سليل المملكة الفصل 28 — سليل المملكة 28

اقرأ سليل المملكة الفصل 28 — سليل المملكة 28 باللغة العربية على مانجا تايم.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

Arisu-san

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

الفصل 28: الاختبار الأول للقدرة الصوفية.

…

ما هو شعور اليأس؟

اعتقد رالف أنه يعرف الإجابة عن هذا السؤال.

ذلك الألم الهائل حين تحطمت حنجرته وتمزقت على يد تلك النادلة من الأخوية (لم يكن يعرف بعدُ اسم جالا)، جعله يشعر وكأن الأمر قد حدث قبل خمس دقائق فقط.

ومنذ تلك اللحظة، بدا وكأنه يتحمل ذلك الألم في كل ثانية. الدم كان يتدفق عكسياً من حلقه إلى رئتيه. الألم المروع انتقل من حنجرته إلى دماغه. حتى مجاريه الهوائية انسدت.

لم يكن قادراً على الكلام.

لم يكن قادراً على التنفس.

لم يكن قادراً على الحركة.

كان أشبه بكلب ضال مثخن بالجراح يموت ببطء، قد تُرك لحتفه في سوق الشارع الأحمر.

سواء مات أخيراً من الألم، أو من الاختناق، أو من الانسداد، فإن ساعاته كانت معدودة.

الشيء الوحيد الذي دفعه إلى التمسك بالحياة هو رغبته الغريزية في العيش، التي وُلدت معه منذ كان يتجول في شوارع اتحاد كاموس في طفولته.

بوصفه ذو قدرة نفسية تتحكم بالرياح، استخدم مراراً قدرته النفسية ليدفع شهيقاً بعد شهيقٍ من الهواء المليء بالغبار والدم والقذارة إلى حنجرته الممزقة وصولاً إلى رئتيه، كما لو كان يعصر إسفنجة.

ثم يضغط الهواء الخارج عبر جرح آخر في مؤخرة رقبته.

شهيق.

زفير.

شهيق.

زفير.

كل "نَفَس" كان مصحوباً بألم غير بشري هائل. كان أشبه بعذاب من يذهب ويعود بين الجحيم والأرض.

(ربما أنا أول إنسان يستطيع تمديد حياته باستخدام قدرته النفسية)، فكّر رالف بأسى.

شعر أن حاله يشبه إلى حد بعيد الكلاب الضالة التي تعيش على جمع القمامة من المجاري.

غادرت النادلة.

غادر الشرطي.

مرت بضع مجموعات من العصابات بجانب جسده المحتضر المثخن بالجراح.

تفقده كشاف، قلبه على ظهره، ووضع يده على فمه وأنفه يتحسس أنفاسه.

دوّى انفجار هائل في أذنيه.

لم يكترث رالف.

لم يستطع سوى أن "يتنفس" غريزياً شهيقاً بعد شهيق مستخدماً قدرته النفسية مُحتمِلًا الألم الهائل.

فعل ذلك حتى طلع النهار، حين رفع نوميا جسده "الميت" وهو يتراجع في ذعر.

كان نوميا في الأصل صياد قرية، يُعتبر الجبان بين "الاثني عشر الأقوى". لطالما ازدراه رالف، وكان "تابع الرياح الشبحية" يجد متعة في السخرية منه وإهانته والتنمر عليه داخل الأخوية.

لكن المفارقة الأشد سخرية، أنه في لحظاته الأخيرة، كان هذا الجبان الذي طالما احتقره هو من حمل "جثته".

استيقظ رالف فجأة من الألم الشديد الذي انفجر في ساقيه.

كانت يداه موثقتين بشدة. وحين فتح عينيه، وجد نفسه في مشرحة مركز الشرطة.

وهناك رأى نيكولاي.

رأس قادة عصابة قوارير الدم الثمانية (لم يكن رالف يعلم أن خمسة منهم قُتلوا في معركة سوق الشارع الأحمر)، نيكولاي "الأفعى الحمراء".

لكن نيكولاي لم يفعل شيء سوى أن يحدق فيه بنظرة معقدة، ثم هز رأسه بازدراء وملامح شرسة.

"أنت واحد من القلة الذين بقوا أحياء من عصابة قوارير الدم"، قال الأفعى الحمراء بفتور.

