▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 196: المُتلاعب (الجزء الأول)
***
حدّق تاليس مذهولًا في سيف لامبارد، نصفه خارج غمده.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يواجه فيها خطرًا داهمًا. وبناءً على فهمه لهذا العالم، فلن تكون الأخيرة أيضًا.
غير أنّه لم تكن لديه أدنى فكرة عمّا يمكنه فعله، وقد علق في عربة مع الآرشيدوق لامبارد المتعطّش للدماء، وحولهم مئات الجنود.
هل ينبغي له أن يستدعي طاقته الصوفية المزعومة مرّة أخرى؟
مدّ تاليس يده وأمسك بيد الشقية.
"لا بدّ أنك حفيدة نوڤين، أيتها الصغيرة"، قال لامبارد بنبرة مسطّحة وهو يدوّر سيفه.
تجمّد الطفلان في موضعيهما. كفّ تاليس كان باردًا كالثلج. وللحظة، لم يدرِ كيف يتعيّن عليه مواجهة الوضع.
لقد أدرك الأمر…
كان آرشيدوق إقليم الرمال السوداء يثبت بصره على السيف العتيق في يده، وقد امتلأت عيناه بمشاعر غريبة.
"لقد احضركم نوڤين، أنت وهي—أكثر أوراقه أهمية—حين خرج في حملته ضد الكارثة. هذا التدبير تجاوز توقّعاتي حقًا"، قال لامبارد بلهجة عابرة.
كانت الشقية مذهولة ومذعورة. أمّا تاليس فابتلع نفسًا عميقًا.
ما الذي ينبغي له فعله؟
لا. إن كانت هذه هي النهاية، فعليه على الأقل أن يفهم بعض الأمور.
رفع تاليس بصره ببطء، لينظر مباشرة في عيني لامبارد. "أظنّ أن أفعالك لم تكن ممّا توقعه نوڤين أيضًا… أيا قاتل الملك."
سويش!
كان صوت احتكاك المعدن واضحًا. ارتجفت الشقية. وذُهِل تاليس بدوره.
أدار لامبارد رأسه، وقد عاد السيف إلى غمده داخل كفّه.
"ألا تفهم؟ سواء موت نوڤين أو الفوضى القائمة الآن…"
كان نظر آرشيدوق لامبارد معقّدًا. ولم يستطع تاليس التقاط كثير من ملامح المشاعر فيه.
"كل شيء حدث بسببك"، قال الآرشيدوق.
"أنا؟" رفع تاليس رأسه متفاجئًا.
داخل العربة التي تتأرجح ويتغيّر ضوءها بين حينٍ وآخر، أصبحت ملامح لامبارد غامضة ومبهمة.
"لو أنّ الأمور سارت بسلاسة، وفق خطتي مع آروند"، قال الآرشيدوق بلهجة رتيبة، "لكانت الكوكبة والتنين قد أعلنا فجرًا جديدًا…"
"…حتى جئت أنت ودمّرت كل شيء."
إحتد بصر لامبارد واتشح بالبرودة، وكان موجّهًا نحو تاليس.
"في الكوكبة جعلتَ آروند—الوارث التالي للعرش—أسيرًا. وفي حصن التنين المحطم قطعتَ طريق فراري. وفي إكستيدت دفعتَ إقليم الرمال السوداء إلى شفير الهلاك تحت غضب نوڤين." كانت كلمات آرشيدوق الرمال السوداء باردة على نحو غير مألوف، تجعل جلد تاليس يقشعر. "أنت من أجبرني على اللجوء إلى أقسى الأساليب."
ضغط تاليس أسنانه.
"حجّة جبان." حاول الأمير قدر المستطاع ألا ينظر إلى الغمد القديم—المصقول حتى لمعَ سطحه وخلا من أي نقش—وتكلّم بلا مواربة. "لماذا لا تسألون أنفسكم، لماذا اغتلتم الأمير موريا، بدافع العصيان؟ شهوةً للعرش؟"
"وحتى إن فشلت الخطة، كانت لديكم طرق أخرى للنجاة، لكنكم اخترتم المسلك الأشد تطرّفًا"—رمقه تاليس بنظرة باردة—"أيها الآرشيدوق قاتل الملك."
