سليل المملكة الفصل 198 — سليل المملكة 198

اقرأ سليل المملكة الفصل 198 — سليل المملكة 198 باللغة العربية على مانجا تايم.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

Arisu-san

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

الفصل 198: السعر

***

نزل لامبارد من العربة وحده، ثم أُغلِق باب العربة بإحكام مرة أخرى.

كان واضحًا أنّه لا ينوي السماح لتاليس بالنزول معه.

لا يزال غارقًا في المعلومات التي كشفها لامبارد، حاول تاليس أن يستعيد توازنه وسط ذهوله وحيرته. وتحت النظرة القلقة للشقية، ألصق وجهه بزجاج العربة.

(قال لامبارد إنّ شخصًا ما يريدني حيًّا. من هو؟ من الذي يرغب في إبقائي حيًّا؟ أهو فعلًا من أظنّه؟—)

انقطعت أفكار تاليس بالمشهد الذي بدا أمامه.

كانوا في زقاق ضيّق فتحه جنود إقليم الرمال السوداء—المتوشّحون بزيّ الدوريات—إلى مساحة أوسع قليلًا.

استعاد الآرشيدوق لامبارد ملامحه الوقورة الصارمة. سار نحو منتصف الزقاق بخطوات ثابتة، ممسكًا بسيفه.

هناك، كان رجل أبيض البشرة يرتدي معطفًا قطنيًا سميكًا، وبملامح هادئة، ينتظر وصول الآرشيدوق.

ارتفع حاجب تاليس قليلًا. (لا أعرف هذا الرجل، لا يكاد يختلف عن شماليّ عاديّ.)

ابتسم الرجل، رفع يده نحو صدره، وانحنى مُحيّيًا لامبارد، ثم حرّك شفتيه قليلًا. هزّ لامبارد رأسه بخفة وقال شيئًا ما.

"من هذا؟" وضعت الشقية رأسها قرب تاليس.

"لا أعرف." تقطب جبين تاليس. لم يكن أيّ منهما يتحدث بصوت مرتفع، فلم يستطع سماع شيء من داخل العربة.

لكنّ الأمر يتعلّق بحياته، أخبر نفسه: (لا بد أن أسمع هذا. لا بدّ…)

فشدّ قبضتيه، وأغمض عينيه برفق، مستعيدًا ذلك الشعور المميّز الذي كان ينتابه دائمًا حين يُحاصر بين الحياة والموت.

ومثلما علّمه "السيف الأسود"، عليه أن يستدعي ذلك الإحساس ومعه الإيحاء بأنّ شخصًا آخر يسكن جسده.

(هذا لأجل البقاء. ساعدني.)

ثانية… ثانيتان… ثلاث…

وأخيرًا، ظهرت تلك التموجات المألوفة من جديد. اندفعت "خطيئة نهر الجحيم" إلى رأسه كأنها حيّة، فركّز تاليس جهده ليجمعها حول أذنيه.

في اللحظة نفسها، شعر بأجزاء من جسده ثقيلة، وأجزاء أخرى خفيفة.

ثم بدأت أصوات لم يكن ليسمعها عادة تتسرّب إلى أذنيه.

أول ما سمعه كان دقات قلبيهما غير المتناسقة—قلب الشقية وقلبه—ثم صوتها وهي تفرك يديها بقلق. وبعدها بقليل، تمكّن من التحكم أكثر، فضغط أذنه نحو جدار العربة. وسط الضوضاء في الزقاق، استطاع بالكاد تمييز صوتَي الرجلين.

"نعم، هو راضٍ وسعيد بالتعاون بيننا." وصل صوت الرجل الغريب متأنّيًا في الهواء. بدا واثقًا هادئًا. "يبدو أنّ الأمور تسير بسلاسة…"

لكنّ مجيبَه لم يُبدِ صبرًا للدردشة.

"لندخل في صلب الموضوع." جاء صوت لامبارد الخافت الخشن، "الصبي في العربة."

شعر تاليس بقشعريرة تسري في جسده. فتح عينيه وأشار للشقية لتصمت، إذ كانت تواصل نكزه بفضول.