حاول رالف أن يتكلم وهو يتلوى من ألم حلقه، لكنه لم يخرج سوى أصوات "هه، هه" بلا معنى.

شعر بألم هائل يشتعل في ركبته.

لكنه لم يكن يشعر بشيء تحت ركبتيه.

"انظر إليك يا رالف. الأفضل، والوحيد من نخبة الفئة العليا بين الاثني عشر الأقوى".

"الشاب الذي توج بالمجد اللامتناهي، والذي أوصت به السيدة كاثرين بكل فخر إلى صوفي الهواء".

ربت الأفعى الحمراء على وجهه برفق، وعيناه تحملان تعقيداً وحقداً، وقال بسخرية: "والآن، ها أنت ترقد هنا كجثة، لا تستطيع الكلام، لا تستطيع التنفس، لا تستطيع الحركة، ولا تستطيع الأكل. لماذا ما زلت على قيد الحياة؟"

ارتفع حاجباه، وتحولت ملامحه إلى هيئة بشعة هائجة: "لماذا أنت من نجا بدلاً من كيركس، أو سونغ، أو سفين، أو دورنو؟ لماذا أنت؟ لماذا التابع المفضل لكاثرين من نجا، وليس تابعي أنا؟"

اتسعت عينا رالف وهو يتلوى من الغضب والألم. لكن جراحه المروعة في موضعين من جسده شلّت قدرته على الحركة.

كبح الأفعى الحمراء غضبه، ثم انطلق ضاحكاً بصوت عالٍ. ضحك بجنون، وبفرح هستيري.

"لقد تكبدت عصابة قوارير الدم خسائر فادحة، وتضررت قواي كذلك بشكل كبير"، قال بنبرة هادئة. "لو كان رجال كاثرين لا يزالون موجودين، لربما حظيت بفرصة لترتقي مستخدمةً إياي كسُلم. هذا وارد".

تشوهت ملامح نيكولاي.

"لكن، ما نفع تابع الرياح الشبحية إن لم يستطيع الكلام، بلا ساقين، مثخن بالجراح وعلى شفير الموت؟ هذا هو السبب…" مد يديه، وبوجه ملتوي ضغط جروح ركبتي رالف التي كُويت لوقف النزيف. "لماذا لم تمت في القتال وتختفِ وحسب؟"

"أه…" أغمض رالف عينيه بإحكام من شدة الألم، وهو يصارع بكل قواه، ليس ليتحرر، بل لتخفيف وطأة الألم في ركبتيه.

حتى قدرته النفسية التي اعتمد عليها لـ "التنفس" كادت تتوقف.

"مزاجي سيئ جداً اليوم. أثناء تنظيف الفوضى، واجهت العقبات في كل مكان." تنهد نيكولاي وأكمل: "لكن بعد أن أتخلص منك، أيها العبقري الذي تحظى بتقدير كاثرين، سأشعر بسعادة غامرة."

رأى الحقد والألم والغضب في عيني رالف، لكن نيكولاي ارتسمت على وجهه ملامح أسفٍ زائف، وقال مبتسماً بابتذال: "لم يكن هناك خيار، لقد طلبوا مني صراحةً فرداً من الفئة العليا، وأكدوا على أن يكون معصماه سليمين حتى يحصلوا على الدم. وإلا، لكنت قطعت يديك بدلاً من ساقيك."

وفي النهاية، ربت على وجه رالف وهمس بجانب أذنه: "أتمنى أن تنعم بصحبة سعيدة مع مصاصي الدماء."

ومع تلاشي خطوات نيكولاي، اقترب منه اثنان من رجال العصابة. كان أحدهما يحمل إبرة بطول ثلاث بوصات موصولة بأنبوب. أما الآخر فأمسك بمعصم رالف الخامل.

في تلك اللحظة، شعر رالف بيأس عظيم.

…..

حدّق تاليس في رالف مذهولاً.

راوده شعور ملح أن يسأله عمّا جرى مع جالا بعد ذلك، وعن نتيجة معركتهما. هل هربت جالا؟ لماذا اصبح رالف في هذه الحالة؟ ألم يكن واحداً من عصابة قوارير الدم؟

لكن تاليس تردد، لأنه أبصر حالة رالف الراهنة.

رجل بلا ساقين، عينيه شاردتان، لا يعبر عن مشاعره سوى بأنات بلا معنى. نظرته خليط من اليأس، والألم، والندم، والحزن.

