▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 187: انقضاء الليل، وبزوغ النهار
الآرك الرابع: دم التنين
***
انقضت الليلة الطويلة. وظهر ضوء خافت في السماء الشرقية.
بعد نجاته من الكارثة، اتّكأ تاليس بضعف على جدار منهار، متفاديًا الثلج المتساقط القليل. رفع رأسه نحو السماء بفتور، وتتابعت أحداث ليلة الأمس أمام عينيه، مشهدًا بعد آخر.
الإرهاق والتعب والجوع عذبوا جسده وروحه، حتى إن كل خلية فيه كانت تحتجّ على إرهاقه لنفسه.
النسيم البارد والحصى الحادة تحت مؤخرته منحاه إحساسًا غريبًا بالألفة. وجعله ذلك يفكّر بأيامه في الأخوية؛ أيام صراعه مع كوايد بشجاعته ودهائه، والكلاب الضالّة، و"الخراف السمينة"، أو أطفال المنازل الأخرى.
أطلق ضحكة لا إرادية.
مترنّحًا ومرهقًا، تثاءب تاليس بعينين نصف مغمضتين، تثاؤبًا غير لائق. ثم أدار رأسه بكسل، موجّهًا نظره نحو الشقية الصغيرة التي كانت تتكئ على الجدار أيضًا.
كانت تلك الصغيرة، المذهولة المتّسخة، تمسك النظّارة ذات الإطار الأسود بيديها، وعلامات التوتر والارتباك تعلو وجهها. لم يستطع تاليس إلا أن يقطّب حاجبيه.
"لا تقلقي، فقط ارتديها." تمتم تاليس بخمول، "لو كانت تضايقها حقًا، لابتلعتك."
(لماذا كانت ستمازحك بنفخةٍ من أنفاسها؟)
التفتت الشقية الصغيرة بتردّد، وكأنها على وشك البكاء، وألقت نظرة عاجزة نحو تاليس.
حدّقت بعينيها المنتفختين المُحمرّتين. كان وجهها الصغير ملطخًا بالقذارة، وشعرها الأشقر البلاتيني مغطّى ببقع سوداء وبيضاء.
وجد تاليس المنظر مضحكًا.
شهقت الشقية الصغيرة وضمت شفتيها وهي تقول بصوت خافت: "لكن… لكن…"
تنهد تاليس. وبينما كانت الشقية لا تزال تهمهم بعبارات "لكن" بقلق، مدّ يده وانتزع النظّارة من يدها.
"آه! مهلاً." فزعت الشقية قليلًا، مائلة بجسدها، ومدّت يدًا متوترة نحوه. "إيّاك أن تسقطها…"
لكن، قبل أن تتمكّن من فعل شيء، فتح تاليس إطار النظّارة ووضعها بسرعة على وجهها.
اهتزّ وجه الشقية قليلًا بين يديه، ولم تتفاعل إلا عندما انزلقت أصابعه خلف أذنيها وثبّتت ذراعي الإطار. فتحت الشقية عينيها الضيقتين خلف عدستي الإطار الأسود.
حدّقت في تاليس بذهول، عاجزة عن التفاعل، حتى عندما ربّت على شعرها المبعثر كما لو كان يداعب هِرّة صغيرة.
"حسنًا." زفر تاليس براحة، رافعًا حاجبيه. "إن جاءت تلك السيدة للمطالبة بالنظّارة يومًا ما، قولي لها إن تاليس جيدستار الشرير هو من أجبرك على ارتدائها."
رمشت الشقية الصغيرة، مطبقة شفتيها الصغيرة. حاولت قول شيء مرارًا، لكنها استسلمت أخيرًا، وحدّقت فيه باستسلام.
انفجر تاليس ضاحكًا.
وعندما رأته، لم تستطع الشقية — وقد تأثرت بالأجواء — إلا أن ترتسم ابتسامة صغيرة على شفتيها بعد بضع ثوانٍ. "قد تأتي للبحث عنك في الكوكبة…"
ضحك تاليس بينما فكّر في نفسه: (حقًا… سيكون أمرًا رائعًا إن عادت ملكة السماء لأجلي).
كانت كلمات التنين العظيم الأخيرة قد أقلقته كثيرًا. واتّشح وجهه بالقتامة عندما تذكّرها.
(اسم تنّيني، أهو كذلك؟ لغة التنّين…)
تنهد وأغمض عينيه.
(يا أبي، كيسل… ما الذي اقترفتَه في شبابك الجاهل؟)
رمشت الشقية الصغيرة، وقد أحسّت بمشاعره. أمسكت بمعصم تاليس، مقلّدة ما فعله معها سابقًا.
حاولت أن تبدو جادة قدر استطاعتها. "لا بأس؛ لقد انتهى الأمر."
