▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 52: تاليس وزاين (2)
….
"كان ردُّ عائلة النسر الأبيض أسرع مما تخيّلنا — فقد وصلت «النسر الحديدي» إلى مدينة النجم الأبدي قبل ساعتين. هذا سيمنح جلالته وقتًا وافرًا للاستعداد قبل أن ينتشر الخبر."
جلس زاين بأناقة داخل عربةٍ بلا شعارٍ نبيل، يقودها الفارس سيشيل. نطق بتلك الكلمات بوجهٍ متجمد القسمات، وهو ينظر إلى الخارج من نافذة العربة.
عربةٌ أخرى غامضة الهوية توقفت إلى جوارهم، وقد فُتحت نوافذ العربتين لتيسير الحديث بين راكبيهما.
"وماذا في ذلك؟ مهما بلغت سرعة السمكة في السباحة، فلن تستطيع تجنب التيار. هذا تيارٌ مصيريٌّ لا بدّ لجلالته من مواجهته." صدح صوتٌ حادّ من العربة المقابلة.
"لكن ثمّة خللًا في معلوماتنا." نطق زاين ببرود. "هناك شخصيةٌ غير متوقعة في وفد الدبلوماسيين… والعواقب أشدّ خطورة مما قدّرنا."
"أتراك تُفكّر في الانسحاب؟"
توقف زاين لحظةً، وتنفس بعمق. "لا، أبدًا. الخطة مستمرة."
(لا طريق للعودة بعد الآن، أليس كذلك؟)
تحدث الصوت الحاد بلا اكتراث، "جيّد إذن. لقد صدر المرسوم العام، وسرعان ما سيصل النبلاء واحدًا تلو الآخر. وفي تلك الأثناء، سيكون الردّ الرسمي من إكستيدت قد وصل — حشد الجيوش، والمطالبة بالأراضي، وتهديد الحرب. خمن كيف سيتصرّف جلالته؟ هل سيبتلع الإهانة من أجل هدفٍ أعظم، أم سيدفع بمملكتنا إلى الجحيم غير عابئٍ بشيء؟"
"ولتنفيذ أمرٍ جلل كهذا… أنتم قساة بحق."
أخفض زاين رأسه وأطلق تنهيدةً خفيفة، ثم حرّكه نافيًا. "تمامًا كما هو شعار عائلتكم — «القوة تولد من العنف». هذه خطوةٌ لا بدّ منها. عليّ أن أؤكد موقفكم — لقد رفضتم مرارًا الانخراط في «النجم الجديد»، وهذا أربكنا كثيرًا."
ضحك الصوت الآخر عاليًا. "يبدو أنك واثق بنفسك يا زاين! لا ألومك على ذلك. فكّر بالأمر — الشابّ النبيل المهذّب زاين كوڤندير، عمدة مدينة اليشم ودوق الساحل الجنوبي الحارس، يُعيَّن وريثًا لجلالته! يا له من مشهدٍ بديع!"
نطق زاين بصدقٍ جادّ، "نحن على استعدادٍ لأن نَعِد بشرف عائلتنا أن حكمكم في الصحارى الغربية لن يُزعزع من أحد. بل قد تجنون الفائدة من انهيار الأراضي الشمالية. وليس بالضرورة أن أكون أنا… ربما تعتمد الكوكبة نظام اختيار الملك، أليس كذلك؟"
تحدث ببطءٍ وهدوء، وهو يميل قليلًا إلى الأمام، "وكونك أحد الستة، فسيكون من الحتمي أن تكون مرشحًا."
ساد صمتٌ ثقيل دام أكثر من عشر ثوانٍ بين العربتين.
تحدث الصوت الحاد بخبث، "حسنًا، من هذه اللحظة، لك مني عهدٌ. إن وصلت الكوكبة إلى تلك المرحلة، فلن تغيب عائلة فاكينهاز عن المشهد."
قبض زاين قبضته بهدوء، كاظمًا نفاد صبره.