لا يزال تاليس يتذكر رالف الذي رآه في الليلة الماضية.

كان متبجحاً، واثقاً، متغطرساً، ويمتلك مهارات استثنائية.

يتنقل بخفة وسط العواصف العاتية، تاركاً وراءه ضحكته المميزة.

أما الآن…

"ها… ها… آه…" أغلق رالف عينيه بإحكام وبدأ يئن من الألم مجددًا.

تابع الرياح الشبحية، الذي كان يومًا متهورًا، لئيمًا، ولا يعرف الخوف، لم يعد موجودًا.

كانت شفتاه تميلان إلى السواد الأخضر وجافتين، علامة واضحة على الجفاف الحاد. ومع ذلك، لم يستطع تاليس أن يجد أي ماء. كما أنه لم يكن واثقًا إن كان رالف قادرًا بعد على البلع في حالته الراهنة. تاليس لم يعرف حتى كيف كان رالف قادرًا على التنفس.

لم يستطع الفتى سوى أن يجلس إلى جانبه شاردًا، يراقب رالف وهو يتألم في عذابه بينما يكافح للبقاء حيًا.

في السنة الثانية بعد انتقاله، كُسرت ساقا طفلة متسولة على يد كوايد. وقبل أن تموت، ناحت المسكينة طوال الليل.

في ذلك الوقت، كان تاليس ما يزال غارقًا في الجهل، لم يعثر إلا على شذرات قليلة من ذاكرته. كان مذعورًا، مرتاعًا من فظاعة الواقع، ولم يكن بمقدوره سوى أن يختبئ مرتجفًا في حفرة بجدار.

ثم غفا، وأصغى إلى عويل الفتاة طوال الليل بذهن غائم.

كان الأمر مشابهًا لما يحدث الآن.

وبعد ذلك، كان يتساءل أحيانًا لِمَ لم يمتلك حينها شجاعة أكبر لينهي عذاب تلك الفتاة.

بينما كان يحدق في حالة رالف المشوّهة، غشي قلب تاليس ثِقل شديد.

(مهما بلغت خطايا الإنسان، فلا أحد يستحق مثل هذا العذاب)، قال لنفسه.

في النهاية، تنهد تاليس وصعد نحو رالف. قال بهدوء: "رالف… ميديرا رالف."

رغم أن وعيه كان يتلاشى ببطء، فإن حدقتي رالف في تلك اللحظة ركزتا غريزيًا.

(من هذا؟ من الذي ما زال يتذكرني، أنا المبتور المنتظر للموت؟)

بهدوء، أخرج تاليس خنجر "جي سي" وأخذ يرفعه ببطء نحو عنق رالف.

"أعلم أنك الآن غارق في ألم شديد، تتحمل عذابًا لا يمكن للبشر العاديين تصوره. يمكنني أن أنهي حياتك وأحررك من كل هذا."

ارتبك تنفس رالف، الذي كان يتم عبر حنجرته وباستخدام قدرته النفسية، فجأة.

(عذاب. ألم. هروب؟)

"لكن عليّ أن أسألك بجدية وتروٍّ. ميديرا رالف، هل أنت راغب أن أخلصك من عذابك هكذا؟ إن كنت راغبًا، ارمش مرة واحدة. وإن لم تكن… فلن أكرر هذا السؤال."

بوجه جاد، انتظر تاليس رد فعل رالف.

في الظلام، حملق رالف مطولًا في هيئة الفتى الضبابية أمامه.

هروب.

شعر رالف بألم هائل من حلقه حتى ركبتيه. كل نفس كان يمزق جرح حنجرته، وكل محاولة للحركة كانت تؤثر على موضع بتر ركبتيه.

كان عطشانًا، جائعًا، باردًا، متألمًا، ويائسًا—واليأس كان في نظره الشعور الأشد رعبًا.

استحضر إحساس الريح وهي تعصف بجسده، وأول مرة قتل فيها إنسانًا بقدرته النفسية، وأول مرة دخل فيها عصابة قوارير الدم، وأول مكافأة تلقاها من رئيسه، وأول مرة استخدم فيها رجولته فوق جسد فتاة ضعيفة، وأول مرة لمح فيها صوفي الهواء كما لو أنه في حجّ مقدس.