"الصبي؟" ارتفع صوت الغريب فجأة، كأنه وجد كنزًا مفقودًا منذ زمن.

رفع تاليس رأسه ونظر عبر النافذة. هناك، استدار الرجل ذو المعطف السميك ونظر نحو العربة.

كانت نظرة اخترقت الزجاج، وجعلت الرعب يتجمّد في أطراف تاليس. كانت عينين مليئتين بالطمع والرغبة… كعيني أفعى قبل أن تنقض.

تلألأت عينا الغريب وهو يعود ببصره نحو لامبارد. "تاليس جيدستار؟ أهو هو؟"

لم يقل لامبارد شيئًا، فاكتفى بمراقبته بهدوء بارد.

"بهذه السرعة؟" ضيّق الرجل عينيه، ثم عرف الجواب بعد ثانيتين. ضمّ كفيه وارتسمت ابتسامة على شفتيه. ملامحه الهادئة المهذّبة تحوّلت فجأة إلى ودودة مرحبة. "البوابة الأخيرة وقصر الروح البطولية ما زالا بالتأكيد في يد مدينة سحب التنين. لا تقل لي إنك تسلّلت ببساطة وخطفته من هناك؟"

فكرة خطرت في ذهن تاليس. (قصر الروح البطولية لا يزال في يد عائلة والتون.)

أصدر لامبارد نفخة ساخرة من أنفه.

"لديّ طرقي." لم تتغير لهجة آرشيدوق إقليم الرمال السوداء. لم يُظهر أي رغبة في تلطيف كلامه أمام الرجل. "ما قولك؟"

بعينين لامعتين، راقب الرجل لامبارد كما يراقب تاجر صغير أكبر زبائنه.

"بالطبع هذا رائع!" صفق الرجل مرة، ثم انفجر ضاحكًا. "نحن ممتنون للغاية لعونك، يا صاحب السعادة. وستنال صداقتنا الأبدية—"

قاطعه لامبارد بقسوة.

"كفى هراء." زمجر تشابمان لامبارد ببرودة، عاقدًا نظره على الرجل. "بِمَ تنوي أن تبادله؟"

تجمّد الرجل للحظة، وكأنه لم يفهم. "نُبادله؟"

شبك كفيه بخفة، وبدت ملامحه وكأنه يفكّر في الكلمة ببطء. ثم ضحك بلا تحفّظ. "اعذر لسانِي الطويل. لكن منذ البداية، مساعدتنا لكم قد—"

"مساعدة؟" قطع لامبارد كلامه مرة أخرى، دون أن يبدي أي احترام، فأُخمد حديث الرجل في حلقه. نفخ الآرشيدوق باستخفاف. "لم تفعلوا شيئًا سوى التواصل مع مغتال موثوق."

رفع لامبارد ذقنه قليلًا، وعيناه تلمعان بحدّة. "تريدون الصبي؟ إذن عليكم أن تدفعوا الثمن."

ارتجف تاليس قليلًا وهو يتنصّت. (التواصل مع مغتال موثوق؟)

"مغتال موثوق؟" بدا الرجل كأنه يجيب السؤال الذي طرحه تاليس في ذهنه. قطّب حاجبيه وظهر على وجهه ابتسامة متعجّبة يائسة، وكأنه يقول: "كيف يعقل هذا؟" ثم حاول أن يساير لامبارد. "نحن نتحدث عن زهرة الاغتيال، وأؤكد لك أنّك لن تجد مغتالين أكثر براعة منهم في هذا العالم، خاصة وأنّك استهدفت أصعب هدف."

لم يردّ لامبارد.

"وعفوًا على صراحتي، لكن بسبب الخلل في معلوماتك، أضاع الجراد الرحّال وقتًا طويلًا في البحث عن الهدف في قصر الروح البطولية." هزّ الرجل رأسه بأسف. "ولولا أن رجالنا اكتشفوا موقع الهدف في الوقت المناسب، لما تمكن الجراد الرحّال من إتمام المهمة أصلًا، ولما أمكنك…"

توقّف الرجل عن الكلام، إذ رأى لامبارد يهزّ رأسه ببطء.

