سليل المملكة الفصل 79 — سليل المملكة 78

اقرأ سليل المملكة الفصل 79 — سليل المملكة 78 باللغة العربية على مانجا تايم.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

Arisu-san

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

الفصل 78: الملكة، الأميرة، والمصير (2)

…

نهضت كيّا وقد ارتسمت على وجهها ملامح الدهشة السارّة.

"لا، لا تغادر بهذه السرعة. نعم، لم يلتقِ بعد بأخيه وأخته!"

ارتجف قلب تاليس.

"كيّا!" صاحت جينيس بصوتٍ عالٍ، وقد امتلأت نبرتها بالهلع.

غير أنّ الملكة كيّا لم تلتفت، بل أمالت رأسها وعادت نحو السرير الكبير البعيد.

"ليديا ولوثر سيكونان سعيدَين للغاية لأنّ لهما أخًا أصغر…"

عند تلك اللحظة أدرك تاليس ما كان غريبًا في هذه الغرفة.

تقلّصت حدقتاه فجأة. الملكة كيّا، الرقيقة الودودة، أخرجت…

…دمِيَتَين من القماش من فوق السرير.

أما وجه جينيس فقد شحب تمامًا.

"أنظر، لوثر، هذا أخوك الأصغر تاليس. هيا، ألقِ التحية عليه بسرعة!"

كانت كيّا تلهو بفرح بالدمية التي في يدها اليسرى، رفعت يدها ولوّحت بها نحو تاليس، وابتسامة مفعمة بالسرور تزيّن ملامحها.

تجهمت ملامح تاليس بشدّة.

وفيما كانت تتكلم بمرح، رفعت كيّا الدمية التي في يدها اليمنى وقرّبت رأسها نحو تاليس.

"وأنتِ، ليديا، اجلسي باستقامة، لا تكوني مشاكسة بعد الآن، هيا، حيّي أخاكِ الأصغر!"

كانت كيّا تلوّح بذراعها اليمنى بجهد، كأنّ الدمية التي تحتضنها كانت تتخبط بعنف. كان مشهدًا شاذًا ومروّعًا.

بدأ تنفّس تاليس يضطرب. (أيمكن أنّ…)

لم يصدق الأمير ما تراه عيناه. الملكة الجميلة المتألقة كانت تلهو بالدمى في حضنها ببهجة صافية.

(هذا… هذا جنون…)

"يكفي، كيّا!"

كان نفس جينيس متقطعًا، تقدّمت بخطى سريعة، وأول ما فعلته هو سحب تاليس بعيدًا.

لكن ملامح الملكة كيّا تبدلت فجأة.

"هاه؟ ولماذا؟"

نظرت كيّا إلى الدميتين في حضنها ثم إلى تاليس، وقد غمر وجهها ارتباك غريب، وخرج صوتها متقطعًا مضطربًا.

"لماذا، لوثر… لماذا لست أطول من أخيك الأصغر تاليس؟"

شدّ تاليس على أسنانه وتراجع خطوة.

وفي اللحظة التالية، اتسعت عينا كيّا بذعرٍ بالغ، كأنها رأت أمرًا يفوق التصديق.

طَقطَق!

سقطت الدمية من يدها اليمنى على الأرض، بهدوء، دون أن تنتبه كيّا لذلك.

حدّقت في الدمية التي في يدها اليسرى، والوجع يملأ عينيها، وصاحت بنبرة مفعمة بالحزن واليأس.

"أعلم، لقد أصبحت أقصر لأنك تفتقد… تفتقد…"

قالت جينيس بأسنان مشدودة لتاليس، "اذهب، غادر فورًا."

لكن تاليس كان مذهولًا، عاجزًا عن الحركة.

قبضت كيّا على الدمية بكلتا يديها بقوة.

ثم، بعد لحظة، انفجرت بالبكاء المرير، وأطلقت كلمات جمّدت الدم في عروق تاليس.