تذكر خوف أعدائه، ونظرات الخضوع في عيون رفاقه، ووجه "هي" المليء بالثناء، وانحناءة شفتيه المتغطرسة المليئة بالرضا كلما سمع همسات عن "الأقوى بين الاثني عشر".

كانت تلك أمجاد الماضي. وقد فقدها جميعًا إلى الأبد…

أليس كذلك؟

في اللحظة التالية، غدت نظرات رالف حازمة. بذل قصارى جهده ليُفعّل ما تبقى من قدرته النفسية وسحب "نفسًا" إلى جسده شبه المشلول.

ثم ارتجف تابع الرياح الشبحية. وبكل ما تبقى له من قوة، بينما يتحمل الألم الناتج عن احتكاك وجنتيه بأداة القيد، رفع رأسه بكل عزيمته وحدّق بتاليس بنظرة عميقة.

تهيأ ليَرمش. كان يحتاج أن يرمش مرة واحدة فقط.

مرة واحدة.

ثم رأى تاليس جفني رالف العلوي والسفلي يهتزان. ارتجفا وبدآ بالتحرك نحو بعضهما.

تنهد تاليس بحزن في قلبه، وقبض الخنجر ببطء في يده.

لكن جفني رالف توقّفا في منتصف الطريق، وبقي بينهما خيط صغير من الضوء. لم ينطبقا.

وظلا على ذلك الحال طويلًا، طويلًا جدًا.

الرجل الذي كان يومًا تابع الرياح الشبحية لمح مشهدًا أمام عينيه، مألوفًا أو غريبًا. كانت حقولًا قاحلة وطرقات طينية قذرة يعج بها الكلاب الضالة والذباب—ذاك كان ريف اتحاد كاموس، حيث كافح للبقاء أيام صغره.

في تلك الواقعة، كان يقاتل ضد عصابة من الكلاب الضالة على قطعة خبز متعفنة، رغم أن الذباب كان قد التهم معظمها.

(تلك الكلاب الضالة كانت شرسة بحق)، تمتم رالف في زنزانته. (عويلها المدوّي، عضّاتها اليائسة، قوتها المجنونة، ومع ذلك…) ولاإراديًا لعق أسنانه العليا. (كان طعم الخبز سيئًا للغاية.)

رأى تاليس ملامح رالف تتشوّه وترتجف.

ارتخت جفونه ببطء، واتسعت، وعادت إلى موضعها الأصلي.

بووم!

مثل بالون مثقوب، هوى رأس رالف، الذي رفعه بشق الأنفس بين قيديْن معدنييْن، إلى الوراء فجأة. ارتطمت مؤخرة رأسه بالأرض.

في النهاية، لم يَرمش.

زفر تاليس بهدوء وخفّض الخنجر ببطء من يده.

غير أن رالف بدا وكأنه لم يشعر بألم رأسه المرتطم ولا بجروح وجنتيه.

بدأ وجهه المشوّه يرتجف، ومعه رأسه.

"آهغ… آهغ—"

لم يكن هذا أنينًا.

لم يسع تاليس إلا أن يُصعق.

إذ رأى رالف يغلق عينيه من الألم، ووجهه يرتجف بينما السائل الشفاف ينحدر من عينيه بلا توقف.

"آهغ… آهغ…"

كان صوته شديد الكآبة والأسى.

لقد كان يبكي.

تابع الرياح الشبحية. كان يومًا ما نفسيًا قويًا، رجلًا ومحاربًا، نال مديحًا بلا نهاية.

والآن، كان يذرف الدموع ويبكي.

هل كان يبكي بسبب ضعفه، أم بسبب الألم الذي كان يعانيه؟

في هذه اللحظة، لم يكن سوى إنسان عادي، شخص عادي، بل وحتى مواطن ضعيف قليلًا.

بكى كما لو أنه لم يعد قادرًا على تحمّل عبء ألمه. أما تاليس، فلم يستطع سوى أن يراقبه مذهولًا.

راقب الرجل الذي لم يعد قادرًا على الكلام ولا على التنفس بشكل طبيعي، وهو يسقط أرضًا ويجهش بالبكاء بعنف بعد أن رفض فرصة التحرر.

أدار تاليس وجهه بقتامة، لكنه شدّ قبضته على الخنجر في يده.

