا كأنهما يتوافقان تماماً.
كل ما تطلبه الأمر تظاهره بالكفاءة، ووفقاً لمصادر عديدة، كان يجيد ذلك.
"لقد أسلفنا التأكيد على أن قدرتك على سرد الأحداث مجدداً هي..."
توقفت أليس عن الكلام، باحثة على الأرجح عن طريقة مهذبة للتعبير.
"فظيعة. أخبرني حرفياً بما حدث".
أو ربما لم تكن كذلك. وداعاً للأخلاق إذن.
قال مراوغاً وهو يوجه ملعقة نحو ليلي: "بصراحة، كان قلبي يخفق بعنف شديد، لذا ما كنت لأفعل ذلك ولو حاولت. ثم ألسنا متأكدين أنها لم تغرق؟"
كانت ليلي تتصرف كزومبي منذ مغادرتهما ووجهها مغموس الآن في وعاء حساء. كان خياراً غريبًا للإفطار، واختاره لها محاولةً لبثّ بعض الحياة في الفتاة. ومن مفارقات القدر، كانت الأمور تسير في الاتجاه المعاكس.
قالت أليس وهي تسرق النظرات للتأكد من عدم انتباه أحد إلى النميلة ذات الوجه الغارق في الوعاء: "إن كانت... تريد التصرف كطفلة، فلتفعل".
لم تكن أليس مسرورة بقرار ليلي تجرّع زجاجة نبيذ. وكانت أقل سروراً حين اضطرت لانتزاعها من قبضتي الفتاة — مقاومة بدت له كعكس لاإرادي لشخص شبه غائب عن الوعي. ظهرت فقاعات من الحساء، دلالة على أنها لا تزال واعية إلى حد ما بالعالم الخارجي.
عرض كال كلمات تشجيع لا غير، وقال: "حاول التحدث بصوت أعلى".
كبرت الفقاعات، ناثرة الرذاذ على مفرش الطاولة.
أخذت أليس نفساً عميقاً، مستنشقة بحدة قبل أن تقبض على مؤخرة رأس ليلي وتجذبها بعنف: "يليان. اجمعي نفسك فوراً".
قطر الحساء البرتقالي على وجهها، محدثاً فوضى أكبر. تحركت شفتاها، دون أن يخرج أي كلام مفهوم.
قدم كال المزيد من اللبن بالملعقة، وقال: "تبدو طبيعية بما يكفي".
كانت الأفكار الإيجابية مهمة الآن. لقد أبعدته عن التفكير في أنه لو اختفى لينارد، لربما اختفت القاضية أيضاً. تمتمت أليس بكلمات بعيدة كل البعد عن النبل قبل أن تلتقط منديلًا وتمسح به وجه الفتاة الأخرى. وبعد بلل تامّ لاثنين منها، بدأت عيان بنفسجيتان ترمشان بسرعة. ثم انطبقتا مجدداً بقوة، ورأى قبضتيها تشتدان في حجرها. اشتد وجهها تدريجياً، وظنّ بهذا المعدل أنها قد تصاب بجلطة.
خفضت أليس صوتها مردفة بعدما أفلتت ليلي: "ليلي. ماذا تفعلين؟"
أأحاول التظاهر بعدم وجودها؟
أخرجت كلامها متسرعة وعيناها مغمضتان: "أحاول التظاهر بأن ذلك لم يحدث. إن واصلت فعل هذا، فهناك احتمال أن أنسى".
اعتقد كال أن احتمالية ذلك ضعيفة. ما لم تكن ساحرة العقول. ومما يذكر أنه لم يعلم إن كان ذلك شيئاً تستطيع ساحرات العقول فعله حقاً، أو مجرد عذر يحب القناع استخدامه. لم يجبها أي منهما. وحدها أصوات العمال ومرور طالب عابر بين حين وآخر دلت على مرور الوقت. في النهاية، فتحت إحدى عيني ليلي خلسة.
"ألا يفترض بك إخباري بأن الأمر ليس بهذا السوء؟"
نظراً لمواظبته الحالية على الحفاظ على الإيجابية، فكر في كيفية تحويل مقدمة ليلي غير البليغة إلى أمر حسن.