"لوثر! لوثر… الرأس… الرأس… ليس لك رأس! لوثر، أين رأسك؟ أين ذهب رأسك؟ آه؟ رأسك… سقط؟"

رفعت كيّا وجهها المبتل بالدموع وصرخت في فزعٍ جنوني، ثم ارتمت على الأرض وبدأت تتحسس محيطها بجنون.

"أسرع! أسرع! علينا أن نجد رأسك!"

تجمّد الدم في جسد تاليس.

تقدّمت جينيس فورًا واحتضنت الملكة كيّا، تبذل جهدها لتهدئة جسدها المرتجف.

نظرت كيّا فجأة إلى جينيس بعينين متسعتين، وقالت بجنون، "أنتِ! هل رأيتِ رأس لوثر؟ إنه بهذا الحجم… مستدير… يتدحرج… وله عينان…"

كان تاليس يحدّق بالمشهد أمامه غير مصدّق.

فجأة بدأت كيّا تصرخ وتلوّح بذراعيها بعنف!

"لا! لا تمنعيني! أريد أن أحميه! أريد أن أحمي لوثر! ابني!"

كانت جينيس تشدّ عليها بقوة، وتجرّها نحو السرير بصعوبة، وفي تلك اللحظة، امتدت يدٌ ناعمة وأمسكت بذراع تاليس من خلفه.

ارتعد تاليس من الفزع!

استدار بسرعة، ما زال قلبه يختلج مما رأى.

كانت التي أمسكته امرأة غريبة، ذات شعرٍ طويل، ترتدي عباءة سوداء وشالًا مخمليًّا. وجهها جميل دقيق القسمات، تعلوه مسحة حزنٍ عميقة.

لهث تاليس، محاولًا استعادة أنفاسه.

امسكت المرأة ذراعه وتحدثت، "لا بأس، فلنغادر أولًا."

رمقها تاليس بدهشة، ثم التفت نحو جينيس التي كانت تناضل لتهدئة الملكة.

"تاليس!" صاحت جينيس، وقد اشتدّ صوتها بالعزم.

"سأتولّى الأمر هنا. غادر مع الأميرة حالًا. أسرع، اخرُج!"

الأميرة؟

قبل أن يتمكن من التفكير، سحبته المرأة الراقية نحو الخارج.

خلفه، كانت كيّا تصرخ بجنونٍ متزايد.

"الحراس! الحراس! أسرعوا! هناك قتلة! قتلة!"

سحبت المرأة تاليس شاحب الوجه بسرعة، بينما بقيت صرخات كيّا الهستيرية تتردد من بعيد.

وعلى جانبي الممر، هرع الخدم والخادمات ذوو الوجوه الجامدة نحو غرفة الملكة، كأنهم اعتادوا على هذا الجنون.

وظلّت صرخاتها ترنّ في أذني تاليس.

"آه… لوثر، لا، لا! رأسك… لماذا لا أستطيع إعادته؟ لماذا لا يلتصق؟ لماذا يسقط مرارًا؟ لماذا؟!

ألصقه بالغراء! سيعود كما كان إن ألصقناه! أليس كذلك، لوثر؟!"

تابع تاليس السير بوجهٍ شاحب، لا يقوى على النظر خلفه. ما كان يجري كان أقسى من أن يُحتمل.

ولم يتوقفا إلا حين خفتت صرخات كيّا حتى تلاشت، فوقفا في الممرّ.

ما زال تاليس مصعوقًا وهو يلتفت خلفه.

قالت المرأة بهدوء:

"أعتذر، عادةً لا تأتي نوبات كيّا بهذه السرعة."

حدّق تاليس في الفراغ، والارتباك يتكاثف في صدره.

رفع رأسه نحوها وقال بصعوبة:

"في ذلك العام، حين اغتيل لوثر وليديا… أخي وأختي… هل كانت الملكة ومعها السيدة جينيس هناك؟ هل رأين ذلك بأعينهن؟"

صمتت المرأة لحظة، ثم خيّم الحزن على عينيها.

قالت ببطء، "نعم، في ذلك اليوم، كان الأمير لوثر… في المكان ذاته…"

أغمضت المرأة عينيها بإحكام، وصوتها يرتجف وهي تغرق في ذكرياتها.