حدّق به لامبارد دون أن يتحرّك، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة تنمّ عن سخرية.
"حين كنتُ في مثل عمرك"—ابتسم لامبارد ابتسامة ملتوية، يلمع بريق غريب في عينيه—"أخذتنا أمّي، هارولد وأنا، إلى مدينة سحب التنين. وعند بوابة المدينة شهدتُ إعدام أحد المحكوم عليهم."
"قبيل تنفيذ الإعدام بلحظات، وصل مرسوم جدي—كان يريد العفو عن المحكوم."
قطّب تاليس حاجبيه ونظر خارج العربة. (لا.)
لم تتح له الفرصة بعد…
"لكن"، تابع لامبارد، "قبل قراءة المرسوم، وقبل أن يدخل أمر الملك حيّز التنفيذ، عاجل الجلّاد ففصل رأس الرجل بضربة سريعة."
ارتاعت الشقية، لكن بينما كانت تستمع لقصة لامبارد، ظهر على وجهها أثر دهشة وفضول.
"كان الجلّاد محاربًا جريئًا. ضربته كانت نظيفة، سريعة، قاطعة. ما زلت أذكر الرأس المرفوع والدماء المتدفّقة إلى يومنا هذا. ومشهد الجلّاد وهو يتلقّى مرسوم الملك بيديه الملطّختين بالدماء بكل بساطة."
توقّف الآرشيدوق لحظة. خفّض رأسه ونظر إلى السيف في يده.
"في العربة، ظلّ هارولد يهدّئني. كنت مرتاعًا ولم أقدر على التوقف عن البكاء"، قال لامبارد بنبرة هادئة ووجه غارق في الخواء. "كانت تلك أوّل مرة أفهم فيها معنى الموت، وما هي «المجزرة»."
نظر إلى تاليس، لكن هذه المرة لم يكن نظره مصوّبًا إليه، بل مرّ من فوقه واستقرّ على الفتاة الصغيرة.
انقبض صدر تاليس وشدّ يد الشقية غريزيًا.
"في ذلك اليوم لاحقًا، أخبرتنا أمّي أن الجلّاد كان شقيقها بالدم، عمّنا، الأمير نوڤين والتون."
تكلّم لامبارد دون أي تعبير في وجهه. وكان بريقه الحادّ مصوّبًا نحو الشقية.
"نوڤين والتون السابع، جدّك وعمّي، كان قاتلًا بالفطرة. كان قاسيًا، باردًا، صلبًا، وعنيفًا. لم يكن يتحمّل الضعف ولا التردّد، وتضاعف ذلك بعد أن اعتلى العرش."
شهقت الشقية بصمت، وحبست أنفاسها.
"كان دائمًا يفضّل أبسط، وأخشن، وأشرس الأساليب لمواجهة أعدائه"، قال لامبارد بفتور.
اهتزّ بصر تاليس. كان يتذكّر بوضوح المشاهد التي ذبح فيها الملك نوڤين بوفريت دون تردّد، وسمّم أليكس، ونفى ميرك.
ومع ذلك، ما نُقش في ذاكرته هو لحظة نزع الملك العجوز «النصر» ووضعه في يد الشقية.
"لقد استخدم هذه الأساليب مع الأورك الجليديين، والجبل الأبيض، وتحالف الحرية، والكوكبة، وكذلك…" حاد لامبارد ببصره نحو النافذة، وامتزج صوته بمسحة كآبة استطاع تاليس الشعور بها. "… إقليم الرمال السوداء."
ضغط لامبارد أصابعه حول الغمد قليلًا. وغدت كلماته قاتمة باردة. "الطريقة الوحيدة للتصرّف معه وتسوية الأمر، كانت أن أسبقه، أن أحطّمه قبل أن يحطّمني."
في هذه الأثناء، تنفّس تاليس بعمق.
"أفهم الآن"، قال الأمير فجأة. وكانت كلماته مثقلة بالإنهاك والفراغ. "لقد بدأ الأمر من الحصن."
