سليل المملكة الفصل 63 — سليل المملكة 62

اقرأ سليل المملكة الفصل 63 — سليل المملكة 62 باللغة العربية على مانجا تايم.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

Arisu-san

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

الفصل 62: أنت مدين لي بكلمة شكر

….

الضجيج المكبوت في قاعة النجوم تحوّل رسميًّا إلى جلبةٍ عمّت القاعة بأسرها.

الجميع، من عامة الناس، والموظفين، والنبلاء على اختلاف طبقاتهم، اندفعوا للأمام بلهفة. جميعهم أرادوا أن يروا أول نسلٍ من عائلة جيدستار يظهر منذ اثني عشر عامًا.

تحت أوامر غيلبرت، اندفعت مجموعاتٌ تلو أخرى من الحراس المسلّحين جيدًا إلى المكان، وشكّلوا متاريس بشرية. حاملين دروعًا مضادة للقوة وهراوات للسيطرة على الشغب استُعيرت من مركز الشرطة، صدّوا الحشد بالقوة وحافظوا على النظام.

"تراجعوا، وإلا فستُعاقبون على قلة الاحترام تجاه العائلة الملكية!" صرخ الحراس بأعلى أصواتهم.

ومع ذلك، حتى هؤلاء الحراس، كانوا بين حينٍ وآخر يديرون رؤوسهم نحو ذلك الصبي ذي الهوية الخاصة، الذي لم يتجاوز السادسة أو السابعة من عمره.

وقف تاليس في القاعة غير متزعزع. وأمام نظرات الناس من أرجاء القاعة كافة، كان ثابتًا ومتزنًا.

(هذا ما لا خيار لي إلا أن أواجهه.)

شعر بشيءٍ من الخواء، ولذلك كان هادئًا إلى أقصى حد، رغم اضطراره لتحمّل سيلٍ لا ينتهي من النظرات المسلّطة عليه.

وخاصةً نظرات أولئك الدوقات والكونتات، الذين بلغ عددهم جميعًا أكثر من عشرة أشخاص. كان في نظراتهم حيرة، وصدمة، وغضب، وسخط، وتأمل، وغموض. ثم اتّحدت نظراتهم فجأة، لتغدو نظرات تمحيصٍ وحذر، تخترقه كسكاكين حادة.

وكانت هناك أيضًا نظرة زاين كوڤندير المعقّدة. شعر زاين بأن الدم في جسده بأكمله اندفع صاعدًا إلى دماغه.

مرتعشًا قليلًا، وقف ببطء وحدّق في تاليس بعدم تصديق. (ذلك الصبي… كيف يكون هذا؟

الابن غير الشرعي المزعوم للورد ماهن… هو؟

والسخرية الأكبر أنني أنقذت حياته البارحة من أيدي القتلة.

لو أنني أصررت البارحة… أو ببساطة امتنعت عن التدخل وجعلته يموت بأيديهم…)

شد قبضتيه بإحكام وصرّ أسنانه.

(لا، لم نخسر بعد. لا يزال هناك أمل!)

لكنّ هتافًا أعظم، أشدّ ضجيجًا، وأكثر صممًا دوّى من ساحة النجم. فقد أُعلن نبأ سليل عائلة جيدستار أخيرًا على المملكة بأسرها.

قال غيلبرت ببرود: "عودوا إلى مقاعدكم، أيها السادة. أؤمن أن جلالته سيتقبّل نصائحكم بتواضع ويأخذ باقتراحاتكم بشأن تعيين وريثٍ للعرش."

"لماذا يحمل هذا الصبي النجمة التساعية…؟ لقد مرّ اثنا عشر عامًا… جلالتك…" لم يستطع الكونت سوريل إخفاء ملامح صدمته. عاد إلى مقعده الحجري في ذهول.

"لم نسمع قطّ أن الملكة كيا أنجبت طفلًا ثالثًا… من يكون هذا الطفل المجهول…؟" تمتم الكونت داغستان وهو يجلس ثانية على مقعده الحجري، حاجباه معقودان في تفكيرٍ عميق.