أورسولا، نيد، وكيليت…

الأطفال المتسولين الذين ماتوا في المنزل السادس، والذين لم يحملوا حتى اسم عائلة، ظهروا واحدًا تلو الآخر أمام عينيه.

تذكّر محنته، ثم تذكّر غيلبرت ويودل.

قطّب الفتى حاجبيه، وخفض رأسه لينظر إلى يديه. كان الجرح الجديد مألوفًا، تمامًا مثل السخونة المحترقة قبل قليل.

في تلك اللحظة، بدا كما لو أن شيئًا قد استقر داخل قلبه.

اقترب تاليس من أذن رالف للمرة الثانية وقال بهدوء، "أنا أفهم."

كان رالف ما يزال يبكي كما لو أنه مسحوق تحت أثقال أعبائه.

"إذن، هل أنت مستعد لتحرير نفسك من هذه القيود؟"

توقف بكاء رالف لحظة، لم يتوقف تمامًا، لكنه صار أكثر خفوتًا تدريجيًا.

الفتاة الصغيرة صاحبة الساقين المكسورتين، وكل طفل تقريبًا مات في البيوت المهجورة خلال السنوات الأربع الماضية، ومضوا أمام عيني تاليس.

ارتفعت مجددًا الصرخات الحادّة والعويل اليائس من خارج الزنزانة.

(هذا العالم اللعين).

لم يعرف تاليس ما الذي كان يختبئ في أعماق السجن، غير أن نظرته نحو رالف صارت أبسط وأنقى.

ثم نظر تاليس بجدّية إلى تابع الرياح الشبحية، الذي لم يعد قادرًا على الطيران، وتحدث بحزم:

"حرّر نفسك من هذه القيود. ثم، بهذا الجسد المحطّم، واصل صراعك في هذا العالم، وجاهد للبقاء حيًا. لترَ كم يمكن أن يكون العالم أكثر قسوة. هل أنت مستعد؟"

توقف رالف عن البكاء.

لم يكن قادرًا على تحريك رأسه، لم يكن بوسعه سوى أن يحرك نظره نحو الفتى بجانبه في ذهول.

سمع صوت تاليس يتحدث ببطء ووضوح، "قد لا تكون هذه حرية. ربما يكون هناك ثمن هائل لتدفعه. قد تموت حتى على الفور. أما أنا، فأفعل هذا فقط من أجل نفسي."

ثم خفض تاليس رأسه وقال ببطء، "مع ذلك، أستطيع أن أحاول منحك فرصة، لأدعك تتخلص من هذه القيود وتكافح لتعيش مرة أخرى. هل أنت مستعد؟"

حدّق رالف بعمق في عيني الفتى.

ورغم أن الدموع ما تزال تلمع فيهما، شعر في تلك اللحظة فجأة برغبة في الضحك. شعر كما لو أن الألم في حلقه وركبتيه بدأ يتخدّر ببطء.

(تلك الكلاب الضالة… الكلاب الضالة التي قاتلها من أجل الخبز… الكلاب الضالة التي، في النهاية…)

تمكن رالف من أخذ "نَفَس". انفجر دفء غريب من الفرح في قلبه.

(في النهاية… واجهوا نهاية مأساوية).

رالف، الممدد على الأرض، رفع بصره مجددًا وهو يرتجف، وحدق مباشرة في تاليس.

وفي اللحظة التالية، أغمض تابع الرياح الشبحية عينيه ببطء، بوضوح، في فعلٍ لا لبس فيه.

لقد أغمض كل إنسان عينيه آلاف المرات في حياته. ومثل تلك الرمشات لم تكن ذات شأن.

غير أن رالف ربما أتى بأهم رمشة في حياته.

خفض رالف رأسه ببطء.

ابتسم تاليس، وتبدّدت الكآبة من قلبه قليلًا. أومأ إيماءة قصيرة. "حسنًا، فهمت."

…..

"في البداية، ظننت أن سموها قد استيقظت قبل أوانها. لكن الآن، يبدو أن الأمر ليس كذلك."

تجهّم كريس في غرفة مظلمة في الطابق الثاني من قصر الكرمة.

أمامه شبكة من الأوعية الدموية لا تُحصى، متشابكة في نمط معقّد، متصلة بتابوت ضخم أسود مائل للبني، بارتفاع شخص بالغ—ثلاثة أمتار عرضًا وستة أمتار طولًا.