"أنا وجينيس هرعنا بعد أن سمعنا الضوضاء، لكننا وصلنا متأخرتين. قيل إن رأسه تدحرج تحت السرير…

اختُطفت الأميرة ليديا، وجينيس انتزعت حصانًا وطاردت الخاطفين، أما أنا فركضت لأُبلغ الحراس، تاركة كيّا المذهولة وحدها في الغرفة."

زفر تاليس بعمق، وقد تكشفت الإجابة في ذهنه.

الآن فهمت… في ذلك اليوم، حين واجهنا القتلة في طريقنا إلى قصر النهضة، كان تصرف جينيس غريبًا للغاية… حتى أنها أخافت المغتالين الذين لم يكونوا يستهدفونني أصلًا.

إذًا هذا هو السبب… لقد عاشوا جميعًا… مثل ذلك المشهد…

ولهذا السبب فقدت جينيس رباطة جأشها إلى تلك الدرجة، ولهذا تكره المغتالين كل هذا الكره.

ابتسمت المرأة له بابتسامة حزينة وقالت بنبرة يغمرها الأسى: "لكن لا داعي للخوف يا تاليس… الملكة كيّا هكذا منذ أعوام. حين تكون في وعيها، تكون هستيرية، غاضبة حاقدة، أما في نوبات جنونها، فتغدو هادئة، طيبة، تظن أن لوثر وليديا ما زالا بقربها، يلهوان ويضحكان…"

ثم خيّم على وجهها ظلّ قاتم.

"بعد تلك المأساة في ذلك العام، ساد القصر الاضطراب. حتى الملك آيدي والأمير ميدير… الحراس قلقين للغاية لدرجة أنهم كانوا يسحبون سيوفهم كلما رأوا أحدًا… لذا لم يبقَ أحد يعتني بهذا الجناح. هرب جميع الخدم.

وحدها كيّا تمسّكت بجثمان الأمير، ترفض تركه… قيل إنها أغلقت الباب على نفسها…"

"أما أنا فحبسني الحراس في الملجأ الآمن… كان النبلاء في فزعٍ شديد، أغلقوا قصر النهضة، وأغلقوا مدينة النجم الأبدي… وعندما تولّى الملك كيسل زمام الأمور وثبّت المملكة، كان أسبوعين قد انقضوا."

تنهدت المرأة بخفوتٍ وانخفض رأسها.

أطلق تاليس تنهيدة هادئة.

"خلال هذين الأسبوعين، كانت كيّا تحرس الغرفة بجنون، تضمّ جسد الأمير لوثر الميت، تبكي وتعيش فقط على ماء المزهرية… أتدري، بعد أسبوعين، كان جسده قد…"

وبينما كانت المرأة تسرد، حاول تاليس أن يتخيل المشهد، فارتعدت أوصاله، وسرى البرد في دمه.

"حين كُسِر باب الغرفة بعد أسبوعين، رأينا كيّا. كانت بالكاد على قيد الحياة، شبه فاقدة للوعي، وفي حضنها…"

أطلقت المرأة تنهيدة طويلة، وارتسم الرعب على وجهها. "كان ذلك المشهد أشبه بكابوس."

ابتلع تاليس ريقه، ولم يجرؤ على تخيّل المشهد أكثر.

(عائلة جيدستار الملكيّة… السنة الدموية… هل كانت كذلك؟ أن تعيش من أجل الكوكبة… أهذا هو الثمن؟)

ساد الصمت… حتى أدرك تاليس الموقف فجأة.

رفع رأسه ونظر في حيرة إلى المرأة المتّشحة بالملابس المخملية أمامه.

(آه، صحيح، قبل قليل نادتها جينيس بـ"الأميرة"؟

وبحساب عمرها، فهي على الأرجح ليست ابنة كيسل. إذًا كلمة "أميرة" تعني أنّ…

لكن ألم أرَ أصغر بنات الملك الراحل، أخت كيسل الخامس، الأميرة الكبرى كونستانس جيدستار في مدفن العائلة؟)

تدفّقت الأسئلة في صدره.