"على حد علمي، بانيت تشارلتون ليس أحد رجالك. هو يعيش بحدّ سيفه، لذا سأناقش الأجر معه شخصيًا." لم يكن صوت لامبارد مرتفعًا، لكنه حمل نبرة لا تقبل الجدل.

"أما أنتم، فكفّوا عن استخدام قِطع الآخرين للمساومة. إن كنتم لا تزالون ترغبون في أخذ ذلك الصبي، ذلك الأمير…"

ومع سماع تاليس هاتين الجملتين عنه، انبلجت حقيقة مهمة في ذهنه فجأة.

(بانيت تشارلتون. هو من هبط بسرعة من جُرف السماء وقتل الملك نوڤين في منطقة الدرع. ولكن وفقًا لكلام الرجل…)

(أي أنّ سبب ظهور لامبارد أمامي بجيش…)

لم ينطق الرجل ثانية. اكتفى بالنظر إلى لامبارد، وعيناه تكشفان تعقيدًا خفيًا. وبالمقابل، لم يُبدِ لامبارد أي انفعال.

وفي النهاية، انهزم الرجل أمام نظرة لامبارد. تنهد وقال: "يا لك من جشع."

"لسنا نجري حديثًا عابرًا هنا." هزّ لامبارد رأسه وألقى بهذه الكلمات ببرود وهو يستدير راحلًا.

تغيّر وجه الرجل. (يا له من آرشيدوق بخيل صغير النفس)، تمتم في قلبه بضيق.

"حسنًا، حسنًا. يا صاحب السعادة!" أوقف لامبارد، وقد بدا عليه شيء من الانزعاج. هزّ الرجل الغريب كتفيه كأنه استسلم، ومرّ بريق غريب في عينيه.

"ما دمتَ مستعدًا لتسليمنا الصبي…"

أطلق الرجل زفرة بطيئة، وعادت إلى ملامحه تلك الابتسامة الغريبة.

"لدينا نطاق واسع من الموارد والقوة البشرية، من دوقية آنلينزو إلى عصابة ڤاليير، ومن مدينة اليشم الكريستالي إلى جُزر الشياطين الثلاث. والأمر نفسه في إكستيدت." قال الرجل وهو يضحك بخفة. "وأراهن أنّ إكستيدت الوليدة ستحتاج إلينا في أمور كثيرة. فليس كل أحد سيخدم سيّدًا متوحشًا مشتبهًا بقتل الملك. يمكننا مساعدتك في تهدئة الشؤون الداخلية. وإن كان لديك من الأتباع الحمقى من يصعب عليك التخلص منهم…"

(موارد. قوة بشرية. صعب التعامل معهم…)

انقبض قلب تاليس رعبًا. وفي تلك اللحظة، أدرك فجأة هوية الرجل الواقف أمامه.

كان جواب لامبارد كلمتين باردتين: "ليس كافيًا."

تفاجئ الرجل قليلًا. وقطّب جبينه وهو يفكّر مليًا. وبعد برهة، ارتخى جبينه وقال بحذر، "إن كان هذا لا يرضيك…

"فلا يزال بحوزتنا الكثير من المعلومات. سواء كانت فضائح سياسية أو أسرار دولة، فبقليل من التلاعب أو التعديل يمكن أن نشعل فوضى عارمة في بضع دول صغيرة."

لم يعد صوت الرجل بنفس ارتخائه السابق. وفي أذنَي تاليس، بدا أنّ وتيرة كلامه تتسارع.

"ومما أعلمه، أنّ إكستيدت طالما شغلتها أحوال الغرب وخطوط المواجهة في الممر الذهبي. يمكننا أيضًا أن نغرق تحالف الحرية في اضطراب داخلي يعجز عن الفكاك منه لسنوات. بل يمكننا حتى جرّ الجبل الأبيض إلى المتاعب، إن كانت طموحاتك الجامحة—"

قبض تاليس قبضتيه بقوة وابتلع ريقه. (هذا ليس صائبًا. هذا يبدو وكأن…)

"ليس كافيًا."