"جلالتك، ما زلنا بحاجة إلى تفسير!" قال الدوق كوشدر، الملقّب بالتنين ذو العين الواحدة من عائلة نانشيستر، مطأطئ الرأس. لم تُرَ ملامحه بوضوح في الظلال، لكنه ظلّ قابضًا قبضتيه بإحكام.

رفع رأسه فجأة وحدّق بحدة وثبات في كيسل الخامس بعينه الوحيدة. "أن يظهر صبيّ مرتدٍ لشعار عائلة النجمة التساعية في هذا الوقت… أتهزأ بنا؟"

لم يُلقِ كيسل الخامس نظرةً واحدة نحوه، بل وجّه بصره إلى جهةٍ أخرى.

قطّب ڤال حاجبيه بعمق وزفر بخفة. "كيل، فهمت الآن. هذا كان هدفك. مثل هؤلاء الناس المقيتين، كان لديك مخطّط. لم تُقم هذا المؤتمر الوطني كردٍّ على إكستيدت، بل من أجل هذا الفتى."

اتكأ دوق الإقليم الشمالي إلى الخلف ونظر إلى تاليس عديم الملامح، ثم إلى الملك الصامت.

"أتظنونني أحمق؟ ها، بعد كل هذا، لا أحد يهتم بإكستيدت والحرب سوى الإقليم الشمالي نفسه." ضحك بسخرية. "انظروا، هذا هو مجد الكوكبة، وهج الإمبراطورية الباهت."

تجاهله كيسل الخامس. وتجنّب الإقطاعيون الآخرون نظره.

حتى الدوق كالين السمين قطّب حاجبيه في مشهدٍ نادر، متأملًا بجديةٍ وصرامة دون أن ينبس بكلمة.

"ليس غريبًا. نحن نتحدث عن العائلة الملكية جيدستار وعن تسع عشرة عائلة نبيلة." ضحك الدوق فاكينهاز ضحكة جافة، غير آبهٍ بأن مَن يسخر منهم يشمل نفسه أيضًا. "أعمدة الكوكبة!"

وبعد أن استعاد هدوءه، تبادل زاين كوڤندير نظراتٍ مع كوشدر. حاولا التواصل مع الدوق كالين الجالس على مقعدٍ حجريٍّ آخر، غير أن الأخير ظلّ مطأطئ الرأس غارقًا في تفكيره، كأن لا شيء في العالم الخارجي يعنيه.

(أيها العجوز اللعين.) لعن كلٌّ من دوق الساحل الجنوبي الشاب والدوق ذو العين الواحدة من أرض المنحدرات في داخله بالوقت نفسه. (هو رائد "النجم الجديد"، وأول من وافق على الخطة، لكنه دومًا أول من يتراجع حين تقع الحوادث.)

وبينما كان غيلبرت يراقب الكونتات والدوقات وهم يعودون إلى مقاعدهم، قال ببرود:

"أيها الجميع، لقد سمعتم ما قاله جلالته. سيعترف جلالته بهذا الفتى كقريبه في مؤتمر اليوم الوطني."

تقدّم النبيل في منتصف العمر خطوةً إلى الأمام، محاولًا قدر الإمكان كبح انفعاله.

"وهكذا، ستستمر سلالة جيدستار الملكية…"

"انتظر!"

بدت على الدوق كوشدر، تنين العين الواحدة من أرض المنحدرات، علامات الصحو من الصدمة التي أفقدته رباطة جأشه. قاطع غيلبرت بصوتٍ مرتفع.

"نعلم جميعًا أن اثنين من أبناء جلالته قد تُوفّيا للأسف منذ اثني عشر عامًا، لكننا لا نعلم بعد ما أصل هذا الفتى تحديدًا!"

(ربما سيكون الأثر طفيفًا. لكن لا بد من إيقاف هذا مهما كان الثمن، وإلا، بعد كل هذا التخطيط الطويل، فإنهم…)

تنفّس تاليس الصعداء ونظر نحو كوشدر.