فتح تاليس عينيه. وكتم كل همومه، ثم ابتسم لها ابتسامة مطمئنة.
اتّكأ الأمير للخلف، ونظر نحو جرف السماء القريب، إلى تمثال رايكارو المهيب وهو يمسك بحربته، مراقبًا المدينة.
لكن هذه المرّة، وهو يحدّق بالبطل الأسطوري الذي "رقص مع التنين"، لم يستطع إلا أن ترتفع زاوية شفتيه بسخرية، دون أن يبقى على وجهه أثر للجدية.
(فارس التنين. هه.)
وفي تلك اللحظة، دوّى صوت خطوات مهرولة من بعيد.
"أسرعوا!"
"إنهما هناك!"
زفر تاليس وسط الركام. ثم ابتسم بتعب للشقية الصغيرة التي بدا عليها الارتباك قليلًا. "لقد وصلوا."
لكن صداعًا بدأ يتنامى في رأسه من وضعه الحالي.
(اللعنة. ما حدث الليلة الماضية… كيف أفسّره؟)
ازدادت السماء إشراقًا.
ظهر جمع من الرجال يحملون المشاعل ومصابيح أبدية.
متمدّدًا بيأس وسط الأنقاض، شاهد تاليس رجلًا مسنًّا، مسلّحًا، ذا هيبة، يقترب منهم، يرافقه نحو عشرة من الجنود النخبة الملثمين المدرّعين، بثياب رمادية يلفّهم السكون.
"يبدو أن ضيفنا القادم من الكوكبة كان يقضي وقتًا ممتعًا."
حاكم إكستيدت ومدينة سحب التنين، المبجّل نوڤين السابع، كان يحدّق بالطفلين المتهالكين أمامه، مجعد الحاجبين، بصوت عجوز ضعيف: "ومع حفيدتي أيضًا؟"
سحب تاليس نفسًا عميقًا وحاول الوقوف بصعوبة. أما الشقية الصغيرة فكانت قد نهضت بالفعل. نفض تاليس الغبار والثلج عن ثيابه بينما كانت أفكاره تتسارع. قال ببرود: "نعم، لقد تركت لنا سحب التنين الكثير من الذكريات الممتعة الليلة الماضية."
تغيّرت ملامح الملك نوڤين، وكأنه وجد الأمر مسليًا. "تاليس جيدستار… ألم يكن لديك ما تشرحه لي؟"
كان حرّاس النصل الأبيض من حوله بوجوه صارمة، واقفين بثبات خلف الملك.
كانت أفكار تاليس تدور بسرعة.
نظر نحو الشقية خلفه. كانت الفتاة تحمل خوفًا من الملك نوڤين لا يمكن كسره. بدأت ترتجف ما إن رأته، متقلّصة في رعب، متجنّبة لقاء عينيه.
(عليّ أن أقدّم تفسيرًا مقنعًا.)
"مختلّ قام بخطفنا." حكّ تاليس رأسه، متحسرًا بلهجة متألّمة. "ثم… لقد رأيتَ ما فعله."
مسح الملك نوڤين المكان بنظره — ما تبقّى من مقاطعة الدرع. وفي ضوء النار الخافت، بدا وجهه العجوز مكللًا بالكآبة.
عاد بنظره إلى تاليس. شعر الأخير بالاختناق أمام الغمّ والتعب خلف نظرات الملك. "لماذا؟ لماذا سيخطفك ذلك 'الكارثة'؟"
أظهر تاليس ملامح من يلعن حظه، ثم زفر بضيق.
"لقد صنعنا عداوة معهم قبل وصولنا إلى إكستيدت. الأمر له علاقة بامرأة من عشيرة الدم تُدعى سيرينا من عائلة كورليوني." رفع تاليس ذقنه، وبلا تردد سلّم تلك المرأة الطموحة، الماكرة، السامّة إلى الملك العجوز. "يبدو أن الكارثة كانت تستخدمها لهدف ما. ربما هم يكرهون مملكتينا وعائلتينا الملكيتين؟"
"عشيرة الدم؟"
تنفّس الملك نوڤين وأطلق شخيرًا يشبه الضحكة وهو يراقبه. "سأجعل الغرفة السرّية تُحقق في هذا الأمر."
ردّ تاليس بابتسامة مُنهكة خالية من الضرر، وهو يواجه نظرة الملك العميقة.
عندها فقط لاحظ الملك نوڤين مظهر الطفلين البائس. ارتفع حاجبه. "يبدو أنكما استمتعتما كثيرًا."
ارتجفت الشقية الصغيرة. نشر تاليس يديه. "كما ترى."
"صحيح. لا تتاح لك رؤية هيدرا تعيث فسادًا في مدينة سحب التنين كل يوم، ولا عودة ملكة السماء إلى الظهور." هزّ الملك العجوز رأسه وقد ارتسمت على وجهه نظرة عميقة.