"إذن… أقد أتشرف بمعرفة من تكونين؟" سأل تاليس بحذر.

"آه، يبدو أن لقب ’الأميرة‘ أربكك." قالت المرأة ذات الرداء المخملي بابتسامة رقيقة، محاولة إزالة حرج تاليس، وهي تخفض رأسها بخجل.

"لقبي لا يحمل اسم جيدستار، ولستُ أميرة حقيقية." هزّت رأسها بخفّة.

"أنا فقط الابنة المتبنّاة للملك الراحل. يمكنك القول إنني عمّتك الغير قريبة."

فتح تاليس فاه مصعوقًا.

"أنا إليز سورا، أصغر قليلًا من كونستانس." ابتسمت الأميرة إليز بخفة، فظهرت غمازة ساحرة على خدّها. "لكن لا يحق لي استخدام اسم عائلة جيدستار… سورا هو اسم عائلة زوجي."

(عمّة… غير قريبة؟

لماذا لم يذكر أحد ذلك من قبل؟)

"هل لي أن أعرف من هو زوجك؟" قال تاليس بصوت متيبّس.

تنهدت إليز وأجابت، "الكونت سورا… الكونت الفخري من عهد الملك الراحل. توفي قبل شهر."

(أرملة؟

لا عجب أنها ترتدي الأسود… هل لا تزال في حدادها؟)

قال تاليس باستغراب، "قبل شهر؟ الكونت الفخري؟ هل كانت الوفاة بسبب مرض…؟"

لكنّه أدرك فورًا أنه تجاوز حدّ اللباقة، فانحنى معتذرًا، "عذرًا يا عمّتي إليز، كان ذلك فضولًا في غير موضعه."

تجمّدت إليز قليلًا، ثم ابتسمت بأسى، وقالت: "لا، ليس هناك ما يُخفى…"

تكلّمت الأميرة إليز، الابنة المتبنّاة للملك الراحل، بصوت بطيء:

"لقد مات في ذلك الانفجار الضخم الذي وقع في سوق الشارع الأحمر قبل شهر."

(سوق الشارع الأحمر… الانفجار الكبير؟)

تجمّد تاليس مكانه.

(هل يمكن أن يكون…؟)

"كانت الليلة التي اشتعل فيها القتال بين العصابات في مقاطعة XC والمقاطعة الغربية." قالت إليز بحزن.

(نعم… كنت أعلم.

ذلك الانفجار الذي تسبّبنا فيه أنا ويودل وآسدا…)

شعر تاليس بوخز الذنب يعصف بقلبه.

تنفّس بعمق، وكتم حزنه، ثم سأل بصوت خافت:

"هو… زوجك… ما الذي أتى به إلى سوق الشارع الأحمر تلك الليلة؟

ألم يكن هناك حظر تجوال؟"

لكن إليز لم تكن تعلم الكثير. فأطلقت تنهيدة.

"لم تكن علاقتنا جيدة. كان زوجي… يحب التسلية في سوق الشارع الأحمر… قبل موته بأيام، ذهبتُ أبحث عنه هناك، واحتدم الشجار بيننا. لم يعد إلى البيت بعدها لثلاثة أيام…

لم أتخيل أن تلك ستكون آخر مرة أراه فيها."

أغمضت إليز عينيها، وهزّت رأسها، وتنهدت.

ثم سحبت الوشاح المخملي حول كتفيها، لتتدفأ به.

لكن في تلك اللحظة، انكمشت حدقتا تاليس فجأة!

(ذلك الوشاح المخملي… يبدو مألوفًا…

مخمل… امرأة… سوق الشارع الأحمر… قبل الانفجار بأيام… ذهبت تبحث عن زوجها… تشاجرت معه…

هل يمكن أن تكون هي…؟)

ارتجّ جسده بأكمله بعنف!

نظر إلى وجه عمّته إليز مجددًا.

وهذه المرة، تداخل وجهها الرقيق الجميل مع وجه آخر، من زمن بعيد…

(نعم… الآن أتذكر.