(هل هؤلاء هم الأشخاص الذين تحدّث عنهم غيلبرت؟ أولئك الذين يأملون في استغلال أزمةٍ مفاجئة لتغيير وضع المملكة ومن ثم نيل السلطة والمنافع؟)

رمق تاليس كلًّا من كوشدر وزاين والكونتات، وتفحّصهم ثم هزّ رأسه قليلًا.

(هذا المؤتمر أشبه بمسرحيةٍ هزلية في سوقٍ شعبي، لكنه يقرّر الحرب والسلام، ومستقبل عددٍ لا يُحصى من الناس في المملكة.)

"من منحك الحق في استجواب جلالته عن هوية ابنه أمامه خلال المؤتمر الوطني؟" صاح الكونت جودوين، أحد أنصار الملك، باستياءٍ شديد.

وبعد أن التقت عيناه بنظرة الدوق زاين، قال الكونت لاشيا ببطء:

"هذا الأمر يتعلّق بمن سيرث العرش، وبمستقبل الكوكبة. كل نبيلٍ منحه الملك لقبه يملك الحق في السؤال. كيف لنا أن نعتبر هذا لعبًا؟"

صفّق فاكينهاز ضاحكًا ضحكة حادةً ماكرة.

"رائع. قبل لحظات كانت العائلة الملكية جيدستار أثرًا تاريخيًا على وشك أن يُلقى في مزبلة النسيان. والآن، صار الجميع قلقين على مستقبل المملكة."

نظر كوشدر وزاين إلى فاكينهاز بنظرات استياء في اللحظة نفسها.

وضع ڤال يده على جبينه وتكلّم وهو يكتم غضبه.

"ليت هذه المهزلة اللعينة تنتهي سريعًا. أيًّا تكن النتيجة، فالإقليم الشمالي ما زال يواجه تهديد الحرب.

"وأعلم أنكم لا تكترثون، بل حتى هذه الأزمة… أيًّا يكن، أنهوها فحسب."

وفي نهاية حديثه، حرّك دوق الإقليم الشمالي رأسه قليلًا وقد امتلأت نظرته بالغضب، متابعًا بسخرية.

"سواء أكان الملك أم الإقطاعيون… لم يكن على الإقليم الشمالي قط أن يعتمد على أيٍّ منكم."

نظر الإقطاعيون إلى بعضهم، وساد صمتٌ قصير.

عاد الضجيج في ساحة النجم يتعالى مجددًا، وتردّد صداه في قاعة النجوم، دون معرفة السبب هذه المرة.

نقر كيسل بخفة صولجانه على الأرض، فاسترعى انتباه الجميع. كان تعبير ملك اليد الحديدية هادئًا غير مبالٍ.

"تاليس، دَع الجميع يرَوا من تكون." كان صوت الملك رتيبًا، لكن كلماته غيّرت ملامح الجميع فجأة.

"عاجلًا أم آجلًا، سيركعون أمامك ويجددون ولاءهم لك. سيصبحون سندك، وأعمدة المملكة."

التفت بعض الكونتات دون أن يرفّ لهم جفن، متنازلين تمامًا عن نيتهم في الاعتراض.

(صحيح. إن أصبح هذا الفتى حقًا ملك الكوكبة الأعلى في المستقبل…)

شبك زاين يديه بهدوء وبدأ يحسب الموقف بسرعة.

(إن لم يُقِرّ المجلس الأعلى المؤلف من تسعة عشر نبيلًا بمكانة هذا الطفل… عندها… حتى لو أضرّ ذلك بثقتنا العامة… هذا المؤتمر اللعين…)

دوى وقع خطواتٍ.

وأدار كل الجالسين على المقاعد الحجرية رؤوسهم، يراقبون الصبي وهو يقترب من الملك كيسل.

ذلك الفتى الذي بدا هزيلًا وضعيفًا وبائسًا، والذي اضطر لتحمّل نظرات الجميع في القاعة، حافظ على تعبير هادئ، بل بدا مشغول البال قليلًا.

تنفّس بعمق.

"أنا تاليس." وسط الضجيج، تكلّم الفتى المهندم بصوت خافت.

وسرعان ما عمّ الصمت القاعة حتى يتمكّن الحاضرون من سماعه بوضوح.