في تلك اللحظة، هزّ التابوت ارتجاف متواصل من داخله.

"لقد حاولت الاتصال بوعي سموها، لكنه ما يزال مضطربًا وغامضًا. لم يكن هناك سوى الجوع وغريزة القتل. ومهما حاولت أن أتواصل معها وأواسيها، ظل الوضع كما هو!" وضع كريس أنبوب دم جانبًا، وازدادت ملامحه جدّية. "إن استمر هذا، فإن سموها ستستنفد قوتها المتبقية ومخزون دمها قبل أوانه!"

بدت رولانا مصدومة. المرأة حمراء الشعر من عشيرة الدم قالت بقلق، "لابد أن شيئًا ما أثار سموها، لكننا لم نفعل شيئًا!"

لمعت عينا كريس بضوء ساطع، وقد اختفى من عينيه ذلك الجمود والخواء دون أثر. تحدث الشيخ بحزم، "ليس نحن! سموها لم تبدأ برد الفعل هذا إلا قبل خمس دقائق. في ذلك الوقت—"

تغيّر تعبير كريس فجأة، وكأنه تذكّر أمرًا. استدار وصرخ إلى إسترون الواقف خلفه بوجه صارم، "ذلك الطفل! حتى نحن نشتم عبير دمه من طابقين بعيدًا. فكيف بسموها بحاسّة شمها… أين ذلك الطفل؟"

ارتبك إيسترون وتوتر. نظر إلى كريس المتحمس وأجاب بلا وعي "منذ قليل، بدا أنه جرح نفسه عن طريق الخطأ. ثم نزع جهاز سحب الدم الخاص بالفئة العليا مقطوع الأرجل، وقال أشياء غريبة. لم أصغِ جيدًا. وبعدها هو—"

لم يواصل كريس الذي استعاد صرامته الإصغاء إلى شرحه. استمرت الاهتزازات والطرقات المكتومة تتردّد من التابوت. قاطعه الشيخ بخشونة وحزم، "أحضروا الطفل فورًا. لا، إيسا، ابقَ هنا؛ دع رولانا تذهب."

وبينما كان ينظر إلى التابوت العملاق الذي يهتز بعنف متزايد، لمعت عينا كريس بضوء غريب، كما لو أن شررًا يتطاير فيهما.

"ما تشتهيه سموها… هو دمه."

…..

"هذه الخطة خطيرة للغاية." شرح تاليس بهدوء لرالف الممدد على الأرض. كان الأمر كما لو أنه قد عاد إلى المنزل السادس، مستخدمًا كل ما بوسعه لحماية أولئك الأطفال المتسولين الطيبين، البسطاء، والأبرياء الذين عانوا في الجحيم منذ ولادتهم.

"غير أن من الحماقة أكثر أن نجلس هنا عرضةً للأسر ونحن ننتظر حدوث معجزة."

لم يفعل رالف سوى أن يراقب الفتى بصمت، ذلك الفتى الذي كانت نظرته مختلفة تمامًا عن نظر أي إنسان عادي. وبجهد، أخذ "نَفَسًا".

(ذلك الوجه الجاد…) ابتسم رالف في قلبه وفكّر، (لا يقل شأنًا عن الأخت الكبرى).

لم يكن تابع الرياح الشبحية يدرك أنه، بعد أن واجه خيار الحياة والموت، شعر بطمأنينة أكبر.

واصل تاليس يشرح ببرود، كما لو أنه ليس المتحدث أصلًا.

"لا أعرف كم تبقى لديك من قوة، لكنني أقدّر أنها قليلة. أما قدرة ذلك العجوز الهرم… لذا، لا المخاطرة المتهورة منّا نحن الاثنين، ولا الانتظار الدفاعي سيكون حلًا مناسبًا الآن. أفضل لحظة، وأكثرها ملاءمة، ستكون حين تصل قوة إنقاذي. في اللحظة التي يقتحمون فيها—"

"لن تستطيع الانتظار حتى تصل قوة إنقاذك، أيها الفتى البشري الصغير."

قاطع صوت أنثوي بارد تاليس.

تصلب وجه رالف على الفور.

تجمّد تاليس لوهلة، ثم استدار بعدم تصديق ونظر نحو باب الزنزانة.