(هذا الرجل… ما زال يرفض أن يُلقي بورقته على الطاولة. هل يظن أن لفاكينهاز فرصة أيضًا؟ أم أنه يتأرجح بين العائلات الأخرى؟ كولين؟ نانشيستر؟ أم التابارك المستحيلة؟)
"سأتذكر ذلك… موقف فاكينهاز." تحدّث سيد زهرة السوسن الثلاثية بنبرةٍ هادئة.
ورغم اتزانه الظاهر، كان زاين يكنّ رهبةً خفيةً تجاه الرجل في العربة الأخرى. ففي قائمته، لم يسبقه في الخطورة سوى دوق البحر الشرقي السمين، وتجاوز حتى تنّين نانشيستر ذو العين الواحدة.
ضحك الصوت الحاد مجددًا، وتحدث بسخرية، "يشرفني كثيرًا، يا زاين… أو قل يا جلالتك القادم! سمعت أنك تعاني مؤخرًا من مشاكل عصابة قوارير الدم. ألم تتعاونوا للسيطرة على العصابات؟ والرجل العجوز من عائلة كولين، ألم يكتفِ بالوقوف متفرجًا؟"
عند سماع لفظ «جلالتك»، تجهم وجه زاين وعبس. "أشكرك على قلقك. كل شيء تحت السيطرة. هذا يكفي لليوم، فما زال عليّ التوجه إلى قصر النهضة. أما أنت، فيُفترض أنك الآن في الأنقاض لتتلقى المرسوم الملكي بنفسك."
"لا تقلق. عائلة فاكينهاز لا تتخلف أبدًا." فجأةً برد صوته الحاد.
"حسنًا إذًا، يا سيدي فاكينهاز. أتطلع لرؤيتك مجددًا."
ضحك الصوت وتحدث، "وأنا كذلك… اجتماع العائلات النبيلة التسع عشرة في العاصمة، بعد اثني عشر عامًا… هاها!"
تحركت العربتان كلٌّ في طريقٍ مغاير، مبتعدتين شيئًا فشيئًا.
خفض زاين رأسه وأغمض عينيه، مدلكًا جسر أنفه برفق.
ارتفع صوت سيشيل من النافذة الأمامية، "سيدي، ثمّة خطبٌ في الأمام."
فتح زاين عينيه بهدوء.
وفي مسافةٍ غير بعيدةٍ عن العربة، دوّت أصواتٌ حادّةٌ غريبة.
أفلت سيشيل السوط بيدٍ، وأمسك سيفه بيده الأخرى، "يبدو أن عربةً تتعرض لهجومٍ من مغتالين مأجورين."
…
"تحلّوا بالهدوء."
ناظرًا إلى المتسولين على جانبي الطريق (الذين كانوا إما مستلقين أو واقفين)، انحنى غيلبرت بهدوءٍ وفتح نافذة صغيرة أمامه. بعد لحظةٍ من التردد، تحدث بصوتٍ ثابتٍ مطمئن، "السيدة جينيس، هناك أمرٌ غير طبيعي حولنا."
من النافذة الصغيرة، كان تاليس يرى بوضوح جسد جينيس وهو يرتجف.
تحدثت ببطء، "… مغتالين؟ جاؤوا لأجل الطفل؟"
لسببٍ ما، التقط تاليس ارتباكًا غريبًا في نبرة جينيس، ولاحظ نظرة القلق في عيني غيلبرت تجاهها.
"… ربما لا." أجاب النبيل في منتصف العمر بهدوء.
(ربما لا؟)
تحسس تاليس خنجر «جي سي» عند خصره، وشعر بالذعر يتسلل إلى قلبه.
(لكن حتى يودل أكّد أنهم مغتالين، فلماذا يقول غيلبرت لجينيس 'ربما لا يكونون كذلك'؟)
"استعدي لزيادة السرعة والانفصال في أي لحظة. لكن قبل أن يتحركوا حقًا، جينيس، عليك أن تبقي هادئة! عليك ذلك! تذكّري، قد لا يكونون مغتالين." تحدث النبيل بصرامة، وكأنه يخشى أن تفهمه على غير مراده، فأضاف على الفور، "ويودل، أنت أيضًا!"