بدأ مححضراً لقول ما لا يصدقه: "ماذا لو... رأت في تجرع زجاجة كحول أمامها عملاً شجاعاً. يمتنع معظم الناس غالباً أمام شخص زاهد، لكنك أقدمت عليها".
مالت الفتاة للأمام، وحركت أليس الوعاء، لتسمح لرأسها بالاصطدام بالطاولة. لاحظ كال أنه كان بإمكانها الإمساك بها فحسب.
قالت أليس بنبرة ألين: "إنها كبوة واحدة. أنا متأكدة من أن انطباعك الثاني سيتحسن كثيراً".
أطلقت ليلي أنيناً في مفرش الطاولة.
أضاف كال متجاهلاً أن اللقاء لم يكن الأول للأمير مع المرأة: "لقد أديت بشكل أفضل من رولاند. إنها حقاً لا تطيقه".
ربما عليه في لقائهما القادم إثارة كيف كسر أنف الرجل في لقائهما الأول، أو كيف رمى الوحوش عليه تسليةً في اليباب. مع أنه لا يضمن أنها لن تستخدم ذلك ضده لاحقاً.
قالت ليلي بصوت مخنوق: "يا له من هتاف. لم تحاول اقتلاع رأسي".
ها قد بدأت تستوعب الأمر.
قال كال وهو ينقر على رأسه: "بما أنك لا تزال تحتفظين به، ففي انطباعك القادم، حاولي ألا تحدثي التماسّ، أو أياً ما كان ذاك".
احمر وجهه أكثر، منافساً حمر شعره. وضعت أليس يداً على ظهرها، دالكة إياه بدوائر صغيرة على نحو ما فعلت الفتاة الأخرى من أجلها في الماضي.
قالت بلطف: "أظن أن ليلي كانت مذهولة لا أكثر. لا يتسنى للمرء غالباً فرصة لقاء شخص بذلك المقام، ناهيك عن بيئة خاصة كهذه".
ثم أفسدت الأمر. بالمقارنة مع معاملتها لذوي السلطة الآخرين، ما كان ليتوقع ذلك. ثم إنها إحدى الأيادي. رأى كثيراً من مواطني الاتحاد ينسون أبسط الأمور كالتنفس حين يلقون عضواً في الكوكبة للمرة الأولى. ربما لم تكن اقتراحاتها الأصلية بمهاجمة اليمنى سيئة إلى هذا الحد. فالقلق يقل كثيراً عند إطلاق البرق في وجه أحدهم.
قال كال بصدق، مفكراً في تفاعله الشخصي مع اليد: "لا تملي التفكير في الأمر كثيراً. ليست سيئة إلى هذا الحد".
تحركت عينا أليس صوبه، ورفعت ليلي رأسها، ناظرة إليه عبر عينين ضيقتين. راوده إحساس بأنه كان عليه جلب مدد.
قالت أليس بنبرة تشكيك: "إن كنت عاجزاً عن تقديم سرد شامل، أيمكنك على الأقل تفسير ما حدث لمكتب المدير؟"
لماذا اهتم الجميع بقطعة أنقاض؟ استقرت نظراتهما عليه بحدة، وتجهم الهواء بشبهات ثقيلة. ولو لم يكن يعرفهما جيداً، لربما أصابه الفزع. وبما أنه عرفهما، استطاع إدراك ظنّهما بأنه ارتكب شيئاً غبياً للغاية. حسناً، إن كان هذا ما تبغيان…
قال بوجه جامد: "كنا نتصارع بالأذرع. لقد فزت".
بتوافق تام، استوى وجهيهما بلا تعبير.
قال بعد ثلاثين ثانية من الصمت المحكوم بالأحكام: "حسناً، لقد أوقعتني. كانت تريني دبابيسها".
رفع كفّه، موضحاً ما يعنيه. لقد كانت تجربة مذهلة له أن يحمل رمز اليد. كانا شخصين مختلفين تماماً، لكن الهوة بدت في تلك اللحظة وكأنها تضيق.
"ادعت أنه غير قابل للكسر. فقلت لا شيء غير قابل للكسر. فردت بوضعه على المكتب و..."
انقبضت قبضته، وأزلها ببطء على الطاولة.
"...حطمت ذاك المكتب".