وقفت رولانا كورليوني خارج الباب، مرتديةً بزة فروسية أنيقة. داعبت شفتيها بإغراء بسبابتها اليمنى النحيلة والجميلة، وفي الوقت ذاته جذبت قفل باب الزنزانة لتفتحه بيدها اليمنى التي تحوّلت فجأةً إلى يد مفزعة حادة ذات مخالب.

قالت باستهزاء، "أخبرك إسترون من قبل، أليس كذلك؟ مهما فعلت، سنتمكن من سماعه، أيها السيد الصغير الذي تلاعب بإسترون."

ضحكت رولانا بخفة، وبجسدها النحيل الساحر خطت خطوات أنيقة مثيرة من الباب المفتوح إلى داخل الزنزانة.

"للأسف. ربما بعد أن تكبر بضع سنوات أخرى، حتى أنا سأُفتن بك. لكن الآن، أنت على وشك أن تصبح شرابًا مركزًا وعطرًا لصاحبة السمو. وربما رولانا اللطيفة هذه ستحظى برشفة منه أيضًا؟"

بمجرد أن رأى تاليس ظهور رولانا المفاجئ، أدرك أنها تستطيع إخضاعه في أي لحظة.

تنهد الفتى تنهيدة عميقة بدت صادقة ومليئة بالأسف.

"رالف،" قال بصوت هادئ خالٍ من أي قلق، "أحتاج عشر ثوانٍ."

(عشر ثوانٍ؟)

فجأةً شعرت رولانا بعدم الارتياح. تذكرت كيف خُدع إسترون.

(ما الأوراق الأخرى التي يخفيها؟ هذا الكائن الفاني من الفئة العليا، نصف المعاق والمقيّد بأصفاد جناح الليل الحجري؟)

لكن رولانا الماكرة لم تشأ أن تخاطر. فتبدّل تعبيرها في لحظة ليغدو قاسيًا وحاسمًا.

(هذا الشيطان الصغير… إنه يحاول أن يجعل نفسه يبدو غامضًا!)

وفي لحظة، ظهر جسدها الساحر أمام عيني تاليس.

"انتظر حتى تمتصك صاحبة السمو حتى تصير مومياء… عندها لن ترى—"

لكن في تلك اللحظة، هبّت ريح غريبة وعنيفة داخل الزنزانة الصغيرة.

هششش!

اهتزت نيران المشاعل، وكادت تنطفئ عدة مرات.

دفعت الريح العاصفة رولانا إلى التراجع ثلاث خطوات للوراء. مذعورة، أمسكت بالقضبان إلى جانبها بكل قوتها لتتمالك نفسها.

(أهذه… قدرة نفسية؟)

( مستحيل! يستحيل أن يكون هذا الطفل ذا قدرات نفسية.)

(إذن فلا بد أنه…)

بجهد شديد، نظرت إلى الكائن من الفئة العليا، رالف، المقيّد بالأرض بأصفاد جناح الليل الحجري.

(لابد أنه هو! ما زال يحتفظ ببعض القوة رغم حالته هذه.)

(لكن بلا فائدة. أنتم مقيّدون ومصابون بجروح بليغة. حتى لو امتلكت قدرة نفسية، فكم ستدوم؟)

(أما هذا المخادع الصغير… لاحقًا، حتى وإن خالفت أوامر كريس، فسأتذوّق دمه أولًا، وسأحرص أن أترك له ذكرى لا تُمحى!)، فكرت رولانا بغضب.

"لنبدأ إذن."

نظر تاليس أمامه باتجاه رولانا التي أُعِيقت بالرياح العاصفة، وقلب خنجره بوجه جاد.

عشرة.

تحت أنظار رالف الحائرة، أمسك تاليس بنصل الخنجر بيده اليمنى السليمة.

تسعة.

قال بهدوء: "حظًا سعيدًا لنا نحن الاثنين."

ثمانية.

(الاختبار الأول لقدرتي الصوفية).

سبعة.

(يبدأ الآن).

ستة.

حدّق تاليس في الأصفاد الحجرية السوداء التي كبّلت رالف، بينما كان وجه رالف محمرًا يحدّق برولانا بعناد، والرياح العاصفة ما زالت تجتاح المكان.

أمسكت رولانا بالقضبان بصرامة، وبدأت يدها اليسرى تتحول إلى مخالب حمراء مفزعة.

خمسة.

(أريد أن أحطم أصفاده) فكّر تاليس.