"هل جاؤوا لأجلي؟" تساءل تاليس بوجهٍ متجهّم.
جلس غيلبرت وألقى نظرةً حادة داخل العربة وقال بخفوت: "الوضع غامض حتى الآن. من الناحية النظرية، لا يمكن أن تُفشى هويتك أو موقعك. لكن استعد للأسوأ."
ورغم أنه لم يكن يُرى، إلا أن صوت يودل الأجشّ تردّد بجانبه كأنما ينبثق من الظلال.
"على الأقل سبعة منهم. مهرة في التخفي ومدربون جيدًا، متمركزون على طول الطريق المؤدي إلى قصر النهضة."
"أنا مستعدة، وسأزيد السرعة في أي لحظة. تمسّك جيدًا." صوت جينيس دوّى، فشعر تاليس بقشعريرةٍ تسري في جسده.
"جينيس، تماسكي!" بدا أن غيلبرت نفسه فقد شيئًا من رباطة جأشه، إذ خاطبها بصرامة.
حتى تاليس، بقلة خبرته، شعر أن أمرًا ليس على ما يُرام بجينيس.
انعطفت العربة عند زاوية، منتقلة من طريقٍ موحلٍ إلى آخر مرصوفٍ بالطوب — وبقي أمامهم منعطفان فقط قبل بلوغ المنطقة المركزية.
ثم…
المتسول العجوز الذي كان يتمرغ على الأرض إلى يسارهم بدّل ملامحه فجأة، واندفع على أربع نحو أحد الخيول، مادًّا يديه نحو جينيس متوسلًا.
صفعة!
دوّى صوت السوط، واندفعت العربة فجأة للأمام، تهتز بعنف!
تغير وجه غيلبرت بشدّة، وانقض نحو مقدمة العربة، صارِخَا دون أن يعبأ بردة فعل تاليس.
"جينيس، لا! انتظري—"
لكن الأوان كان قد فات.
صرخت جينيس بغضبٍ هادرٍ من مقعد القيادة.
"تعالوا إذًا، أيها الأنذال!"
مع التفاف معصمها الحاد، انقض السوط على جسد المتسول العجوز بقوةٍ مزلزلة.
صفع!
تطاير خيطٌ من الدم، واندفع العجوز مترين إلى الوراء، فيما انزلق من كمّه سيفٌ مقوّس.
في حين كان تاليس المذهول يحاول فهم ما جرى، قفز متسولٌ خلف العربة وهو يصرخ بخنجرٍ في قبضته.
"لقد بدأ الأمر! اهجموا!"
ومن بين المتسولين والمشردين، انبثقت أكثر من عشرة ظلالٍ تنقض نحو العربة!
تغيرت ملامح تاليس بذهول.
(إنهم أكثر من سبعة!)
لكن حين تمكّن من عدّهم، كان الهجوم قد بدأ بالفعل.
كانت الخيول أول من تعرّض للهجوم. انقضّ مغتالان أثناء مرورهم بالعربة، وشقّا بطني الفرسين مرة واحدة. تفجّر الدم، وارتفعت صرخات الخيول السوداء المذعورة.
وسط صيحات جينيس الغاضبة وضرباتها، واصلت العربة اندفاعها بقوة القصور الذاتي، ثم ارتطمت بالخيول الساقطة، فبدأت تنقلب على جانبها.
قفزت جينيس بقوة، وضربت مغتالًا بسوطها فسقط أرضًا، ثم استلت سيفها الطويل من خصرها، واستدارت بسرعة، وغرسته في صدر مغتالٍ آخر من الخلف.
ارتطام!
وأخيرًا، انقلبت العربة على الطريق.
في اللحظة التي سقطت فيها، أحاط غيلبرت تاليس بذراعيه ليقيه الصدمة، واندفعا معًا نحو النافذة الجانبية. قفز ثلاثة مغتالين فوق العربة المقلوبة!
بينما كان تاليس ينهض مترنحًا، دفعه غيلبرت نحو الجدار.
تحطّم!
لم يكن المغتالين هم من هاجموا، بل غيلبرت نفسه.