كانت تلك أيضًا مهارة اكتسبها من حياته السابقة أثناء إلقاء الخُطب؛ فعندما يتحدث المرء في مكانٍ صاخب، فإن سرّ إسكات الآخرين لا يكون برفع الصوت أكثر منهم، بل بأن يتركهم بلا خيار سوى أن يصمتوا ليصغوا إليه.

"أنا من نسل دماء جيدستار. والدي هو الملك الأعلى لهذه المملكة، الملك كيسل جيدستار. وجدي هو الملك الراحل للمملكة، ملك الحكم الأبدي، الملك آيدي جيدستار."

مسح بنظره جميع السادة الإقطاعيين أمامه. فرأى دوق الإقليم الشمالي، الجالس وحيدًا على الجانب بتعبيرٍ كئيب، مطأطئ الرأس صامتًا — ڤال آروند، وإلى خلفه كان يجلس الكونتان الشماليان.

ثم نظر إلى تنين العين الواحدة العدواني، نانشيستر؛ وإلى زاين الذي هزّ رأسه قليلًا وهو يحدّق به؛ وفاكينهاز الذي اتسمت نظرته بالتأمل؛ والدوق كولين الذي كان مطأطئ الرأس مبتسمًا.

ثم نظر إلى الكونتات الذين اختلفت ملامحهم، لكنهم جميعًا كانوا يحملون نوايا خفية في قلوبهم.

بل ونظر أيضًا إلى كيسل الخامس، الذي كان يحمل صولجانه بتعبيرٍ خالٍ من الانفعال.

استفاق تاليس فجأة على الواقع. (موقعي، وخلافة العائلة المالكة، بل والحرب الوشيكة وسلامة الكوكبة، أخشى أن كل ذلك لم يكن يومًا ضمن حسابات هؤلاء الناس.)

(أما ضحايا الحروب…)

اشتدّ في قلبه الإحباط والملل أكثر.

من حيث المفترض، كان عليه أن يتحدث عن "أصوله" في قصر ماهن كما أُمِر، ثم يترك للملك وحزبه الملكي أن يتولّوا البقية.

لكن تاليس شعر بالإرهاق. لم يعد يرغب في اتّباع النص بعد الآن؛ لقد سئم من كل هذا.

بدأ عقل الفتى يدور في تأملٍ داخلي. (تشكّل الممالك الإقطاعية… الملك الإقطاعي وأتباعه… العواطف الشخصية العميقة… الصراع على السلطة… الرابطة التي تتبدّل تدريجيًا…)

ثم فتح عينيه ببطء، وحدّق في السادة الإقطاعيين، وارتسمت على طرف شفتيه ابتسامة طفيفة.

فرأى الجميع الفتى يغمض عينيه للحظة، ثم يفتحهما بعد ثانية وهو يبتسم بسخرية خافتة. وعندما رأى غيلبرت تلك الابتسامة الساخرة وتوقف تاليس عن الكلام، شعر بقشعريرة باردة تسري في عموده الفقري.

(لا يمكن أن يكون…)

وعلى الرغم من أن هذا الشاب أرعبه كثيرًا من قبل، إلا أن غيلبرت كان يفضل ألّا يتفاجأ في مناسبة كهذه.

رمش تاليس وبدأ يتحدث ببطء. "بوسعي أن أُثبت أنني من دماء جيدستار. لكن…"

"انسوا ذلك." جال تاليس ببصره بين النبلاء الذين كانوا يراقبونه بعيون جشعة متربّصة. "على أي حال، حتى لو استطعت أن أُثبت أنني من سلالة عائلة جيدستار، فستجدون دائمًا سببًا للاعتراض على انضمامي إلى العائلة، أليس كذلك؟"

تحدث كوشدر ببرود، "يا فتى، هل تدرك ما الذي تتحدث عنه؟ إن لم تستطع أن تُثبت أنك—"

"الدوق الحارس لأرض المنحدرات، كوشدر نانشيستر،" قال تاليس ببرود، "هل اعتراضاتك العنيفة من أجل الكوكبة والعائلة المالكة؟ أم من أجل أن يرتدي أحدكم التاج؟ أليس هذا أمرًا يعرفه الجميع بالفعل؟"

"إنه المؤتمر الوطني، وأهل العاصمة بأكملها يشاهدون هذه الجلسة. فمن تظن أنك تخدع بذلك المظهر المتصنّع من البرّ والادّعاء بأن ’كل ما أفعله من أجل الكوكبة’؟"

فانفجرت القاعة بالضوضاء على الفور.