مقدار القوة التي استخدمتها كان ينبغي أن يدمر المكتب تماماً، ومعها الأرضية، لكن الضربة وُجّهت بنظافة، واستهلكت تقريبطاً كل الطاقة على نجمه، والذي تلقى الضربة بلا شكوى. وكما متوقع، لم يصدقن ذلك أكثر من مزحة المصارعة. وهو أمر مؤسف لأنه لم يكن بعيداً عما حدث حقاً. تناول لبنه، مشيراً إلى أن تلك هي قصته، وهو متمسك بها. أخذت الفيتان لحظة لاستيعاب ذلك، وتساءل إن كان الوحيد الذي يتناول طعامه فعلاً.
قالت ليلي وما زال الحساء يقطر على وجهها: "بطريقة ما، يجعلني هذا أتحسن. عليّ إعادة التفكير في كل ما سمعته عنها ومحاولة تجنب التفكير بما يعنيه ذلك لمستقبلي، ولكن... أفضل مع ذلك".
لم يفهم كال مسار تفكيرها.
عقّبت أليس، مبدية عدم ثقتها في كلماتها بوضوح: "قد يكون ذلك أسلوباً غير مألوف لإظهار الحظوة. هل أدلت بأي تعليق عنك أو عن شخصيتك؟"
نعم، لكن جلّ ما فعلته هو نعته بالأفعى، وهو ما تعذر عليه قوله تماماً. رغم أن... ثمة شيئاً آخر نعتته به.
"قالت إني محترف".
في تحول صادم للأحداث ما كان ليقره قط، لم تبدُ أي من الفتاتين مستعدة لتقبل تلك الحقيقة الثابتة. لم يكن ليصنّفه عادة كذلك، لكن إن زعمت اليمنى أنه محترف، فهذا هو.
صرحت أليس بقدر من الجدية: "كالوم، هذا أمر جدّي. أهناك ما فعلته أثارها؟"
الوجود في جوارها العام؟ بدا ذلك كافياً لمجموعة كبيرة من الناس.
تهكم كال، ملاحظاً كيف ازداد وجه أليس صرامة: "لم أمدح شعرها، هذا مؤكد".
وتابع، مخففاً من خفة نبرته: "كما قلت، تحدثنا غالباً عن رحلة النادي تلك. أرادت سماع ما أود قوله قبل الانطلاق لتأكيد بعض الأمور. إن غضبت من أحد، فمن أصدقائنا في الشمال".
قالت اليمنى كثيراً من الأشياء الغريبة عن وفد الملاذ المقدس، لكن سخطها عليهم كان جلياً. وكيفية معرفتهم باجتماع إيفينيتا نوكس ظلت لغزاً بالنسبة له، لكنهم استبقوا الأمور بوضوح في التعامل معها.
مسحت ليلي وجهها بيدها ولعقت الحساء من أصابعها مردفة: "فيك ليس سعيداً بهم أيضاً. هذه هي المرة الأولى التي يطأون فيها الحرم الجامعي، وسياسياً، إنها كارثة بالفعل".
كان الظهور وإعدام سجين فوراً خياراً حقاً. لكنه لم يكن خياراً جيداً ولا عاقلاً. لو أُبقي المرتزق حياً، حتى لو لم يعلم شيئاً قيّماً، لتم استخدامه كطعم. وقتله كان إسرافاً.
أضافت أليس بنبرة متأملة: "يستبعد إبعادهم فوراً، لكن إقامتهم ستزداد صعوبة بلا شك. ولن يتركهم المدير بلا حراس، وبينما الخيار راجع إلينا، فلست اميل لاستقبال استفساراتهم".
ذكرت أليس رغبتهما في استجوابها وليلي بشأن حادثة المستودع، ولكن نظراً لسير استجوابهما الأخير، لم يبدُ ذلك فكرة حسنة. وُضعت عتبة تفكيرهما النقدي بمرتبة منخفضة للغاية في ذهنه.
تمتم متذمراً من التفاعل المحتوم مسبقاً: "ولا أنا. امنحني جفاف الفم المتنقل طوال اليوم".
لم يكن صعباً إدراك سبب معرفة المرأة سابقاً بالجدب. لقد جففت اللعاب مباشرة من حلقه، مما جعله خشناً. تعافيه تكفل بالأمر مسبقاً، لكنه سيحتاج للحذر من ذلك إن تقاتلا مجدداً. بتأخر، لاحظ استسفار نظراتهما إليه.