التفت إليه لامبارد، حاجباه معقودان. "ماذا؟"
"مؤامرتك." أسند تاليس ظهره إلى مقعد العربة، وقد شعر بفتور وإحباط. "لقد بدأت حين هوجمتُ واقتحمتُ معسكرك العسكري، أليس كذلك؟"
"في تلك اللحظة، كنت تعلم جيدًا أنّه إن لم تستولِ على حصن التنين المحطم، فسينهال عليك انتقام الملك نوڤين المرعب كالإعصار."
رفع تاليس ذقنه، والتقى عيني لامبارد وقال بثبات، "منذ تلك اللحظة، قرّرت أن تدمر نوڤين تمامًا، قبل أن يصلك هو."
ضيّق لامبارد عينيه قليلًا، وبدا عليه شيء من الدهشة.
"أخبرني عن خطتك." رفع تاليس حاجبيه وزفر من أنفه. "لقد نفّذتَ للتو مهمة غير مسبوقة ولا يمكن تحقيقها إلا بتخطيط بالغ. ومع ذلك لا تستطيع أن تعترف بها لأحد. لا بدّ أنك تشعر بالملل."
"قل لي، كيف فعلت ذلك؟"
ظلّ بصر لامبارد معلّقًا عليه دون حركة.
انحرفت العربة قليلاً، فحمل القصور الذاتي الأمير والشقية نحو أحد الجانبين.
قرّر تاليس أن يتحرّك ويبدأ حوارًا يقوده هو، كما فعل في العديد من التحقيقات الميدانية والمقابلات في حياته السابقة.
"إذًا، في ذلك الخيمة، حين اقترحت عليّ التحالف معك"، قال الأمير بلهجة هادئة، "كنت تضمر نوايا سوداء، راغبًا في ترتيب أمور معيّنة من خلالي؟"
على سبيل المثال، إلصاق مقتل الملك نوڤين به—تمامًا ما فعله لامبارد لاحقًا.
تذكّر تاليس الأيام التي قضاها في معسكر الرمال السوداء العسكري. فطعن الحلفاء كان أنجع بكثير من الطعنات المتبادلة بين الأعداء المعلنين.
وتذكّر سيرينا كورليوني، الحسناء السامّة التي علّمته الحذر من الحلفاء.
وفي النهاية، أطلق لامبارد ضحكة خفيفة.
"لا. كنت حقًا أنوي أن أصالحك في تلك اللحظة. بل فكرت في مشاركتك خطتي." هزّ الآرشيدوق رأسه. وتحوّل صوته إلى البرودة. "يا له من أمر مُؤسف."
بدأ ذهن تاليس يدور بسرعة. لقد توصّل بالفعل إلى كيفية بداية المؤامرة.
(إذًا…)
"بوفريت." لمع بصر تاليس. "حين كنت تحقق في وحدة بنادقك الصوفية بشأن محاولة اغتيالي، وجدت خيطًا يقود إلى سيف الكارثة، لكن نوڤين كان على علم بذلك."
"والآن حين أفكر في الأمر، فقد كان ذلك خبرًا سرّبته أنت عمدًا إلى نوڤين، أليس كذلك؟ كنت تعلم أنّه سيتخلّص أولًا من العدو الأقرب إليه." واستعاد تاليس مشهد النزال المرعب في قصر الروح البطولية. "لقد بعت بوفريت، سلّمته إلى مدينة سحب التنين."
أطلق لامبارد شخيرًا باردًا.
"كاسلان"، قال وسط صوت عجلات العربة وهي تحتك بالطريق، "كان عمّي من رجال برج الإبادة. وقد أولع بسيوف الكارثة، وكان قريبًا إلى نوڤين، لذلك سرّبت له هذه المعلومة. ومنه علم نوڤين بها بطبيعة الحال."
لقد كانت إصابة عصفورين بحجر واحد.
"كاسلان لم يكن يعلم بخطتك لقتل الملك، أليس كذلك؟" راقبه تاليس، راجيًا أن يعثر في عينيه على شيء. "سمعتُ أن علاقتك به كانت سيئة للغاية."
رمقه لامبارد بنظرة ذات مغزى، فاضطر تاليس إلى سحب نظرته الفاحصة.