إنها هي.

تلك النبيلة المتّشحة بالمخمل.)

حدّق تاليس بها مذهولًا.

(في ذلك اليوم، كانت هي.)

هي من ارتدت المخمل وجلبت عشرين سيّافًا من فرقة الإبادة، والتقت بتاليس المتخفّي، المتسوّل في أراضي عصابة قوارير الدم في سوق الشارع الأحمر.

هي من تبرعت له في تلك اللحظة باثنتي عشرة نحاسية… وقطعة فضة واحدة.

لكن تحوّل تاليس كان عظيمًا، لذا لم تدرك على الأرجح أن الأمير الثاني الواقف أمامها هو نفسه الطفل المتسوّل قبل شهر.

رفع تاليس يده إلى صدره.

ما زال أثر الحرق الذي سببه كوايد بتلك القطعة الفضية هناك.

بفضل تلك الصدقة، نجت كوريا من الحُمّى التيفودية.

وبسبب تلك الصدقة، خانهم نيد وبلّغ كوايد.

وبسبب تلك الصدقة… هو… الأطفال المتسوّلون… كوايد… جالا… سوق الشارع الأحمر…

بسبب تلك الصدقة… بدأت السلسلة كلّها.

تنفّس تاليس تنهيدة عميقة.

"ما الأمر؟" سألت الأميرة إليز بفضول، وقد رأت ملامح التناقض على وجهه.

"لا، لا شيء."

رفع تاليس رأسه وابتسم ابتسامة محترمة حذرة.

وبدا أن عمّته هذه أصبحت أقرب إلى قلبه.

"لقد تأثّرت فقط بلقاء أحد أقاربي."

عادت إلى ذهنه ابتسامة آسدا ساكيرن الغامضة.

(أهذا ما كنتَ تسميه بالصدفة؟

أم أنّ…)

ظهرت أمامه صورة كيسل القوي، المنكسر في مدفن العائلة الملكية.

(… هذه هي مشيئة المَصير؟)

───

مقاطعة XC. السوق السفلي. حانة الغروب.

"اتركي ذلك.

تظاهري أنه قطعة خشب.

تخلّي عن المشاعر والمبادئ الزائدة، وكوني تشارلتون حقيقية!

اتركيها!"

(لا… لا!)

استيقظت جالا تشارلتون فجأة من كابوسها!

جلست منتصبة في الفراش، تلهث بقوة.

تذكرت أنه بعد أن أُخذ الأطفال الثلاثة، ركعت في حانة الغروب حتى فقدت وعيها.

والآن…

"يا لها من خِزي."

من زاوية الغرفة، في طرف السرير، ارتفع صوت أجش مألوف تمامًا لديها.

"هل يرزوك ذلك الكابوس في كل مرة تضعفين فيها؟"

تنهدت جالا تنهيدة ثقيلة.

"أيها العجوز، متى عدت؟"

أغمضت عينيها واستلقت مجددًا.

لكن الصوت لم يكن ينوي الصمت.

"جالا تشارلتون، إن لم تواجهِي جرحك القديم، فستبقين ضعيفة إلى الأبد."

فتحت جالا عينيها، وعضّت شفتها، واستدارت للحائط، متجاهلة كلماته.

"من كان يظن أن حتى رودا استطاع أن يسلبك القدرة على المقاومة؟ يا له من إهدار لتلك السكينين الجيدين للقتل…"

تذكّرت جالا الأطفال الثلاثة الذين أُخذوا بعيدًا، واستعادت صرخة كوريا الموجعة:

"أختي جالا…"

أغمضت عينيها بشدة، تكبح دموعها.

لكن العجوز واصل كلماته، "جرح واحد جعلك تهربين بهذا الشكل. أنتِ تمامًا مثل كوايد… ذلك العام…"

عاد الكابوس.

لم تحتمل جالا أكثر، فقفزت من السرير، وصرخت بغضب نحو الزاوية:

"كفى! لا حاجة لتذكيري!"

ضحك العجوز بخفة.

