▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 33: ليمدد الدم حكمه.
….
ضوء القمر انساب فوق عشب قصر الكرمة، والعيون شاخصة بذهول نحو الطفلين الممدَّين على الأرض، فيما ساد صمت ثقيل لبرهة.
كان تاليس مستلقيًا على الأرض، يلهث بأنفاس متقطعة. جسده شبه العاري لم يكن مغطى سوى بضمادٍ فوق جرحه، وكل ما أحسّ به كان البرد والألم.
أما الفتاة ذات الشعر الفضي المستلقية على صدره، فدفعت جسدها إلى الأعلى بضغطةٍ من يدها على كتفه دون أن يبدو على وجهها أية ملامح. نظرت إلى الضماد على صدره، حيث غطّى جرحًا بحجم قطعة نقدية فضية، واستنشقت رائحة الدم عليه، فانكشفت في ملامحها نظرة توقٌ وانبهار.
ذلك التعبير أفزع تاليس، فانتفض جالسًا، ودون أن يمنح فتاة عشيرة الدماء الخطيرة (التي لطالما اعتبرها وحشًا زعيمًا قد يتحول في أي لحظة إلى مومياء ماصّة للدماء) فرصةً لإظهار أنيابها، دفعها بعيدًا عن صدره.
ظهر يودل وكريس فورًا أمام الطفلين.
"أنا بخير يا يودل، لا تقلق." رأى تاليس الجرح على صدر الحارس السري فابتسم بتعب. نزع الأخير العباءة من فوق بزّته وألقاها على تاليس.
أومأ تاليس برأسه. "قبل أي شيء، ثمة أمر عاجل يجب معالجته."
استدار نحو اتجاهٍ آخر. كانت هناك حفرة واسعة، يرقد في داخلها جسدٌ نصف ميت، بلا ساقين.
تابع الريح الشبحية، ميديرا رالف. ذاك الذي ناضل وتحطمت قيوده. ناجٍ رفض الهرب من الألم بالموت.
"سيدي غيلبرت، أرجوك تأكد من إنقاذ ذلك الرجل." وجَّه تاليس صوته نحو غيلبرت البعيد قليلًا، وقد خيّم على نظره بريقٌ خافت من العزم. "لولاه، لما صمدتُ حتى وصولكم."
(وأيضًا،) همس في أعماقه، (إنه أول إنسان أنقذته حقًا في هذا العالم اللعين).
أومأ غيلبرت وأمر فارس الإبادة القريب منه بإنقاذ رالف.
"جلالتك!" كان وجه كريس الجامد مفعمًا بالانفعال، فانحنى على ركبةٍ واحدة أمام الفتاة ذات الشعر الفضي، المرتجفة، ووضع البطانية الصوفية التي بيده على جسدها الصغير.
كان قميص تاليس صغيرًا وممزقًا من عدة مواضع، بالكاد غطّى الطفلة حتى ركبتيها، كاشفًا عن ساقيها الشاحبتين. وما إن خطر ذلك في بال كريس حتى رمق تاليس بنظرةٍ حادة.
كانت سيادتها ذات مقامٍ رفيع، لا تأبه بنظرات النمل حولها، لكن كخادمٍ مخلص لعائلة كورليوني لأكثر من ستمائة عام، كان من الطبيعي أن يأخذ كريس كل اعتبارٍ نيابةً عن سيدته.
"جلالتك، لقد استيقظتِ أخيرًا."
أومأت الصغيرة ذات العينين الحمراوين بوجهٍ خالٍ من المشاعر. اعتادت أن تمسك بيد كريس الممدودة وتتكلم كلمةً كلمةً بنبرةٍ لا يستعملها إلا أصحاب السلطة.
"تشويش، أديـتُم عمـلكم جيـدًا."
وجهها الطفولي المستدير، الذي لا يزال يحتفظ بشيء من امتلاء الأطفال، بقي جادًا بلا ابتسامة، وهي تنطق بلسانٍ متلعثمٍ ببراءةٍ مبهمة: "الإخـلاصُ سـيُكـافَـأُ بـلا شـك."
استغرق تاليس ثانيتين ليفهم الجملة: (الإخلاص سيكافأ بلا شك).
ثم انفجر ضاحكًا.
كان مشهدًا مروّعًا بحق أن تتفوّه طفلة صغيرة متلعثمة بكلماتٍ بهذه الهيبة. رمقَه كريس، الذي كان يومئ امتنانًا، بنظرةٍ غاضبة.