خلافًا لتوقعات تاليس، كان جواب لامبارد هو الكلمتين الباردتين نفسيهما.

وهنا، تجمّدت ملامح الرجل أخيرًا. حدّق مطوّلًا في الآرشيدوق لامبارد.

أغمض الرجل عينيه وأطلق نفسًا حارًا من أنفه. وحين فتحهما، ظهر في نظراته قصد قاسٍ إلى جانب ذلك البرود الكئيب.

"فما الذي تريده بالضبط؟"

كانت نبرة ضيق خفي قد تسللت إلى كلامه. وتلاشت نبرته الهادئة اللطيفة شيئًا فشيئًا.

"السلطة؟ يمكننا أن نكون جواسيسك وأتباعك. يمكننا أن نكون سيوفك ورماحك ودروعك وخيولك، نخدمك حتى تبلغ أوسع طموحاتك. الثروة؟ وإن لم تكن مخازننا كمخازن الدول، فنحن نملك كنوزًا نادرة لم ترها حتى العائلات الملكية. النساء الجميلات؟ يمكننا… لا، لا أظنّك من أصحاب تلك الشهوات الدنيئة. إذًا، يا صاحب السعادة، ما الثمن الذي في قلبك؟"

أخذ الرجل نفسًا عميقًا. وقد اختفت الابتسامة عن وجهه من غير أثر.

"قلها، يمكننا التفاوض على أي شيء."

حافظ لامبارد على نظرته الثابتة نحوه. وفي لحظة خفية، ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة.

"ثمَني؟"

أطلق آرشيدوق إقليم الرمال السوداء نفخة ساخرة، فأومضت في عيني الرجل لمحة ضيق.

"بصفتك رأس منظمة اغتيال تعتمد حتى على بيع المعلومات والأسرار لكسب رزقها؛ أنت مستعد لدفع هذا الثمن بلا تردد. كل ذلك لأجل ذلك الصبي." خطا لامبارد خطوة إلى الأمام واقترب شيئًا فشيئًا من الرجل الغريب، وكانت عيناه تقدحان كوحش مفترس أُطلق بعد عزلة طويلة.

"وهذا لا يثبت سوى أمر واحد."

تسلّل البرد إلى قلب الرجل تحت ضغط نظرات لامبارد الساحقة. وتراجع خطوة بلا وعي.

داخل العربة، سمع تاليس لامبارد يقول كلمة كلمة: "إنّ قيمة هذا الصبي أعظم من كل ذلك مجتمعًا."

وبسمعه المتفوق، سمع تاليس أنفاسه تتسارع.

(قيمتي… ما هي؟ وما علاقتها بهم؟)

تغيّر وجه الرجل مجددًا. اتسعت عيناه وهو يراقب لامبارد يمدّ يده ببطء نحو سيفه عند خصره. وأصدرت ثياب الآرشيدوق القتالية صوت احتكاك واضح.

"هناك سرّ عنه لا أعرفه." قال لامبارد بصوت عميق، وقد ثبت عينيه على وجه الرجل الذي كانت ملامحه تتبدل بلا توقف. "طلبي بسيط: أريد ذلك السرّ؛ السبب الذي جعلكم تخطّطون وتكدّون للوصول إليه."

مع انتهاء كلام لامبارد، توقف الاثنان عن الحديث، وغرقت المفاوضات في صمت. لم يُسمع إلا همهمة الناس خارج الزقاق. صار الجو بينهما غريبًا. وبلَغ التوتر حدًا جعل تاليس في العربة يكاد يقفز منها ليحثّهما.

وأخيرًا، نطق الرجل الغريب ببطء. في نبرته برود قاسٍ يثير القشعريرة. "يا صاحب السعادة، لم تحلّ بعد ورطتك الحالية—غزو مدينة سحب التنين وإكستيدت—وتفكر فعلًا بما هو أبعد."

"المستقبل زاخر بالوعود، وكذلك أنت. فلماذا تلتهم أكثر مما تستطيع مضغه؟"

لم يستطع تاليس إلّا أن يعضّ شفتيه.