هزّ لامبارد رأسه ببطء. "حين تعرّضتَ للهجوم، أدركتُ فورًا أن بوفريت حاول توريطي. ذلك الأحمق الأناني الضعيف كان لا يزال يؤمن بسذاجة أننا نخوض لعبة يمكننا فيها استعادة رقاق الرهان في أي وقت، أو التوقف عن اللعب حتى نتفادى الخسائر."
تنهد تاليس. "لقد دفع الثمن؛ خان حليفه، ومات بخيانةٍ من حليف."
"كما قلتَ، كان هدف التحقيق تسريب المعلومات إلى نوڤين، وبالطبع، اقتلاع ثغرة الأمن داخل قواتي. في الحقيقة، هذا التحقيق كشف عن اكتشاف غير متوقع." انزلقت أصابع لامبارد على سيفه.
رفع تاليس رأسه. "أيّ اكتشاف؟"
أطلق لامبارد نظرة غامضة قبل أن يهزّ رأسه.
راقبه تاليس بصمت، غير أن الآخر لم يُبدِ أي نية للشرح، فلم يجد الأمير إلا أن يتنهد في نفسه.
"إذًا، استخدمتَ بوفريت لتشتيت انتباه الملك نوڤين"—وبناءً على خبراته السابقة مع المقابلات، قرر تاليس متابعة الحديث من هناك—"بينما بدأتَ بسرعة استعداداتك، مستخدمًا محاولة اغتيالي ذريعةً لإرسال قواتك شمالًا لـ'مرافقتي'. بل واتصلتَ بحليفك شيليس، أليس كذلك؟"
حدّق لامبارد في سيفه، وكانت عيناه خاليتين من أي شعور.
"ذلك كان آخر ما يمكن لذاك الجبان من مدينة المنارة المُضيئة أن يقدمه من نفع،" قال الآرشيدوق ببطء، "توفير التشتيت، وتعطيل الاجتماع، والوليمة، والمبارزة… سمعتُ أن نوڤين استمتع بوقته في قصر الروح البطولية."
تعمّق صوت تاليس. "وفي الوقت نفسه، خفّض حذره، خصوصًا تجاهك."
أومأ لامبارد. وامتلأت عيناه بضوء حاد شرس. "منحني موت بوفريت نصف يوم لأضمن انتصاري."
"خُنتَ حليفك، وشتّتَّ عدوك، وطلبتَ تحالفًا، وأرسلت جنودك، واستعددتَ لمخططاتك، ثم وجهتَ الضربة الأخيرة الصاعقة." تنهد تاليس. "وبالمصادفة، حدث ذلك في الليلة الفوضوية نفسها التي عاثت فيها الكارثة فسادًا… أنتَ حقًا مجنون."
رفع رأسه، وكانت نظراته إلى لامبارد مليئة بالدهشة. "تعلم أنه مهما اختلّ جزء واحد من خطتك، فمصيرك الهلاك بلا رجعة."
تجمد لامبارد لحظة.
اندفعت العربة في طريق وعر واهتزت فجأة. صرخت الشقية، التي كانت مشدودة الأعصاب أصلًا، دون قدرة على تمالك نفسها. ورفع لامبارد رأسه فجأة.
"الهلاك؟"
رفع آرشيدوق إقليم الرمال السوداء صوته. وانبعثت من عينيه الحادتين برودةٌ مرهبة. "يا فتى، أنت لا تعلم شيئًا. لا شيء على الإطلاق."
تجهم تاليس.
نظر لامبارد إليه بنظرة حازمة وقاسية على نحو غير مسبوق. كان في صوته شعور لم يستطع تاليس تمييزه.
"لإنجاز الخطة الكبرى مع آروند، بدأنا الاستعدادات منذ سنوات طويلة: مراسلات الاستخبار، وتحريك القوات في أراضينا، وتربية المواهب التي حصلنا عليها عبر علاقاتنا…"
"ولإسقاط الحصن، أصدرتُ أمر التعبئة—وهو أمر نادر حتى في تاريخ إكستيدت. استنزفتُ كل نحاس، وكل قطرة دم، وكل رجل في إقليمي. كان يوم ما قبل الشتاء القارس يقترب، لكنني لم أخزّن المؤن، ولم أستعد الأراضي غير المستكشفة، ولم أنقل الطعام من مكان آخر… لقد راهنتُ بكل شيء على هذه الخطة!"