"أ… جلالتك؟" ظهرت رولانا وإسترون أمام الطفلة بوجوهٍ مدهوشة مضطربة. حدّقت الأولى بطولها القصير وسألت بتوجس: "لم تغيّرَتْ هيئتُكِ هكذا؟"
رفعت الطفلة عينيها القرمزيتين نحو تاليس بنظرةٍ معقدة، ثم قالت بلا اكتراث:
"مـا دامـت قـواي سـتُستعـاد، سـأعـود إلـى مظهـري السـابق."
وما إن أنهت عبارتها حتى التفتت نحو تاليس الذي كان يحاول كتم ضحكه. لم يبدو عليها أنها تدرك مشكلتها في النطق، فسألت ببرودٍ وشيءٍ من الحيرة:
"مـا الـذي يُضحـك؟"
لم يتمالك تاليس نفسه أكثر، وانفجر ضاحكًا بصوتٍ عالٍ.
عندها، رمقَه أفراد عشيرة الدماء الثلاثة بنظراتٍ معادية، فيما علت في عيني إسترون طبقةٌ من الحذر والرهبة وهو يراقبه.
"لا شـيء، هـها… كح، كح." سارع تاليس لتغطية ضحكه بسعالٍ مصطنع. "لا شـيء مضحـك… هـها… كح، كح… عذرًا."
اقترب غيلبرت وجينيس بعد أن جمعا فرسان الإبادة، ووقفا أمامهم في الوقت نفسه. أمسك غيلبرت بعصاه، ونزع قبعته احترامًا قائلاً:
"يا سيدي تاليس المبجّل، وهذه السيدة الصغيرة من عشيرة الدماء، هلّا شرحتما لنا ما جرى؟"
أخفى تاليس ابتسامته ونظر إلى غيلبرت بعينين يشوبهما الامتنان.
"سيدي غيلبرت، أشكركم لإنقاذي… ولتضحيتكم."
غير أنه شعر فجأة بنظرة المرأة التي خلف غيلبرت – تلك السيدة الساحرة في الأربعينيات من عمرها – تلاحقه بتعقيدٍ وغموضٍ عميقين.
(هل هذا هو الفتى؟ الابن الذي أنجبه مع… تلك المرأة؟) غامت نظرة جينيس فورًا.
لم يُعر تاليس الأمر اهتمامًا، وأكمل حديثه:
"فلنُرجئ التعارف لاحقًا، فقد أُريق من الدم الليلة ما يكفي. لذا، ومع هذا…" ألقى نظرة على الفتاة الصغيرة ذات العينين الحمراوين، التي بدت بريئة ولطيفة لكنها اختارت أن تحافظ على ملامح صارمة، ثم توقّف لحظة.
وحين لاحظ تعبيرها العدائي، استدرك سريعًا.
"… الفتاة الصغيرة… أعني، السيّدة… سيرينا كورليوني… بعد نقاشٍ وديّ ومثمر…"
شعرت سيرينا بحكّةٍ خفيفة في عنقها، فزمّت شفتيها بخفوت كي لا يلحظ أحد ذلك.
"لقد قررنا أن نطوي صفحات الحقد، وأن ننهي عداءنا، ونقيم تحالفًا. سأقدّم للسيدة سيرينا دوريًّا من دمي، بينما ستخدمني هي وتابعيها حتى…"
وقبل أن يُكمل عبارته، أحسّ بيد يودل التي تمسكه تشدّ عليه فجأة، ثم قُطع صوته بحدةٍ من جانب اثنين آخرين.
"ولماذا يجب أن نخدمك؟ يمكننا أن نبادلُك بمنافع أخرى، وإن لزم الأمر، سنرحل ببساطة." كانت رولانا، ذات الشعر الأحمر، تقول ذلك بنظرةٍ عدائية.
"سيدي تاليس! دمك؟ هذا خطرٌ بالغ، كيف يمكن…" صاح غيلبرت، الحارس القلق على سيده.
لكن تاليس رفع يده اليمنى فجأة، وقبضها بإحكام.
كانت تلك الإشارة التي اعتاد استعمالها في حياته السابقة أثناء إدارته لحصصٍ تعليمية لطلبة الجامعات، لتهدئة النقاشات التي تتخذ منحىً متوترًا ومتفرعًا.
فتوقّف الاثنان في اللحظة نفسها، واستنشق الفتى نفسًا عميقًا.