بهدوءٍ، سحب عصاه، ولوّح بذراعه، محطمًا الزجاج فوقهم بالكامل.
تطايرت الشظايا الحادة، فرفع المغتالين أذرعهم بغريزتهم ليحموا أعينهم.
امتدّت عصا غيلبرت إلى الأمام كأفعى سامّة، فانطلقت من رأسها شفرة حادّة لتوجّه ضربات دقيقة لا تخطئ. وبينما كانت الشفرة تلمع في الهواء، انهار أحد المغتالين ممسكًا بعنقه.
أحكم تاليس قبضته على رأسه، وقد أحسَّ بشظايا زجاجٍ صغيرة تتساقط من حوله.
امتدَّ سيفان طويلان إلى داخل العربة متجهَين نحو تاليس، غير أنّهما انحرفا عن مسارهما بمهارةٍ مذهلة حين صدّهما سيف النبلاء الرفيع في يد غيلبرت اليسرى بقوةٍ وحذق.
شَقّ! غاص أحد النصلين في الأريكة إلى يسار تاليس، فيما اجتاز الآخر ذراعه اليمنى عابرًا الهواء. عضّ تاليس على أسنانه، شاعِرًا ببرودةٍ قاسيةٍ تسري في ذراعه.
أحد المغتالين الذي لمح ما جرى داخل العربة تمتم بدهشة: "لا…"
لكنّ كلمته انقطعت في منتصفها.
ظهر يودل خلف المغتالان كالشبح، قاطعًا عنقيهما من الخلف بخنجرٍ قصيرٍ قاتم اللون.
خارت قواهما في الحال، وسقطا على الأرض بلا حراك.
"خذوه بعيدًا!" زمجر غيلبرت بغضبٍ عارم، وبينما كانت شظايا الزجاج تتساقط، استند بيده إلى العربة واندفع خارجها.
أمسك يودل بحزام تاليس وجذبه معه خارج العربة.
وبين زئير جينيس الغاضب، رأى تاليس المشهد يتجلّى أمام عينيه بوضوح. تحت ضوء المصابيح الأبدية، كان سبعة أو ثمانية مغتالين متنكرين في هيئة متسولين يندفعون بأجسادهم الطويلة الظلال نحو العربة المنقلبة.
هرب المارة وسط صرخاتٍ حادةٍ وعويلٍ ممزوجٍ بالفوضى التي اجتاحت الشارع في لحظة.
ركل غيلبرت قطعةً من حطام العربة نحو أقرب مغتال، ثم صدّ آخر مسلحٍ بسكينٍ إلى يساره مستخدمًا سيفيه بمهارةٍ مزدوجة.
تحرك يودل بخفةٍ وسرعةٍ خاطفة، قاطعًا حنجرة مغتال اندفع نحوه، ثم طوّق تاليس بذراعيه استعدادًا للولوج إلى طريق الظلال، لكنّ أمرًا غريبًا وقع!
طَقّ!
دوّى صوت انفجارٍ حادٍّ في الأجواء!
ارتخت يد يودل فجأة وأفلتت تاليس.
طَقّ—
صوتٌ حادٌّ يخترق السمع كالإبرة!
في تلك اللحظة، قبض تاليس على أسنانه من الألم، وأحسّ كأنّ رأسه سيتفجّر.
(اللعنة! ما هذا الصوت؟)
غطّى أذنيه لا إراديًا، غير أنّ الصوت كان كالسحر، يتسلل إلى أعماق دماغه رغم كلّ محاولةٍ للصدّ.
طَقّ—
ما زال الصوت مستمرًّا. بدا أنّ جينيس وغيلبرت يعانيان بشدّة؛ وجهيهما ملتويان من الألم وحركاتهما متشنّجة. وفي خضمّ الارتجاف، شقّت جينيس ذراعها اليسرى بسيفها دون قصد.
صَرير—
اشتدّ الصوت السحري أكثر فأكثر.
ارتجف يودل محاولًا مقاومة ذلك الغزو الصوتي، ورأسه مطأطأ. أدرك تاليس أنّه يتحدث، لكنّه لم يسمع شيئًا، إذ كان ذهنه يعجّ بذلك العذاب المريع.