بدأ غيلبرت يشعر بالقلق؛ فهذا بالتأكيد لم يكن ضمن الخطة. كان على وشك أن يتكلم، لكن جينيس جذبته من الخلف.

نظرت جينيس إلى تاليس وقالت بصوت منخفض: "دعه يُكمل. لا يبدو أنه يسترجل."

أما كوشدر، الجالس على كرسي الحجر، فكان يحدّق في تاليس بعينه الوحيدة بنظرةٍ لاذعة. غير أن تاليس شعر بأن نفس دوق المنحدرات قد تسارع.

تقدّم تاليس بخطوات واسعة نحو كوشدر، وحدّق في عينه دون خوف. "لقد دخلتَ قاعة النجوم متذرّعًا بأنك تريد مساعدة الإقليم الشمالي وتوحيد المملكة. لكنك، كشرطٍ مسبق، طالبت بأن يُعيَّن أحد رجالكم وريثًا للمملكة، وإلا فلن تُرسلوا الجنود، بل تفضّلون أن تسقط الأراضي الشمالية في يد العدو. بالطبع، ربما كان انهيار الشمال أمرًا حسنًا بالنسبة لكم جميعًا."

رفع ڤال، الذي ظل مطأطئ الرأس طوال الوقت، نظره نحو الفتى.

وكان كوشدر لا يزال يرمق تاليس بعينه الوحيدة، كأفعى مامبا تراقب فريستها قبل الانقضاض.

لكن تاليس لم يكن قد انتهى بعد. كانت عيناه تتّقدان، كأن فيهما غضبًا دفينًا. "لكن الجميع يعلم أن هذا ليس برًّا، بل صفقة! ما يشغلكم ليس الكوكبة، ولا العائلة المالكة، ولا الشعب — بل أنفسكم! أنتم لستم أبطالًا منفردين يقبلون الرفض في سبيل مصلحة المملكة! كل ما تريدونه هو وريثٌ للعرش يناسب رغباتكم! لكنكم تضطرون إلى تغليف أطماعكم ومصالحكم بثوب البرّ والادّعاء!"

وختم تاليس كلماته ببرود، مستندًا إلى المعرفة التي اكتسبها خلال الأيام العشرين الماضية.

"في الشرق الأقصى، يسمّون هذا ’تغطية الرغبة بالأعذار’. وبالترجمة المباشرة، يعني هذا: أيها تنين الأعور، أنت منافق. وأنت تُثير اشمئزازي."

لم يبقَ في عين كوشدر الوحيدة سوى البرود.

حدّق الأسياد الإقطاعيون بعضهم في بعض، وقد أبصروا الذهول في عيون الآخرين.

رغم أنّ هذه قصة غير معلنة يعرفها كلّ مفكّر، إلّا أنّ النطق بها علنًا… أمرٌ بالغ…

"واو." صفّق فاكينهاز، كأنّه يتوق إلى فوضى تجتاح المملكة بأسرها. ابتسم. "على الأقلّ إنّك بليغ إلى حدٍّ معقول، أيّها الصبي."

مرّر كيسل الخامس يده برفق على صولجانه. كان نظره عميقًا.

بعد ثوانٍ قليلة، انفجر الجمع في ضوضاء. بل إنّ بعض الأصوات علت من الموضع الذي يجلس فيه عامة الشعب وأعضاء طبقة النبلاء الصغرى.

"أأنهيت كلامك؟!" عاضًّا على أسنانه، نهض كوشدر فجأة!

