▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 44: مورات هانسن (1)
…
كان هناك صمت طويل، لكن الرجل العجوز بدا صبورًا جدًا وهو ينتظر إجابة يودل.
أخيرًا، جاء صوت الحارس السرّي من خلف القناع.
"ليس من المفترض أن تكون هنا." تحدث يودل ببرود.
أي شخصٍ حاضرٍ كان سيلحظ أن صوت يودل يشبه كثيرًا صوت الرجل العجوز أمامه.
الرجل العجوز ذو الرداء الأسود لم يتكلم. بدلًا من ذلك، نظر إلى يودل بابتسامةٍ غريبة.
عيناه لم تتحركا.
ومع ذلك، فعلى الرغم من أنه كان في ذروة الفئة الفائقة، استطاع يودل أن يشعر بحضور الرجل العجوز يضغط عليه تدريجيًا.
"تلك الليلة، كانت الأسلحة الأسطورية الثلاثة ونصف، المضادّة للصوفيين، التي يمكنها ختم الصوفيين، جميعها في أماكنها." الرجل العجوز ذو الرداء الأسود اتكأ على عصاه. ابتسم وتحدث ببطء.
"عصا الكوكبة هي رمز الملكية، وهي دائمًا في يد جلالته. رمح الحاكم كان بيد الجناح الأسطوري، الذي كان يحرس الجبهة الغربية… سخط المملكة كان في قصرٍ ريفي، ينظّف القوس الساكن… ويبقى النصف قطعة، الدرع الأسمى، الذي كان مع زهرة الحصن في حصن التنين المحطم في الشمال."
تنفّس يودل برفق.
"النصف الباقي هو السيف الأسمى، الذي تم إذابته منذ وقتٍ ليس ببعيد، وتبعك إلى المقاطعة السفلية، يودل كاتو.
"وفي تلك الليلة أيضًا، اختفى صوفي الهواء من سوق الشارع الأحمر، الذي يقع على حدود المقاطعة السفلية والمقاطعة الغربية."
ابتسم الرجل العجوز مجددًا. ابتسامته كانت قبيحة. "كنت أريد في الأصل أن أمتدحك. آخر مرةٍ تمكن فيها أحدهم من تحقيق إنجازٍ عظيم بختم صوفيٍّ بمفرده، تعود إلى الإمبراطورية القديمة."
يد يودل أمسكت ببطء بالخنجر القصير تحت كمّه.
"لكن…" اتسعت حدقتا مورات فجأة حين تغيّر موضوع الحديث.
"كان ينبغي أن تبقى مختبئًا عندما أوكل إليك تلقي دم المملكة. لماذا خاطرت بحياتك وختمت الصوفي الهوائي؟ لا تقل لي إنك أردت أن تكون ملاك العدالة."
يودل لم يتكلم لفترةٍ طويلة.
الرجل العجوز أصبح غير صبور. التجاعيد على وجهه ارتجفت بينما قال، "أم أُبلِغ جلالته ليطلب منك ذلك بنفسه؟"
بعد وقتٍ طويل، أخذ يودل نفسًا عميقًا. في مواجهة أحد أخطر خمسة أشخاصٍ في الكوكبة، أجاب بصوتٍ أجشٍ خافت.
"في تلك الليلة، رأيت آسدا ساكيرن في سوق الشارع الأحمر. كان على طريق هروب تاليس."
الرجل العجوز ذو الرداء الأسود واصل التحديق به، كما لو أن هذا لم يكن جديدًا عليه.
ومع ذلك، لم يكن أحد يعلم أن يودل في تلك اللحظة كان يختار كلماته بعنايةٍ شديدة.
"من أجل تاليس، لم يكن لدي خيار سوى أن أتحرك."
"رغم أن السيف الأسمى هو نصف القطعة فقط من المعدّات الأسطورية المضادّة للصوفيين، إلا أنه كان كافيًا لختم الصوفي الهوائي."
الرجل العجوز ذو الرداء الأسود سعل برفق مرتين. العيون على وجهه العادي المظهر أضاءت فجأة.
"أعتقد أنك لن تمانع في أن تخبرني بكل التفاصيل قبل أن يُختَم؟ من كلماته إلى مشاعره، من موقفه إلى أفعاله. أنا فضولي جدًا. لماذا عاد آسدا إلى العاصمة؟ هذا مكان خطير جدًا بالنسبة له."