شرح موضحاً أن التعبير بدا أجنبياً عليهما: "حين تضع قطناً في فمك، يجف. تماماً كما يحدث حين تكون بجوارها".
رفعت ليلي يداً، تعبث بالجلد الجاف لشفاتها السفلى، لتستنشق بحدة حين ارتطمت الطاولة. انحنى كال صامتاً للخلف ثم مال نحو اليمين، رافعاً مفرش الطاولة بالقدر الكافي ليرى أن كعب أليس استقر على قدم ليلي.
قالت ليلي متأففة وهي تلتقط منديلاً لتعمل أخيراً على الفوضى التي اكتسحت وجهها: "لا يمكن للجميع حرق ما يخصهم. ولا تدعه يشتتك عن غرابة لا مبالاته".
بيد واحدة، أشارت نحوه باتهام، وبالأخرى راحت تعبث بشفتيها من خلف المنديل. أثبتت تكتيكاتها نجاحها، معيدة انتباه الفتاة الأخرى نحوه.
سأل بارتباك طفيف: "أأمر غريب إن كان أنا؟ أنا والاحترام لا نتفق جيداً".
أخذت أليس نفساً عميقاً، ناظرة إليه بإقرار أو استسلام. تعذر عليه تمييز أيهما.
قالت أليس باستماتة وهي تلتقط شوكة وتشرع أخيراً في فطائرها: "لدرّبته لفترة أطول لو ظننت أنه سيحدث فرقاً. أعيش رعب اليوم الذي نقدمك فيه لإمبراطورنا".
ومهما بدت تلك المحادثة غريبة بنظرها، علم كال أنها تستهين بها. سابقاً، لشاركها مشاعرها حول اللقاء المرتقب، لكن الآن وقد علم أن الإمبراطور وافق على حضوره، لم يفكر سوى في أفضل السبل للهجوم عليه دون إثارة حادثة دبلوماسية.
قالت ليلي مشيرة نحوه مجدداً: "انظر إلى ذلك. تلك نظرة شخص سيتسبب في إعدامي بالتبعية".
سيُخضع الإمبراطور قبل حدوث ذلك.
ردت أليس باستهزاء: "ليلي. لا تكوني سخيفة..."
واقعياً، سيكون عليه تخطي اليسرى قبل نيل فرصة تسديد ضربة للرجل نفسه. أمر عسير، لكنه قد لا يكون مستحيلاً. كانت اليسرى متقدمة في السن. لا يمكن أن يكون نفس الرجل الذي طرد هارينجر.
لو تمكن من التسلل دون رصد، لربما حظي بفرصة حقيقية — قالت أليس محتدة وهي تضرب الطاولة براحة يدها: "أرجوك توقف عن أي شيء تفكر فيه".
ما هي احتمالية اختباء ساحر العقول تحت أنفه طوال هذا الوقت؟
دافع عن أفكاره أمام نظراتهما المذهولة: "كانت أفكاراً جيدة".
ربما لم تكن جيدة للإمبراطور الحالي، لكن هذا وذاك سيّان.
أردف علماً بأنه لن يكسب ذلك النقاش: "ألا تملكان صفوفاً لتلحقا بها؟ عليّ الانطلاق أنا الآخر".
ليس لصفوف. ما زال معتمداً على إيفرجرين للإفلات من تلك. كلا، مع غياب اليمنى، كان عليه استغلال الفرصة لفعل أشياء لا يريدها أن تعلم بأمرها بعد.
قالت ليلي بنبرة نصف جافة ونصف مازحة: "أستطيع إدراك السبب. أنتم يا أردير تحبون اللعب بالنار حقاً".
بدا تصريحها مربكاً بعض الشيء، فنظر إلى الأرديري الآخر الحاضر، الذي كان يرمقه بشفتين ضيقتين ومشدودتين. على الأقل، ظنّ أنها تنظر إليه. وعند تفحص أقرب، لاحظ أن عينيها كانتا مائلتين عن مركزه. منقباً في مقعده، نظر خلفه، ملقياً نظرة عبر النافذة. وقفت فتاة عادية على الجانب الآخر من الزجاج، وتساءل فجأة عن شعور ميا تجاه زيارة لوريثة سيد مدينة.