"لقد أعلنتُ ثمني." لم يُبدِ لامبارد أدنى رغبة في التفاوض. راقبه ببرود، وقال: "أخبرني، لماذا هو مهمّ بهذا القدر بالنسبة لكم؟"

رمق الرجل العربة بنظرة، ثم خفَض عينيه فورًا. ولم ينطق بكلمة.

"وقتي ضيّق." أضاف لامبارد ببرود. "لديك عشر ثوانٍ لتقرر."

ارتعش حاجبا الرجل بلا إرادة، وتحركت تفاحته صعودًا وهبوطًا؛ لقد كان يتردد. وفي تلك اللحظة، حتى تاليس حبس أنفاسه.

أطلق الرجل زفرة وقال ببطء: "أنت تعرف أنه أمير… والأمراء بطبيعتهم ثمينون."

ازدرى لامبارد بصوت خافت. "لا تقل لي إنك تريد أخذه إلى الكوكبة لتفادي فدية."

"وما المشكلة في هذا؟" ظهرت ابتسامة باهتة أخيرًا على شفتي الرجل، لكن غيمة قاتمة خيمت في عينيه. "ثروة العائلة الملكية لآل جيدستار معروفة للجميع."

"إذن لَخَطَفتُه أنا بنفسي للحصول على الفدية." ردّ لامبارد بسرعة، وبصوت مهيب. "ولماذا أتعامل معك أصلًا؟"

كان الرجل يضغط أسنانه ضغطًا خفيفًا.

"يا صاحب السمو، كنتُ أظنّ أننا جئنا اليوم لِـ—" نطق الرجل بامتعاض، غير أنّ لامبارد قطع كلامه من جديد دون أن يُبدي أي اعتبار لمشاعره.

"في الحقيقة، لقد خمّنتُ بعض الأمور سلفًا." رفع الآرشيدوق رأسه قليلًا، وارتجّت السيف في يده ارتجافًا خافتًا. "في البداية، دبّرتم وجود جاسوس داخل جيشي لاغتياله، وفعلتم ذلك بلا أدنى تردّد. أمّا اليوم، فأنتم تريدونه حيًّا."

عضّ تاليس على أسنانه.

(هذا صحيح… إنّه يتحدّث عن محاولة اغتياله على يد وحدة البندقية الصوفية في حصن التنّين المحطم… ثم، إن وصلنا ذلك بكلمات بوفريت الأخيرة…)

"كان يُظَنّ أولًا أنّ موته يكفي. والآن، تريدون الأمير حيًا بين أيديكم." قال لامبارد، وصوته ينساب كالحديدة الباردة، "مؤامرتكم مرتبطةٌ بتعيين الملك في الكوكبة، أليس كذلك؟"

ضيّق الرجل عينيه. ولو نظر إليه أحد من بعيد لخيّل إليه أنّه أفعى تلمع عيناها وهي تُخرج لسانها. ولكن كلمات لامبارد التالية أطفأت لونه فجأة، كأن صاعقةً مرّت خلال دمه:

"ما فعلتموه في الكوكبة قبل اثني عشر عامًا… له صلةٌ بهذا، أليس كذلك؟"

ولم يكن الرجل وحده من شحب وجهه… بل كان تاليس أيضًا في العربة.

(العام الدموي…)

لم يتخيّل قطّ أنّه، وفي مثل هذا الظرف، سيتمكن من لمس هذا السرّ الذي ظلّ يطارده طويلًا.

كان لامبارد يملك زمام الحديث تمامًا. مال برأسه إلى الأمام، وعيناه تحملان ثلج الشتاء كلّه. "والسبب في تردّدكم بين قتله وإبقائه حيًا…"

"…هو أنّ شخصًا بالغ الأهمية في منظمتكم ظهر وقلب توقّعات صغار خدّامكم رأسًا على عقب، أليس كذلك؟"

ازداد وجه الرجل قتامة.

نطق لامبارد ببرود: "إنّه هو، أليس كذلك؟"

رفع تاليس رأسه قليلًا، والأسئلة تتلاطم في صدره. (هو؟ من يكون؟)

تجمّد الرجل لحظةً. تنفّس بعمق، ثم رفع عينيه.