"هاهاها… أذكّرك بماذا؟ همف، انظري، حتى اسم الحادثة لا تجرئين على نطقه…"

ثم سُمع طنين معدني أربك جالا.

عرفت ذلك الصوت جيدًا — صوت العجوز وهو يداعب نصل سكينه بأصابعه.

ورغم ضعفها، انتصبت بتحدٍّ.

"همف، تتحدث وكأنك تقول إنني سأصبح من الفئة الفائقة لو ذكرتُه فقط!"

أجاب العجوز بصوت غامض:

"ومن يدري؟ لكن طالما أنك تواصلين الهرب، فلن تصلي إليها أبدًا… وما حدث بالأمس سيتكرر دومًا.

اسم عائلة تشارلتون سيظلّ لعنتك الأبدية.

أتريدين أن يظلّ كابوس ذلك الرجل يحكمك لبقية حياتك؟ أم تودين أن تذوقي ضعفك مجددًا؟"

فتحت جالا فمها، وأخذت نفسين عميقين.

"وما الصعوبة في ذلك؟" قالت من بين أسنانها. "مجرد ذلك الحادث…"

"أوه؟ أي حادث؟" ارتفعت نبرة العجوز قليلًا.

تشوّه وجهها وهي تتذكّر الغرفة الحجرية أمام عينيها.

(لا يمكن…)

بدأت ترتجف.

(لا يمكن…)

انتشرت ظلال الدماء أمام بصرها كالسيل.

(لا يمكن…)

ارتعدت أسنانها.

(لا يمكن…)

كادت تختنق.

(لا يمكن… لا يجب أن أتذكر…)

لكن فجأة، ظهر أمامها صبي صغير، مغرور، ذو شعر أسود وعينين رماديتين، يغطي جسده الجروح، لكنه قال بثقة:

"سأذهب وحدي."

شهقت جالا وفتحت عينيها.

وفي ذهنها، عادت إلى تلك الغرفة الحجرية.

مرتعشة، قالت بصوت متهدّج، "قبل اثني عشر عامًا، في قصر النهضة…"

تكوّنت طبقة من العرق البارد على جبينها.

طنين!

دوّى صوت نصلٍ يُطرق في الهواء.

قال العجوز ببرود، "تابعي."

عضّت جالا أسنانها بقوة، وازدادت شحوبًا.

"في مهمتي الأولى…"

ارتجّ جسدها كله بلا تحكّم.

لكن هيئة رودا الهادئ، وهو يمسك سكينها ويأخذ الأطفال الثلاثة، عادت تملأ ذهنها.

ذلك… كانت نظرة كوريا المتوسلة.

"أنا…"

ارتجفت جالا، وغصّت بحلقها.

"أنا…"

شعرت بسائل دافئ يتسرب من عينيها.

"أنا…"

صار كل شيء أمامها أحمرَ قانيًا.

(مرعب…)

تلعثمت، عاجزة عن النطق.

عندها دوّى صوت العجوز صارخًا:

"قوليه!"

ارتعش جسدها بأكمله!

وبرمشة عين، اندفع شعاع فضيّ نحوها بسرعة!

طعن!

تم تثبيت نصل ذراع الذئبٍ في الجدار، على بُعد نصف إنش من أذنها اليسرى.

ارتجفت جالا بقوة!

ثم اجتاحتها الذكريات بألوانها وأصواتها وألمها — حيّة نابضة.

"في ذلك اليوم، أنا—"

اتسعت عيناها، وصاحت من أعماقها:

"أنا قطعت رأس طفل حيًّا!"

وبعد أن صرخت، راحت تلهث، وقد استنزف كل ما فيها من طاقة.

مرّت اثنا عشر سنة… لكنها أخيرًا قالتها.

أخيرًا، قالتها.

ارتطام!

سقطت جالا على ركبتيها مرتجفة، تغطي فمها، وتكبح غثيانها، وهي تبكي بصوت مبحوح.

ومن الزاوية، جاءها صوت العجوز الهادئ:

"الآن… التقطي سكينك.

سكينك أنتِ.

وليس سكين آل تشارلتون."

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