شد يودل قبضته تحت عباءته بخفة.
كان عليه أن يكون حذرًا، إذ إنه يواجه النبي الأسود. لم يكن بوسعه الكذب.
"آسدا ساكيرن مجنون." تمتم يودل.
النبي الأسود ضحك بهدوء. تجاعيده ارتجفت قليلًا. "بالطبع، جميعهم مجانين. فماذا في ذلك؟ حتى المجانين لديهم أفكارهم وأفعالهم الخاصة. أليس كذلك؟"
"كان متحمسًا جدًا قبل أن يُختَم." أجاب يودل ببطء بعد أن فكر في كلماته.
الرجل العجوز لمس عصاه. شفتاه الجافتان انفصلتا. "لن تتمكن أبدًا من فهم مشاعرهم… إنهم لم يعودوا بشرًا، فكيف يمكن أن تكون لديهم مشاعر؟"
"هذا الهراء لن يشتت انتباهه." فكّر يودل في قلبه.
تردد يودل لثانية قبل أن يقرر أنه عليه أن يقولها.
عليه أن يفعل.
"قال…" خرج صوت يودل الأجش من خلف القناع.
"قال إنه وجد صوفيًا جديدًا."
…
[كما سُجل في التاريخ، أول ظهورٍ لصوفيٍّ كان في عصر الإمبراطورية القديمة، قبل حوالي ألف عام. كان ذلك بين السنة ٨٢٥ إلى ٨٣٥ في التقويم الإمبراطوري.]
"الإمبراطورية قبل ألف عام؟ التقويم الإمبراطوري استمر لخمسة عشر قرنًا بعد نهاية عهد الإمبراطورية القديمة وتحولها إلى الإمبراطورية الحالية. ثم انتقلنا إلى تقويم الإبادة. نحن الآن في السنة ٦٧٢ حسب تقويم الإبادة."
استذكر تاليس المعلومات الأساسية التي تعلمها خلال الأيام الماضية.
"بعبارةٍ أخرى، الصوفيون ظهروا منذ أكثر من ألفٍ وثلاثمائة عام؟"
لكن الوقت لم يكن مناسبًا للشرود.
تحت شمس الغروب فوق الأرض الرملية، شد تاليس على أسنانه رغم ألم كتفه الأيسر. الفتى ذو السبعة أعوام أمسك بدرعه الخشبي الثقيل واندفع نحو جينيس.
[وفقًا للسجلات الناقصة لبرج الزهد، فإن قافلةً كانت متجهة نحو برج الكيمياء شهدت صاعقةً ضخمةً على نحوٍ غير مألوف. في اليوم نفسه، تحول آلاف من أفراد إحدى القبائل على بُعد مئة ميلٍ خارج صحراء تجسيد الحرب إلى جثث.]
"صاعقة؟ لماذا الصوفي الهوائي قادر على التحكم بالهواء؟ هل هم الأربعة الخارقون؟ ربما هم في الواقع مسخرين للعناصر."
جينيس تقدمت بخطوة دون أن ترمش. وضعت درعها الخشبي بمهارة واصطدمت بدرع تاليس.
طنين!
ارتد تاليس إلى الوراء وفقد توازنه. سقط بشكلٍ أخرقٍ إلى جانب الدرع.
لهث تاليس وسيفه مستندٌ إلى الأرض بينما كان قلبه يخفق بقلق.
رأت جينيس حالته وصرخت بالفتى، "بماذا كنت تفكر بحق الجحيم؟ الشرود في ساحة التدريب يعادل الانتحار!"
هز تاليس رأسه. حاول جاهدًا أن يطرد من ذهنه محتوى "حوليات معركة الإبادة: دمار العالم"، لكن جهوده باءت بالفشل.
الأفكار المتعلقة بالصوفيين استمرت بالظهور في ذهنه.
[كان برج الكيمياء غامضًا كما هو دائمًا. لم تكن هناك أي تفسيراتٍ بشأنه، ولم يُذكَر حتى في السجلات التاريخية. كتب التاريخ الموجودة عن الإمبراطورية القديمة لم تتضمن معلوماتٍ عنه. ومع ذلك، فقد كان بمثابة تمهيدٍ للحرب المأساوية التالية، معركة الإبادة.]