تقدّم مباشرة نحو تاليس وأشرف عليه من علٍ. نطق بنبرة مهيبة، "أيها الطفل اللعين، أتظنّ أنك بتفاهاتك تلك تستطيع أن تغيّر…"

رفع تاليس رأسه فجأة وقطعه ببرود، "اصمت، أيها المنافق. لم أنهِ حديثي بعد!

سلالة جيدستار تقف أمامك الآن. أنا حفيد تورموند الأول، ودمي هو ذاته الذي كنت أنت وأسلافك عبر كلّ جيل تركعون أمامه، تقسمون له الولاء والحياة!" ثبت تاليس بنظره على دوق أرض المنحدرات دون أن يُبدي أدنى ضعف. وتابع دون أن يأبه بمشاعره، "حتى لو رغبت في اغتصاب العرش، فاحترمني على الأقلّ صونًا لأسلافك."

اتّسعت عين كوشدر الوحيدة. حملق بذهول في الطفل الواقف أمامه — لم يتجاوز السادسة أو السابعة من عمره — وقد استخدم مقام جيدستار الذي لم ينله هو نفسه بعدُ، ليهينه به. لوهلة، نسي حتى أن يردّ.

تعالت من الساحة هتافات صاخبة مجددًا. ويمكن تمييز كلماتٍ مثل "جيدستار" و"أمير" بين الضجيج.

ابتسم تاليس بسخرية وكرّر بلا رحمة، "يبدو أنّ الرسائل قد وصلت بالفعل، أيها الدوق المنافق."

ولم ينتظر ردّ كوشدر، بل استدار فجأة وحدّق في الأسياد الإقطاعيين.

تكلّم تاليس بثبات وعلوّ صوت، "كلكم عقدتم صفقةً في الخفاء، أليس كذلك؟ جماعة من النبلاء، جعلوا من تحديد الملك التالي هدفًا لهم، فاغتالوا بعثة دبلوماسيين إكستيدت، وأشعلوا الحرب. ومع سقوط الإقليم الشمالي، سيحصل البعض على الأراضي والموارد، وسينال آخرون الوعود والمكاسب، وهناك من…" استدار تاليس ببطء ونظر نحو الدوق الشاب لساحل الجنوب، متحدثًا بهدوء، كلمةً كلمة، "قد ينال التاج.

أليس كذلك؟ أيها الدوق زاين كوڤندير، دوق زهرة السوسن ثلاثية الألوان؟"

التفت كثيرون في اللحظة نفسها ليتبعوا نظرة تاليس نحو زاين كوڤندير.

تحت أنظار تاليس والجمع، شعر زاين بانزعاج شديد.

إنّ إدراكه غير المقصود أنّه أنقذ الصبيّ بالأمس وأفلت به، مما أدّى إلى إفشال الخطة، أثار في صدره غضبًا كبيرًا. غير أنّ تربيته الصارمة التي استمرّت لسنين، وتدريبه النبيل، مكّنته من كبت مشاعره وحفظ مظهره الأفضل.

ابتسم زاين ابتسامة ودّية وتحدث بثبات، "يا فتى، التخمينات العشوائية لن تساعدك على تثبيت مكانتك. إن لم تنوِ شرح أصلك وتقديم الدليل، فسوف نضطر لإرسال فريق تحقيقٍ نقوم عبره بفحص ماضيك تفصيلاً. فقط حينها—"

قطع تاليس حديثه فجأة، مبدّلًا الموضوع.

"أمس، في طريقي إلى قصر النهضة، واجهتُ مغتالين." كان تاليس يراقب الأسياد الجالسين بينما تغيّرت نظراتهم. تحدث بهدوء، "ولولا مساعدتك، أيها الدوق الحارس لساحل الجنوب، زاين كوڤندير، في منتصف طريقك، لما نجوت من الموت."

تبادل غيلبرت وجينيس النظرات، ورأى كلٌّ منهما القلق في عيني الآخر.

وبمجرد سماع الخبر عن المغتالين، بدأ الحاضرون يتناجون من جديد.

أومأ تاليس له بوجهٍ هادئ. "لقد أُنقِذتُ، لكنّ أحدًا لم يشكرني."