ضيّق تاليس عينيه، وهو يقاوم ألم طبلة أذنه محاولًا تغطية أذنيه بكل قوته. وحين رفع رأسه، صُدم حين رأى المغتالين ما زالوا قادرين على الحركة رغم ملامحهم المعذّبة. رفع خمسةٌ منهم أيديهم إلى ظهورهم وأخرجوا أسلحةً سوداء، وصوبوها نحو تاليس والحارس المقنّع.
(أقواسٌ نُشّابية.)
اجتاح البردُ قلبَ تاليس، ولم يشكّ بعد الآن أنّها محاولةُ اغتيالٍ مدبّرة بعناية.
توتّرت أوتار الأقواس في اللحظة نفسها.
وسط الضجيج السحري، لم يُسمَع صوت السحب، لكن خمس ظلالٍ سوداء طويلةٍ انطلقت دفعةً واحدة نحو تاليس.
وفي اللحظة التالية، قذف يودل تاليس بعيدًا أمتارًا قليلة.
صَرير—
وبين العاصفة والصوت الموجِع، رأى تاليس بعيونٍ يائسة الظلال السوداء تنطلق نحو الحامي المقنّع.
وأثناء دوران جسده في الهواء، لمح تاليس هيئة يودل تهتزّ فجأة.
(لا… يودل… يودل كاتو…) جال الخوف في قلبه.
ارتطم تاليس بالأرض وتدحرج مرتين.
صَرير— اقترب الصوت السحري أكثر فأكثر.
غطّى أذنيه، ونهض مترنّحًا والألم يعصف به. غير أنّه رأى أمامه هيئةً متسخة الثياب.
كان صبيًّا متسوّلًا، أشعث الشعر، ذا ملامح دقيقة ووجهٍ طفوليٍّ لم يتجاوز عمره عمر تاليس كثيرًا.
كانت شفتاه مفتوحتين تهتزان بترددٍ عالٍ.
ومع اقترابه، اقترب الصوت أكثر فأكثر. وبوجهٍ باردٍ كالجليد، أخرج المتسوّل خنجرًا من خاصرته.
تاليس، الذي كان يعضّ على أسنانه صابرًا على الصوت السحري، أدرك شيئًا ما.
بدافع الغريزة التي اكتسبها بعد شهرٍ تقريبًا من التدريب، وضع قدمه اليمنى إلى الخلف ورفع ذراعه اليسرى، ثم حوّل وزنه إلى الوراء متخذًا الوضعية القياسية لأسلوب السيف العسكري الشمالي.
إحدى وضعيات الدفاع الثلاث — أسلوب الجسد الحديدي.
وسط الضجيج السحري، اندفع الخنجر نحوه بسرعةٍ خاطفة، واخترق ذراعه اليسرى.
غزا الألم جسده، لكن تاليس، وهو يعضّ على أسنانه، أيقن أنّه اتخذ القرار الصائب.
ارتبك المتسوّل الفتيّ لوهلة، لكنه وسّع فمه نحو تاليس، ومع اهتزاز شفتيه ولسانه، ارتفع الصوت السحري إلى نغمةٍ أشدّ حدّة.
صَرير—
الإحساس في تلك اللحظة جعله يغمض عينيه بقوة.
صرخ بجنونٍ ويأس، يكاد يشعر برغبةٍ في اقتلاع طبلة أذنه بيديه!
وسط اهتزاز الهواء العنيف، بدا وكأنّ كل خليةٍ في جسد تاليس ترتجف من الداخل.
أحسّ بحرارةٍ تشتعل في جسده، كطعامٍ يُسخَّن في فرنٍ كهربائي.
(توقّف!)
سحب ذراعيه سريعًا وغَطّى أذنيه غريزيًّا.
(توقّف!)
سُحب الخنجر من ذراعه اليسرى، مُتناثرًا بالدماء.
(توقّف!)
تقلّص وجه تاليس من الألم، وجثا على ركبتيه وسط هدير الصوت السحريّ الرهيب.
(توقّف!)
اندفع الخنجر مجددًا نحو عنقه.