"لا نرغب في إشغالك بهذا." تجلّى في ملامحه ترفّعٌ وإصرار على عدم الإجابة. "سنختصر الأمر: نحن بحاجة إلى هذا الفتى."

"طبعًا." رفع لامبارد يده اليسرى قليلًا باتجاه العربة وقال بنبرة لينة تحمل في باطنها صلابة الحجر، "على أن تخبروني—وبالكامل—لماذا تريدونه على وجه التحديد."

حدّق الرجل بصمت في لامبارد، محاولًا أن يقرأ شيئًا من وجهه المتعب.

"نعم، صحيح." تكلّم الرجل ببطء شديد. "التحكّم بهذا الصبي يعني التحكّم بعرش الكوكبة، أليس كذلك؟ وعندها قد تنالون أنتم أيضًا عونًا عظيمًا—"

لم يسمح لامبارد له بإتمام الجملة.

"لقد ضَجِرتُ من ثرثرتك، أيها الساعي." قالها الآرشيدوق بفتورٍ لا مبالٍ. "أين ذاك الشخص المهم لديكم؟ أين المسؤول الحقيقي؟"

تغيرت ملامح الرجل مرة أخرى. راقبَه لامبارد بوجهٍ خاوٍ من كلّ تعبير.

"يا صاحب السمو، أنت حليفٌ نقدّره ونعتزّ به." زفر الرجل بعمق، وكأنّه اتّخذ قرارًا مؤلمًا.

"ومن أجل شراكاتٍ مستقبليّة أعمق وأكبر شأنًا، ألا يجدر بنا أن نظهر قليلًا من حسن النيّة؟ أن نترك لأنفسنا فسحةً مشتركة؟" قال الرجل بصوت خفيض.

راقب لامبارد تلك الملامح، ثم أخذ نفسًا باردًا.

"قاعدة التعاون هي العدل." قال الآرشيدوق دون أن يتغيّر شيء في محيّاه. "لم تفعلوا شيئًا بعدُ، ومع ذلك تريدون أخذ ورقة الضغط الأهم من يدي؟"

اتّسعت عينا الرجل قليلًا، ومرّ في بصره بريقٌ قاتم.

"لم نفعل شيئًا؟"

ابتسم الرجل بابتسامة ساخرة باهتة. "صدّقني يا صاحب السمو، إن وصلنا إلى النقطة التي نضطرّ فيها لفعل شيءٍ حقًّا… فلن ترغب في رؤية ذلك اليوم."

لمعت شرارة غريبة في عيني لامبارد.

"أأنت… ماذا تقصد؟" نطق الآرشيدوق كلماته ببطء، بصوت هادئ كأنه يخشى إيقاظ نائمين في فجرٍ بارد.

شعر تاليس بغريزةٍ أنّ أمرًا خاطئًا يحدث. لكن الرجل كان كأنه لا يسمع طبقة الصوت في كلام لامبارد. رأى تاليس زاوية فمه ترتفع قليلًا.

"أعني أنّه، مهما بلغ الإنسان من ثقة، فمن الأفضل له أن يفكّر مرتين قبل التمرد ضدّنا."

رفع الرجل يده وعدّل ثوبه، وفي كلماته برودة فولاذ.

"لننظر إلى آيدي الثاني في الكوكبة." قال الرجل ساخرًا. "وذاك الأمير الأكبر المهيب… تفضّل وانظر أين هما الآن."

انكمش حاجبا تاليس.

أمّا لامبارد، فظلّ ثابتًا لا يتحرّك. لم يتبدّل شيء في وجهه، إلا تلك الومضات الغامضة التي رقصت في عينيه.

خفض الرجل يديه، ورفع رأسه، ونظر مباشرةً إلى الآرشيدوق. حمل صوته نبرةً غريبة، مزيجًا من التهديد واليقين.

"ألا تكفيك أمثلتهم لجذب انتباهك؟"

لم يردّ لامبارد بكلمة.

بل ردّ بالفعل.

رأى تاليس أمام عينيه—وبكلّ وضوح—لامبارد يرفع ذراعه اليمنى فجأة… ويمسك بعُنق الرجل.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