ارتجف تاليس قليلًا. وواصل لامبارد حديثه، وقد اشتد توتر صوته.
"من أجل هذه الخطة، أنفق إقليم الرمال السوداء أكثر مما يكسبه في تخزين الطعام والموارد. الدين الذي أدين به لتجار كاميان مستحيل سداده، والاقتصاد كان على وشك الانهيار؛ والسنوات القادمة لن تكون إلا أكثر صعوبة."
"الجيش النظامي الذي أملكه لم يكن يكفي. ألفا رجل كان أفضل ما استطعنا جمعه، بل وأقل منهم هم من كانوا مستعدين لمواجهة مدينة سحب التنين. ليلة الأمس، بعد ظهور التنين العظيم، اضطررنا لإعدام بعض المتمردين. وحتى حينها، لم أستطع أن آمرهم مباشرة بقتل الملك، بل بإيعازٍ مبهم للقضاء على ’عدو إكستيدت’."
"أي كونت خارج مدينة سحب التنين يمكنه تجنيد جيش يفوقنا ثلاثة أضعاف. أما قوات والتون، لو علمت بنا، لأطبقوا علينا وأبادونا في وقت قصير، دون حتى أن نخوض اشتباكًا.
"بالأمس، عشتُ على مؤن الميدان، وجلبتُ جيشي المدرّب بعناية إلى هنا رغم اقتراب يوم ما قبل الشتاء القارس. كانوا ينظرون إليّ بتعبٍ، وإحباط، وشك. ولم يتبقَّ لهم سوى العادة المتجذرة من تدريبهم القديم كي يحافظوا على أبسط قدراتهم القتالية."
"رجالي—ليڤان، كينتفيدا، تولجا، وفيك—كلهم راهنوا بحياتهم ورقابهم، يدفعون الجيش ليتبعني في هذه الهاوية التي لا قرار لها. لم نفكر حتى في المؤن أو كيف سنحفظ دفئنا في رحلة العودة…"
"…كنت أعلم أننا قد لا نخرج من هذا أحياء؛ كانت حملةً بلا رجوع." شدّ لامبارد قبضته على الغمد في يده. وبدا وجهه شرسًا مرعبًا.
حدّق تاليس في لامبارد مذهولًا. الآرشيدوق المرعب لإقليم الرمال السوداء، ذاك الذي كان ينهش لحم الغزال في الخيمة؛ والذي كانت النيران تلقي على وجهه ظلالًا تتناوب بين الضوء والعتمة؛ والذي دفع كأسًا نحو تاليس فلم يجد إلا سخريةً ورفضًا… بدأ يبدو أكثر حياة، وأقل صلابةً ووحدة مما بدا عليه سابقًا.
قال آرشيدوق إقليم الرمال السوداء ببطء: "أتفهم يا أيها الأمير الصغير؟ بينما كنتَ تجلس مرتاحًا في قصر النهضة، تتلقى اللقب الملكي فيما كان والدك يقضي على أعدائك مثل آروند، كان إقليم الرمال السوداء، وكنتُ أنا معه، قد قرر مصيرُنا أصلًا.
"ما فعلتُه لم يزد عن انتزاع آخر بصيص من الأمل بالنجاة في أعمق دروب اليأس."
"أجهدتُ ذهني في التلاعب بالمشهد، واستعملت كل ما يمكنني بلوغه من رجال وموارد، وكل ما لا يمكن أيضًا، وقدمتُ وعودًا لماركيز مدينة التدفق الطيب، ولزعماء العصابات، وللقوافل التجارية الكامية، ولأحد تجار الاستخبارات في حي درع الجسد، ولدرع الظل، ولآل تشارلتون. بل وجعلتُ شيليس يزيد الصراع بينكم وبين بوفريت إلى حدّ غير مسبوق، عدائي ومتصاعد، و—"
توقف لامبارد. أخذ نفسًا عميقًا ليهدّئ انفعاله. "… كل ذلك كان حتى أتمكن بأسرع ما يمكن من توجيه الضربة القاتلة إلى نوڤين قبل أن ينتبه، وأن أكون كالبرق حين أفعل ذلك."