"ما هما برج الزهد وبرج الكيمياء؟ هل هما منظمتان أم مكانان؟"
أمسك تاليس مركز الدرع الخشبي وكافح ليتأرجح بسيفه الخشبي الذي لم يكن أخف وزنًا بكثير من الدرع. لوى وجهه بينما كان يُدير جسده وسيفه معًا.
[بدأت الحرب في عام 1509 من التقويم الإمبراطوري. غير أن أي سجل تاريخي لم يتمكّن من تحديد سبب اندلاع معركة الإبادة. وكأنّ جميع الأطراف المعادية قد وقفت فجأة على طرفي رقعة شطرنج وبدأت بالقتال.]
"لماذا؟ لماذا لا توجد سجلات صحيحة لبداية حرب غيّرت كل شيء؟"
تحركت جينيس بخفة لتتفادى حافة سيفه، ثم استخدمت مقبض سيفها لتدفع تاليس برفق، الذي كان قد فقد توازنه بالفعل.
هزّ غيلبرت رأسه وهو يراقب من الجانب.
ارتطام
سقط تاليس مجددًا على الأرض. ارتطم وجهه أولًا ككلبٍ يأكل الرمل.
بف!
بصق تاليس الرمل من فمه. ثم التقط الدرع مجددًا ووقف على قدميه.
"يكفي!" صرخت جينيس بنفاد صبر.
"سبع مجموعات من أنماط الهجوم وكل ما تفعله مجرد عرضٍ شكلي. كفاءتك مختلفة تمامًا عن الوقت الذي تعلّمت فيه تكتيكات الدفاع. إن لم تكن أحمق، فهذا يعني أنك بلا رغبة في التدريب اليوم!"
لهث تاليس. أومأ برأسه، غارقًا في الخزي والندم.
"آسف، السيدة جينيس."
[كان عدد الصوفيين أقل من التنانين الأسطورية. على الأقل، وُجد أربعون تنينًا تم تسجيل أسماؤهم. ومع ذلك، كان عدد الصوفيين الذين ظهروا في معركة الإبادة عشرة فقط.]
"عشرة؟ عشرة ضد العالم؟"
"يا فتى!"
رأت جينيس أن تاليس ما زال غارقًا في التفكير، فرمت درعها وسيفها الخشبي بغضب. "اخرج من الصف! غدًا صباحًا، استيقظ الساعة السادسة وعوّض تقدم اليوم!"
كان غيلبرت أيضًا عابسًا، لم يعرف ما الذي أصاب تاليس.
ثم لاحظ جينيس وهي تدير رأسها وتصرخ إليه، "هو من نصيبك قبل العشاء. أصلحه."
ابتسم غيلبرت، رفع قبعته وانحنى.
رمى تاليس السيف الخشبي بعيدًا، شاعرًا بالإحباط. بدأ يتفقد ذراعه اليسرى، التي تعرضت لكدمات من الدرع مجددًا.
[على الرغم من أنهم لم يكونوا كثيرين، فإن غالبية الخسائر من الجيش الموحد كانت بسبب الصوفيين. أشهر سجل كان في مايو 1514 من التقويم الإمبراطوري. كانت المعركة في الجبهة الشرقية لجبال التنهد تتقدم ببطء نحو النصر. ومع ذلك، عندما ظهر الصوفي القوي، تم تدمير ثمانية آلاف من دورية الأقزام الجبلية وخمسون ألفًا من النخبة المدرعة السوداء من جيش سلالة الفجر.)
"صوفي القوة؟ القوة؟ عرض فردي. ثمانية وخمسون ألفًا. ما نوع القوة التي يمكن أن تسبب مثل هذه المذبحة؟ يكاد يكون مماثلًا لقنبلة نووية. هل يمكن لآسدا فعل هذا أيضًا؟"
وبتعبير غير سعيد، فركت جينيس كفيها وكانت على وشك المغادرة. لكنها رأت حارسًا يدخل بوقار ويهمس ببضع كلمات لغيلبرت.
وفي اللحظة التالية، فوجئ تاليس برؤية نظرة صدمة وقلق وخوف على وجه غيلبرت.
(هل من الممكن أن يُظهر الكونت كاتو، ذو الخبرة الدبلوماسية والوجه الصامد، مثل هذه التعبيرات من القلق والخوف؟)
بينما كان تاليس لا يزال في حيرة، أوقف غيلبرت جينيس وقال، "صاحب السمو يرسل رسالة. اللورد مورات هانسن سيأتي إلى قاعة مينديس الليلة. يريد مقابلة السيد تاليس."