ابتعد تاليس عن يودل، الذي كان يسنده من ذراعه، ومضى بخطى بطيئة نحو أفراد عشيرة الدماء، رغم محاولة غيلبرت منعه. قال بصوتٍ منخفض:
"يمكنكم أن تخدموني مقابل حمايتي."
"أما أنا، فبالنسبة لكم – أنتم مجموعة اللاجئين السياسيين المشردين، الذين لا يعيشون سوى بالخداع والتذرع براية كورليوني وشعار زهرة السوسن – فسأمنحكم اللجوء في الكوكبة. حمايةٌ أعظم مما يستطيع مالك هذا القصر منحكم اياه."
تبدلت ملامح كريس، وإسترون، ورولانا في اللحظة نفسها، واتجهت أنظارهم نحو سيرينا. غير أن الفتاة الصغيرة ذات الشعر الفضي والعينين الحمراوين اكتفت بأن زفرت ببرود:
"لـم أخبـره بشـيء. اسـتنتج ذلـك بنفسـه."
(استنتج؟ الخلاف مع عصابة قوارير الدم، وعدم الانسجام مع صاحب القصر، وعبارة إسترون "بوضعنا الحالي"، والتابوت في الطابق الثاني الذي يبدو كبركة سباحة لكنه في الحقيقة قاعة مرضى ضخمة…) فكّر الفتى في صمتٍ داخلي،
(حين تجمع كل تلك القرائن والإشارات، أليس الأمر جليًّا تمامًا؟)
كان يعلم أن أفراد عشيرة الدم كانوا في غاية الحذر منه، غير أنّه لم يُعر ذلك اهتمامًا، إذ إنّ المشكلة القائمة قد حُلّت، على الأقلّ مؤقتًا.
أدار تاليس رأسه نحو غيلبرت ويودل بنظرة جادّة.
"غيلبرت، يودل، أرجوكما أن تثقا بي. سأُقدّم الدم في ظروفٍ لا تضرّ بصحّتي، لمعاونة السيّدة سيرينا على استعادتـ… كح كح… تعافيها. لقد قطعت هذا الوعد مقابل أمني، وكذلك مقابل صداقة سموّها."
تأمّل غيلبرت تاليس طويلاً.
غير أنّ جينيس، التي كانت خلف غيلبرت، تقدّمت خطوة إلى الأمام بتعبيرٍ معقّد وقالت بهدوء:
"غيلبرت، هذا وعدٌ قطعه بنفسه، وهو كذلك وعدٌ قطعته عائلته."
وأضافت في سرّها( تمامًا كما فعل قبل أعوام.)
أطلق غيلبرت تنهيدةً عميقة وأومأ لتاليس.
"بالطبع، نثق بك. ولكن، سأرفع تقريرًا بهذا إلى…"
ابتسم تاليس بخفّة. ثم استدار بحيث يتمكّن من رؤية جميع أفراد عشيرة الدم، وقال بنبرةٍ منخفضة:
"اسمحوا لي إذًا بتقديم نفسي رسميًا…"
غير أنّ كريس، الواقف بجانبه، خطا خطوةً جادّة إلى الأمام وتحدّث بنبرةٍ مهيبة.
"رجاءً، لا تكلّف نفسك عناء ذلك. الواقف أمامك…" أسند الطفلة الصغيرة بذراعه برفق بينما تقدّمت بخطواتٍ متردّدة وأكمل، "…هي الدوقة الكبرى، السيّدة سيرينا إل. آيه. كورليوني، الوريثة الشرعية لعائلة كورليوني — العائلة التي تتزعّم العشائر السبع العُظمى في مملكة الليل بشبه الجزيرة الشرقية. وهي كذلك الحاكمة القانونية والشرعية لتلّ الألم."
نظر كريس إلى البشر بنظرةٍ متعالية. وخلفه، أظهرت رولانا وإسترون تعابير فخرٍ واضحة.
بمظهرها كطفلة صغيرة في الخامسة أو السادسة من عمرها، خفضت سيرينا وجهها المستدير، وأمسكت بطرف فستانٍ ليس بموجود، وانحنت بانحناءةٍ أرستقراطية، ثمّ رفعت رأسها دون أن يظهر على وجهها أيّ انفعال.
تمتم تاليس في نفسه ساخرًا، يا لها من مقدّمة تُضفي عليها العظمة.