لمع بريق في عيني الآرشيدوق. "ومع كل هذا، ها أنا ذا… أحمل مستقبل مملكتيهما كلتيهما في يدي."
حدّق تاليس في لامبارد بذهول، كأنهما يلتقيان للمرة الأولى. عبرت العربة شارعًا كان جنود إقليم الرمال السوداء قد فرّغوا له الطريق بخفاء وفاعلية.
لاحظ تاليس فجأة أن شعر لامبارد الأبيض قد ازداد كثيرًا عمّا رآه قبل ذلك. بدا منطويًا على نفسه، شفتاه شاحبتان، وتجويفا عينيه غائران.
تذكّر تاليس النصيحة التي قدّمها له السيف الأسود قبل قتال جيزا: في اليأس يطلبون الأمل، ومن الخسارة يجدون منفذًا لقلب الطاولة. يصعّدون الظروف المواتية إلى نصرٍ محتم، ويحوّلون المفاجآت إلى دعائم.
أطلق تاليس زفرة طويلة.
"أفهم الآن." أغمض الأمير عينيه. "هكذا يكون أصحاب السلطة."
ضيّق لامبارد عينيه. "ماذا؟"
فتح تاليس عينيه، ما أثار فضول الشقية، وقال بنبرة صريحة: "في صراع البقاء بينكما، وفي المواجهة بين مدينة سحب التنين وإقليم الرمال السوداء، أنت الطرف الأضعف بلا شك، في موقع غير مؤآت، وعلى حافة الهلاك."
قهقه الأمير ساخرًا. "هل تعلم أنه بعد قتل بوفريت، هدّد نوڤين بإرسال قوات إلى إقليم الرمال السوداء ليختار بنفسه مرشحًا مناسبًا لمنصب الآرشيدوق؟"
أطرق لامبارد وضحك بأنفاس قصيرة. "كما توقعتُ من خالي العزيز."
"لقد عرفتَ خالك، ملكك وخصمك، جيدًا. لكنه هو لم يعرفك؛ لم يعرف ابن أخيه."
تنهد تاليس طويلًا. "استخدمتَ كل فخّ يمكنك استخدامه، ودبرتَ ضد الجميع، واستنفدتَ كل قوة بحوزتك وجمعت كل رهان حتى تستطيع القتال حتى الموت عندما صار بقاؤك مهددًا."
لم يتكلم لامبارد. ابتسم تاليس ابتسامة حزينة، وقد تخلل صوته شجنٌ خافت.
"وبالمقارنة بذلك، كان نوڤين والتون، الملك المنتخب شعبيًا وحاكم مدينة سحب التنين، يملك سلطة لا تنتهي. وحتى لو قتلتَ ابنه، ظلّ يراك مجرد آرشيدوق عاجز لا وزن له."
تنهد تاليس بخفة وقال: "كان مفرط الثقة بقوته وتفوقه، يعاملك كخصم أدنى شأنًا، مثل بوفريت، وجود تافه لا قيمة له يمكن إزالته للتسلية."
"وفي صراع البقاء بين نوڤين والتون وتشابمان لامبارد، أنت الذي خرجتَ منتصرًا حقًا." رفع الأمير ذقنه وحدّق في لامبارد. "أما سقوط الملك نوڤين وموته… فقد كان حتميًا منذ البداية."
في تلك اللحظة، لاحظ تاليس أن نظرة لامبارد إليه قد تغيّرت.
(حسنًا. لقد انفتح باب الحديث.) سحب تاليس نفسًا عميقًا.
"لكن تبقى مسألة واحدة لا أستطيع فهمها." وأمام نظرة لامبارد المعقدة، نطق تاليس ببطء، كلمةً بعد كلمة. "لماذا جئتَ بنفسك إلى مدينة سحب التنين؟ ثم…
"…كيف تنوي وضع حدٍ للأمور؟"
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