جاهد زاين لقمع الغضب في قلبه. (هذا الصعلوك. هل لأنه يعلم أني تركت فريسةً ضخمةً تفلت، فـ…

فهو يتعمّد إذًا استفزازي هنا؟)

ظاهريًا، ابتسم زايين وهزّ رأسه برشاقة. "على الرحب والسعة. كلّ نبيلٍ يمرّ مُلزَمٌ بمدّ يد العون. ثمّ إنّك شكرتني بالأمس. ولكن، رغم أنّك واجهت محاولة اغتيال، فهذا لا يثبت أنك—"

لكن تاليس لم يدعه يُكمل.

"لا، أيها اللورد كوڤندير." رفع تاليس رأسه ببرود. "لقد أسأت الفهم."

خطا تاليس نحوه ببطء، خطوةً بعد خطوة، متحدّثًا كلمةً تلو أخرى على وقع خطواته، ليضفي على كلماته أثقل هيبةٍ وأقوى وقعٍ في القلوب. "أتذكر لحظةَ أن شاهدني المغتالون بوضوح. كان زعيمهم مذهولًا جدًا، بل صرخ قائلاً: ’لا!’"

وقف تاليس أمام كرسي كوڤندير الحجري وقال ببطء، "ربّما تساءل غيلبرت لمَ واجهتُ اغتيالًا مع أنّ مكاني لم يكن معلومًا البتة."

حدّق زاين مذهولًا في تاليس الواقف أمامه. ما الذي يريد فعله بحقّ السماء؟

"وبوصفي الهدفَ المقصود بتلك العملية، ذُهلتُ أنا أيضًا. في ذلك الحين، لم يكن أحد تقريبًا يعلم من أكون. حتى لو وُعدتُ بالتاج، فإنك — أنت صاحب المصلحة في العرش — إن التقيتني، ما كنت لتغرس سيفك بجسدي قبل أن أتكلم."

"حتى هذه اللحظة، حين رأيتك أنت وأعوانك تدفعون معًا نحو تعيين وريث، أدركت أخيرًا." خفّض تاليس رأسه وزفر بعمق. "لم يأتوا لقتلي… بل لقتل شخصٍ آخر."

تبدّل وجه زاين أخيرًا. ومع تحوّل نظرته من الشك إلى الذهول، تفوّه تاليس بكلماته الأخيرة ببطء.

"كان هدفهم شخصًا آخر أيضًا في طريقه إلى قصر النهضة، وكان لا بدّ أن يمرّ من ذلك الشارع. شخصًا ذا شأنٍ عظيم، جاء متخفيًا في رحلته، بحمايةٍ محدودة."

بلغت دهشة زاين حدّ أنه عجز عن الكلام.

كانت نظرات تاليس ثابتة وكلماته قاطعة كالسيف. وهو يحدّق في زاين الجالس مبهوتًا على كرسيه الحجري، ارتسمت ابتسامة على شفتيه. "نعم، يا دوق كوڤندير. بالأمس، أربكتُ المغتالين بمروري من هناك."

في زاويةٍ غفل عنها الجميع، خفضت جينيس رأسها وأغمضت عينيها بإحكام.

"صاحب السموّ، أنا من فعل ذلك. كان هناك أكثر من عشرة مغتالين محترفين، أصحاب تخطيطٍ محكم، مدرَّبين جيّدًا، منسَّقين ببراعة، ومتخفّين ببراعة فائقة. ضمّوا بينهم ذوي قدراتٍ نفسية، ومجهّزين بأقواس نشاب، قادرين على اغتيال هدفهم المحميّ بحرسٍ من الفئة الفائقة. كنت أنا…" ضيّق تاليس عينيه الرماديتين. "…من أنقذك من أيديهم."

أطلق جملته الأخيرة، "إذًا، أنت من تدين لي بكلمة شكر، يا دوق كوڤندير."

كش ملك.

وقد أدرك شيئًا ما، ازداد وجه زاين شحوبًا حتى البياض، وأسند ظهره لا إراديًا إلى الكرسي الحجري.

أما الكونتان من تلّة الساحل الجنوبي، كارابيان ولاسشيا، الجالسان خلفه، فتبادلا النظرات في ذهول.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