(توقّف حالًا!)
وفي اللحظة الأخيرة، فتح تاليس عينيه بيأسٍ، ورأى وجه المغتال الفتى البارد يتحوّل ببطءٍ إلى وجهٍ ضبابيٍّ آخر.
كانت فتاةً ذات رموشٍ طويلة، تفتح عينيها اللامعتين وتنظر إليه بفضول.
"هاه؟ اسمك وو تشيرين؟ يا له من اسمٍ غريب. اسمي؟ لمَ لا تُخمِّن…؟"
ارتعش جسد المنتقل، ومدّ يده نحو الوجه الضبابي، وقد تدفقت الحماسة والحرارة في قلبه كبركانٍ متأجج.
وفجأة شعر بألمٍ في كتفه الأيسر، وارتفع الصوت السحري في أذنيه حتى لم يعد يسمع كلمات الفتاة، إذ كانت شفتاها تتحركان دون صوتٍ مفهوم.
(توقّف.)
تمتم دون وعي.
(توقّف. لم أعد أسمعها! توقّف.)
تحركت يده الممتدة فجأة كأنها قبضت على شيءٍ في الفراغ.
(توقّف.)
همس مجددًا.
ثم…
توقّف الصوت السحري حقًا.
لم يعد رأسه يغلي بالاضطراب.
ولم تعد أذناه تتألمان.
وعاد المشهد أمام عينيه طبيعيًا، حين فتح تاليس عينيه المرتجفتين.
كان الخنجر الذي كان يوشك أن يخترق عنقه مغروسًا الآن في كتفه الأيسر.
أما صاحب الخنجر — ذلك المغتال الشاب — فكان متهالكًا، ممسكًا بالمقبض وراكعًا بلا حولٍ ولا قوة.
انهار المغتال بين ذراعي تاليس، وارتجفت شفتاه، وجسده كله يرتعد.
نظر تاليس إليه بدهشةٍ لا توصف.
كان وجه المغتال يزداد شحوبًا، وعيناه تحدّقان في تاليس بحيرةٍ وغموضٍ عميقين.
(لماذا؟)
قرأ تاليس تلك الكلمة الصامتة في عينيه.
لاهثًا، وهو يقاوم ألم كتفه، نظر تاليس إليه مذهولًا. لقد أراد هو الآخر أن يعرف السبب، لماذا المغتال النفسيّ الذي كان يودّ ذبحه… انتظر.
(انتظر… ما هذا؟)
أسند تاليس المغتال الشاب وهو يلهث، ثم رفع يده اليمنى الدافئة بين جسديهما.
نظر إلى الشيء الدافئ الرطب في كفّه، وقد تملّكه الرجفان. كان كرةً حمراء غير منتظمة الشكل، تتدلّى منها أنابيب دقيقة.
وكانت… ترتجف هي الأخرى؟
حدّق فيها تاليس مليًّا، ثم اتّضحت رؤيته.
وانقبضت حدقتاه الرماديتان في ذهول!
في حياته السابقة، لم يكن بارعًا في علم الأحياء في الثانوية، وبعد دخوله الجامعة ثم الدراسات العليا، تلاشى ما بقي من معارفه العلمية.
لكن ذلك لم يمنعه من إدراك ماهية الشيء بين يديه.
إنه قلب… قلبٌ دافئ، نابض، مغمور بالدماء الحمراء الحيّة.
ارتجفت الأوعية الدموية بين أُذينتَيه فجأة، عاجزةً عن امتصاص الدم.
نزر تاليس لا إراديًا إلى صدره، ثم إلى صدر المغتال الفتى، غير أنّ كليهما كان سليمًا بلا جرحٍ أو دمٍ ظاهر.
نبضة… نبضة…
تضاءلت النبضات شيئًا فشيئًا.
ثم تباطأت.
وبعد لحظاتٍ من الذهول، ارتعش تاليس فجأة، فانزلقت من يديه تلك الكتلة الدموية الطرية، وسقطت بين ركبتي المغتال الشاب.