(وأُنقذ هذا الرجل الذي لم يتبقَّ له شيء).

أربعة.

(إن كان توقعي صحيحًا…)

مرت أمام عينيه مشاهد الموت والحياة التي عايشها.

حين خنقه كويد بيده.

حين شدّ أسدا قبضته عليه ببطء.

وذلك المشهد الدموي في ذاكرته البعيدة، وذلك الشخص الوديع المليء بأوهام المراهقة… والذي لم يعد يتذكر اسمه.

ثلاثة.

شد تاليس على أسنانه وأغمض عينيه فجأة، ثم قبض بيده اليمنى على المزلاج المعدني.

انبعث من المعدن وهج حارق. لكنه تحمّل الألم.

شعرت رولانا بشيء غريب، فالتفتت مذعورة لتجد القضيب الذي أمسكت به يرتجف.

(ما الذي يحدث؟) فكرت بهلع.

(هذا الرجل نصف المعاق… كم هي قوية قدراته النفسية؟)

اثنان.

طاخ!

تحطم القضيب، ومعه يد رولانا، إلى شظايا صغيرة لا تُحصى.

صرخت صرخة مريرة وهي تضغط على جرحها النازف، وقبل أن تستعيد توازنها، عصفت بها الرياح العاتية التي استُدعيت بالقدرة النفسية، فدفعتها خارج الزنزانة.

واحد.

ترددت صرخة رولانا المذعورة المجنونة بجانب أذنيه.

هاجمها شعور حارق.

صفر.

(النور.) فكّر تاليس بوعيه الموشك على الانطفاء.

(الكثير من النور…).

….

في الغرفة بالطابق الثاني، حيث يوجد التابوت الضخم، تغيّر وجه كريس فجأة.

قال ببرود وهو يحدق بالتابوت الذي ظل يصدر أصوات طرق مكتومة، "ما الذي تحاول رولانا فعله؟"

أجاب إسترون بحذر وهو يشعر بقلق الشيخ، "ربما تتذوق الطعام… بالنسبة للأطعمة الشهية، لطالما… لا! إنهم—"

لكن كلمات إسترون قُطعت بما جاء من الخارج، وتحولت ملامحهما إلى صدمة.

بوووم!

دوّى انفجار مدوٍ من تحت الأرض.

اندفعت غيمة غبار عنيفة من وراء الباب.

تغيّرت ملامح مصّاصَي الدماء، الشيخ والشاب، في آن واحد. ثم تبادلا النظرات.

«حدث شيء في الزنزانة.»

وفي اللحظة التالية، ظهرا خارج القصر!

حين رأى إسترون المشهد بوضوح، فتح فمه من هول ما أبصر، في رد فعل لا يُشبهه أبدًا.

تحت ضوء القمر، كان يمكن رؤية الكائن الفاني من الفئة العليا، عديم الساقين، ذو الوشم على وجهه، الرجل الذي كان يُدعى تابع الرياح الشبحية، ميديرا رالف، وقد تحرر من جميع قيوده.

كان يطير في السماء راكبًا الرياح العاتية، ممسكًا بالفتى الفاني الصغير تحت إبطه، وعيناه تشتعل بالعزم.

…

غير بعيد، كان غيلبرت يمتطي حصانه ويقود ثلاثين من فرسان الإبادة في اندفاع خاطف. فجأة تغيّر تعبيره.

قال بصوت منخفض إلى المسؤولة بجانبه، "مصباح السلالة."

نظرت جينيس، التي كانت تركض بخيلها، إلى المصباح الذي يحمله غيلبرت بتعبير جاد.

لقد احمر لهبه… ومال إلى جهة واحدة.

"ذلك الاتجاه—" تمتم غيلبرت بوجه متجهم.

"إنه قصر الكرمة لعائلة كوڤندير!"

زمجرت المسؤولة وضربت جوادها بالسوط.

"ومن يهتم لأي عائلة ينتمي؟ حتى لو كانت عائلة والتون من إكستيدت…"

"…لا زال يتعين علينا أن نقتحم!"

أومأ غيلبرت، وظهر على وجهه إصرار شرس.

"جميع الفرق، غيّروا المسار واتبعوني! لا حاجة للحفاظ على قوتكم! اندفعوا بسرعة مضاعفة! استعدوا للقتال!"

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