تبادل غيلبرت وجينيس النظرات، ورأى كلٌّ منهما في عيني الآخر الصدمة نفسها.
بعد معركة الإبادة المدمرة قبل أكثر من ستمئة عام، وكحال العديد من الأجناس العريقة، انقسمت العشائر الثلاث عشرة المرموقة من عشيرة الدم إلى فصيلين: الشرقيّ والغربيّ، على جانبي بحر الإبادة.
في شبه الجزيرة الغربية، كوّنت خمس عشائر اتحادًا قبليًا وجمعية "الليل المظلم"، واتخذوا من "تلّة الوليمة الكبرى" مقرًّا لهم (أو بالأحرى قطعة أرض أطلقوا عليها ذلك الاسم).
أمّا في شبه الجزيرة الشرقية، فقد أسّست ثماني عشائر نظامًا ملكيًا، واتخذت الضفة الشرقية لبحر الإبادة موطنًا لها، تحت اسم "مملكة الليل".
وعلى مدى ستمئة عامٍ وأكثر، بالمقارنة مع أقربائهم في الغرب الذين تشتّتهم الخلافات وأجبروا على توقيع "معاهدة التبعية بين الدول البشرية والخالدين"، فقد أصبح أفراد عشيرة الدم في مملكة الليل أكثر وحدةً وقوّة، تحت الحكم الحديدي لـ"ملك جناح الليل" الشهير ببطشه، لوري كورليوني.
بل شاركوا مشاركةً واسعة في شؤون شبه الجزيرة، إذ أرسلوا في الحربين الثانية والثالثة جيوشهم الملقّبة بـ"جيش الدم المقدّس"، المؤلّف من نخبة محاربي عشيرة الدم.
وفي الحرب الثالثة، قاد ملك جناح الليل بنفسه جيشه لمهاجمة مدينة سحب التنين، عاصمة "نصل شبه الجزيرة الغربية"، مملكة إكستيدت.
لكن قبل مئتي عام، وقع تغيّرٌ مفاجئ في المشهد السياسي لمملكة الليل — اختفى ملك جناح الليل في ظروفٍ غامضة، واهتزّت أسس العشائر الثمان العظمى.
بل إنّ عائلة هولير خانت المملكة بأسرها، إذ عبرت البحر وانضمّت إلى جمعية الليل المظلم في تلّة الوليمة الكبرى.
ومنذ ذلك الحين، لم يبقَ في مملكة الليل سوى سبع عشائر حاكمة، كما فقدت المملكة آخر نخبةٍ كانت تملك فرصةً لاختراق "الفئة العليا".
وحين هاجمتها قاعة الشروق، بدأت قوّتها تتدهور تدريجيًا.
وبينما كانت إحدى الجهات تتهاوى، كانت الأخرى تنهض.
ففي تلّة الوليمة الكبرى في الغرب، سعت جمعية الليل المظلم التي تضمّ العشائر الستّ العظمى إلى بناء دولةٍ قوية، أصلحت نظامها الفاسد البالي، وطوّرت علاقاتها الدبلوماسية بنجاح، حتى أصبحت أحد حلفاء "معاهدة الحصن"، ولقّبوا أنفسهم بـ"الأعمدة الستة لعشيرة الدم".
أما الطفلة اليافعة الواقفة أمامهم، فكانت تدّعي أنّها سيّدة "تلّ الألم" في مملكة الليل، معقل عائلة كورليوني، والمكان الذي وُلد فيه ملك جناح الليل.
رفع غيلبرت رأسه وقال باحترام:
"اعذريني على جرأتي، لكن حسب علمي، فإنّ ملكة الليل هي سيّدة عائلة كورليوني حاليًا، وهي كذلك الحاكمة الفعلية لتلّ الألم، وصاحبة السيادة على مملكة الليل بأسرها — ’الباكية‘، جلالتها كاترينا إل. آيه. كورليوني."
تعمّد غيلبرت التشديد على لقبي ملكة الليل و جلالتها، مبرزًا الفارق بينهما وبين سموّ سيرينا.
تثاءب تاليس، مما أثار استياء كريس الذي رمقه بنظرةٍ حادّة.
تقلّصت حدقتا سيرينا الحمراوان قليلًا، وبرزت شفتاها في امتعاضٍ طفوليّ وهي تخطو خطوة إلى الأمام.