ضعف تنفس المغتال شيئًا فشيئًا، وازداد وجهه شحوبًا، وكأنّه أدرك نهايته.
"لوسي…" تمتم بصوتٍ خافتٍ بجانب أذن تاليس.
كانت تلك كلمته الأخيرة، قبل أن يسكن جسده.
تمكّن تاليس أخيرًا من سماع صليل القتال من حوله.
وجسده كله يرتجف، رفع يده الملطخة بالدماء الساخنة، متحملًا الألم، وسحب الخنجر من كتفه الأيسر، ثم رماه جانبًا دون أن ينظر إليه، متدحرجًا مبتعدًا عن جثة المغتال.
سقط جثمان المغتال على وجهه بلا حياة، ضاغطًا على ذلك القلب… قلبه هو.
(ما هذا؟ هل… فقدت السيطرة مجددًا؟)
ارتجف تاليس، وتذكّر يودل المحاط بسهمٍ وقوسٍ من كل جهة.
استدار بغريزةٍ، لكن لم يرَ سوى جثث المغتالين قرب العربة.
كان الألم لا يزال يعصف به، وأذناه ترتجفان من بقايا الصوت… ثم سقط مغتال آخر بجواره.
ومع اختفاء الصوت السحري، لاحظ المغتالين الموقف الغريب في الركن، وبينما كان غيلبرت وجينيس لا يزالان يقاتلان، استطاع أحد المغتالين الإفلات واندفع لتقديم العون.
رمق المغتال الذي هرع للمساندة الصبيّ الملقى على الأرض بدهشة، ثم نظر إلى تاليس، ورفع يده اليمنى دون تردد. ظهرت شفرةٌ خفيّة من تحت معصمه.
مدّ تاليس يده نحو خنجر "جي سي"، يفكر في الاحتمال بين الدفاع والفرار.
(ربما…) نظر إلى جثة المغتال الشاب، (أستطيع استخدام تلك القوة…)
وفي تلك اللحظة، انفجر الألم في جسده كله دفعةً واحدة!
"أغغ!"
سقط تاليس على جانبه وهو يصرّ على أسنانه، كأنّ أحدهم يمزّق روحه إربًا!
(لا… لا!)
لكن المغتال لم يأبه بحاله، واندفع نحوه ببرودٍ تام، مغرزًا شفرته الخفيّة، فيما تاليس لم يعد يملك حتى القلق على حياته.
لم يذق من قبل ألمًا كهذا، كأنّ كل جزءٍ في جسده يصرخ رفضًا.
"آااه!"
في النهاية، لم يحتمل تاليس العذاب الذي يفوق طاقة البشر، فصرخ متشنّجًا، يرى بشللٍ ورعبٍ شفرة العدوّ تندفع نحوه.
(هل هذه النهاية؟ مؤلم… مؤلم جدًا…
تلك القوة حقًا… ليست بلا ثمن.)
غير أنّ…
طعنة!
وقبل أن تهوي الضربة عليه، ظهرت خلف المغتال هيئةٌ طويلةٌ نحيلة.
ولم يُتح له حتى الالتفات، إذ اخترق سيفٌ طويلٌ دماغه دفعةً واحدة.
رفع تاليس رأسه بصعوبةٍ من على الأرض، على شفير الموت.
كان القادم شابًا نبيلاً، وجهه مستدير، حركاته أنيقة، وثيابه مرتّبة بعنايةٍ دقيقة. تقدم بخطًى ثابتة من خلف المغتال، وقطّب حاجبيه وهو يمسح سيفه بملابس خصمه.
تراجع الألم من جسد تاليس كموجةٍ تنحسر.
وحين خفّ الألم مؤقتًا، شهق تاليس بحدةٍ كغريقٍ يستعيد أنفاسه. نظر إلى كتف النبيل، فارتعد جسده ارتجافًا عنيفًا حتى اهتزّ بصره.
على كتفه كان شعارٌ مطرّزٌ بنقوشٍ زهريةٍ متشابكة. عرفه تاليس فورًا.
أحمر، أزرق، أخضر — ثلاث بتلاتٍ متألقة.
زهرة السوسن ثلاثية الألوان.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