(مورات هانسن؟ من هذا؟)
فوجئ تاليس برؤية التغير في تعابير وجه المسؤولة من الدرجة الأولى، عشيقة كيسل الخامس.
(إنه صادم، يثير القلق و… يزعج؟)
تجمّدت عينا جينيس وهي تقول، "سيأتي عاجلًا أم آجلًا لملاقاة السلالة الملكية ووريث العرش."
"إنه رئيس قسم الاستخبارات السرية للمملكة، النبي الأسود مورات. من المستحيل ألا يكون متورطًا…"
…
لم يتحدث العجوز الأسود، مورات هانسن، بعد ذلك.
لأول مرة، لاحظ يودل مورات الغامض والمهيب، يبدو مذهولًا و… خائفًا.
"صوفي جديد؟"
بعد قول ذلك، أخذ مورات خطوة كبيرة إلى الخلف. وفجأة، رفع نظره!
(إنه يعمل!) فكر يودل في نفسه.
كان مورات يعرف الكثير من الأسرار بما فيها الصوفيين. ومع ذلك، لأنه يعرف الكثير، كان من السهل أن يشتت انتباهه بهذه الأمور. لقد فاته ما أراد يودل إخفاءه فعليًا، مثل التواصل بين آسدا وتاليس.
كان الأمر كما هو الحال الآن.
"مستحيل. ولادة صوفي تحتاج إلى…" بدا مورات مذهولًا. أمسك بعصاه بإحكام وحدّق بلا تراجع في قناع يودل كأنه يريد كسر قطرة الكريستال البنفسجية بهذا النظر.
"من هو؟" بدت عينا مورات مضطربتين.
"من هو الصوفي الجديد؟"
حدق مورات في ابنه كالأفعى السامة ذات البؤبؤ الحاد.
"أتعلم مدى خطورة هذا؟!" عبس مورات وركّز نظره. بدأ يتنفس أسرع وأمسك بالعصا بقوة أكبر. "الصوفي الجديد. قبل ذلك الشيء… تخلص منه."
تنفس يودل بانتظام. التنفس، وهو أمر يسهل على نخبة الفئة الفائقة، بدا الآن صعبًا للغاية.
(شيء. أي شيء؟)
ظهرت صورة الفتى ذو الشعر الأسود والعيون الرمادية تدريجيًا في ذهنه.
"(سيبقون معك… سأذهب وحدي.)" ظهر الفتى العنيد ذو النظرة المصممة عند حانة الغروب بشكل غامض أمام عينيه.
قبض يودل على قبضته بلطف بينما ضيق مورات عينيه ببطء.
"لم يذكر آسدا أو يعرف اسمه." اختار يودل المعلومات الصحيحة بعناية ورتبها في كلمات. "بعد ذلك، ختمت آسدا."
(الرجل حقًا لم يعرف اسم تاليس. أنا لا أكذب.) قال يودل لنفسه.
لم يتحدث مورات، واكتفى بإعطاء يودل نظرة غريبة.
بعد ثوانٍ قليلة، حول مورات نظره بعيدًا.
"جيد جدًا. لم تكذب," قال الرجل مؤكدًا بوجه جاد.
"لكن هذا سيء جدًا. بالضبط لأنك لم تكذب," أضاف مورات بغم.
استرخى يودل، شاعرًا بأنه نجح في الإفلات.
"الآن، دعونا نرى السيد تاليس، وفقًا لأمر صاحب الجلالة." أخفى مورات تعابيره القاتمة والجدية. وعاد ليعرض ابتسامة قبيحة ومخيفة وهو يمشي نحو قاعة مينديس.
توقف تنفس يودل فجأة.
مسح مورات عصاه وكشف عن أسنانه القليلة المتبقية. استدار وضحك. "أنا متأكد أنك لا تمانع أن أسأل ذلك الفتى عما حدث بالفعل في سوق الشارع الأحمر، وعن الصوفي المزعوم أيضًا.
"لا تسيء الفهم. هذه مجرد عادة مهنية، فقط… لمعرفة ما إذا كنت تخفي شيئًا."
نظر يودل إلى الأعلى، وامتلأت عينيه بتعبير ثقيل بينما كان مورات يضحك بسعادة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