"أختي الصغرى البكّاءة، كاترينا، استولت بغير وجه حقّ على الحقّ الذي ورثته عن أبي، ملك جناح الليل. لقد اغتصبت عرش محيط الدماء. لكن، يومًا ما، سأستعيد عرشي."
ومع وجنتيها الممتلئتين بملامح الطفولة، ويدها الصغيرة المعقودة أمام صدرها، أغمضت عينيها وردّدت شعار عائلة كورليوني:
"ليمدد الدم حكمه."
غدت ملامح إسترون ورولانا جادّة في الحال، وخفضا صدريهما بتواضع، ووضعا قبضتيهما على موضع القلب، ثم تراجعا خطوةً إلى الخلف مع كريس، وانحنوا جميعًا في وقارٍ مردّدين:
"ليمدد الدم حكمه."
هذا، هذا، هذا… دوّى السخط في رأس تاليس من فرط غرابة المشهد، لم لا تصرخون أيضًا "لتتوحد كلّ الأراضي"؟
"سأكافئكم جميعًا على عونكم ودعمكم، بلا شكّ."
فتحت سيرينا عينيها وحدّقت في تاليس بثبات، ولعقت شفتيها بلا وعي.
أتُراكِ تنوين شقّ عنقي بأسنانك؟
دحرج تاليس عينيه وتجنّب نظرتها المُلتهبة، وقال ببرود:
"واو، إنه امتياز لم أكن لأحظى به حتى لو تمنّيته. يشرفني حقًا."
انتفخت وجنتا سيرينا الصغيرتان في امتعاضٍ خفيف من نبرته غير الجادّة.
وبينما راقب إسترون سلوك تاليس الغريب، تذكّر أنّ هذا الفتى هو ذاته الذي تجرّأ على إعطائه الأوامر سابقًا، فاشتعلت نيران الغيظ في صدره.
نظر إلى وجه سموّها وأطلق ابتسامةً باردة نحو تاليس.
"أيها الصبي، يبدو أنّك لا تعرف الكثير عن مملكة الليل، في الضفّة المقابلة من البحر. سأوضّح لك: حتى لو كان عدوّك ملك الكوكبة الأعلى نفسه، فمع دعم جيشنا المقدّس، لن يجرؤ أحد على مضايقتك."
ما إن أنهى إسترون حديثه، حتى أحسّت رولانا، الواقفة إلى جانبه، بأنّ هناك خطبًا ما.
كانت وجوه الواقفين في الجهة المقابلة غريبة الملامح، خصوصًا النبيل متوسّط العمر ذو التعبير المربك، والمرأة ذات الشعر الأسود التي بدا عليها الانزعاج.
قطّب كريس حاجبيه، غير أنّه لم يتمكّن في الوقت المناسب من إسكات مصّاص الدماء الأشقر، إذ كان يعلم أنّ الملثم هو مقاتل يقف عند ذروة الفئة الفائقة.
ارتجف وجه تاليس قليلًا. الغرور داءٌ، وعليك أن تُعالجه!
"إذن، حان دوري للتعريف بنفسي."
حكّ تاليس رأسه وقال للطفلة الصغيرة:
"أمم، اسمي تاليس، وعمري حوالي سبعة أعوام. في الماضي…"
وفي تلك اللحظة، تقدّمت جينيس بخطواتٍ حادّة وعلى وجهها ملامح انزعاج، لكنّ غيلبرت أوقفها قبل أن تتكلّم.
زفر النبيل ذو الشعر الرمادي وقال بجدّية:
"أظنّ أنّ التحالف بيننا لن يكون قصير الأمد، والسيّدة سيرينا تحتاج أيضًا إلى وقتٍ للاستعداد لاستعادة عرشها. لذلك، سنكون صريحين معكم."
رفع الكونت غيلبرت كاسو رأسه، وبملامح تفيض وقارًا، نطق كلماتٍ وجيزة:
"هذا هو تاليس، وريث الكوكبة القادم… الملك الأعلى التالي."
مرّت لحظة طويلة.
ثم لحظة أطول.
حتى خُيّل لتاليس أنّ الهواء ذاته قد تحجّر، قبل أن تهبّ نسمة ريحٍ خفيفة.
"ههه، أمم."
ضحك ضحكةً عصبية ولوّح بيده نحو مصّاصي الدماء الأربعة الذين تجمّدوا في أماكنهم.
"شكرًا على… دعم وحماية جيش الدم المقدّس."
ضحكت جينيس خلفه بخفّة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