قطّب تاليس حاجبيه بقلق يسير.
(آمل أن أعود إلى الكوكبة قبل أن يعثروا على أي شيء.)
لوّح نوڤين السابع بيده فتقدّم بيروقراطي. همس الملك نوڤين في أذنه فهزّ الآخر رأسه وهو يدوّن شيئًا في دفتره.
غادر البيروقراطي لتنفيذ الأمر بينما تابع الملك العجوز السير عبر الشارع الخالي، يتقدّم حرّاس النصل الأبيض. وتبع تاليس والشقية الصغيرة الملك تحت حراسة هؤلاء الرجال.
نال تاليس قِربة ماء من أحد حرّاس النصل الأبيض العابسِين، وحاول أن يُغيّر الموضوع. "وعلى ذكر ذلك، يا جلالتكم، ما حجم الأضرار في مدينة سحب التنين؟"
وحين أنهى كلامه، لاحظ تشنّج قبضتي الملك نوڤين.
"لقد رأيتَ. انظر إلى هذا، يبدو وكأنه خاض حربًا." حمل صوت الملك العجوز نبرة إنهاك وحزن. "تلك اللعينة… تلك الكارثة."
أمال تاليس رأسه وأطرف بعينيه.
"لقد فقدتُ كامل منطقة الدرع." قطّب الملك نوڤين جبينه وتقدّم بخطوات واسعة نحو عارضة بيتٍ منهار، يتفحص الدمار بنظرة قاتمة. "عدد السكان الذين تمّ إجلاؤهم لا يصل حتى إلى ثلث سكان المقاطعة… أمّا المناطق الأخرى فليست متضررة بهذا السوء…"
تنفّس تاليس الصعداء. "هذا مُطمئِن."
على الأقل نُفِّذت عمليته مع السيف الأسود في الوقت المناسب.
"مطمئِن…؟ مُطمئِن؟"
تمتم الملك، يكرر ما قاله تاليس.
حدّق في رجل مقطوع الرأس يبرز من تحت الركام، ثم تنهّد ونظر نحو تاليس بهدوء. تحوّلت تعابير وجوه عشرات من الحرس النخبة المحيطين بالملك إلى كآبة.
اختنق الأمير بالماء الذي كان يشربه. وإلى جانبه، خفّضت الشقية الصغيرة رأسها حتى كاد يلامس الأرض، كأنها تحاول أن تحفر لنفسها حفرة.
وبينما كان تاليس يسعل بلا توقف، أخذ الملك نوڤين نَفَسًا عميقًا وحدّق في الخراب من حوله. "أتعلم… لم نتمكن من استدعاء الجيش لمواجهة تلك الكارثة…"
أغمض الملك العجوز نصف عينيه. بدا الإرهاق واضحًا في وجهه المتجعد. كان صوته رتيبًا مفلطحًا، لكنه مريب على نحو غريب. "لم نفعل سوى جعل حرّاس النصل الأبيض يرتدون معداتهم المضادة للصوفيّين ويواجهون الوحش على شكل وحدات متفرقة، وكثير منهم لم يرسلوا أي تقارير حتى الآن—على الأرجح تكبّدوا خسائر فادحة."
ازداد تنفّس حرّاس النصل الأبيض ثِقَلًا.
"نيكولاس وغليوارد طارد كلٌّ منهما العدو وحده وهو يحمل سلاحه. والآن، اختفت الكارثة، لكن حتى هذه اللحظة لم نتلقّ أي خبر عنهما."
اتسعت عينا تاليس بينما انتزع الجندي بجانبه قربة الماء منه بفظاظة. ركل الملك نوڤين لوحًا جانبيًا وأكمل حديثه الخالي من العاطفة المفعم بالأسى.
"رأى كثير من الناس الهيدرا، وانتشر الخوف في أرجاء المدينة. مدينة سحب التنين في حالة فوضى. اضطررنا إلى إخلاء المناطق المجاورة مثل مقاطعة الدرع. وبسبب تدفّق الناس إلى المقاطعات الأخرى، أصبحت تلك المقاطعات مكتظة."
اشتدّ تنفّس الرجل العجوز. "وكانت فرق الدورية مشغولة بالإمساك بمن اغتنموا الفوضى ليستولوا على ممتلكات الآخرين غير المراقَبة.
"لولا الظهور المفاجئ لملكة السماء، الذي هدّأ بعض النفوس، لكنتُ أول ملك إكستيدتي يُخضِع شعبه بالقوّة."
بدا الملك نوڤين هادئًا. كانت نظرته حزينة وصوته عميقًا ثقيلًا.
"غرق الإداريون في الإجابة عن أسئلة النبلاء والتوابع، حتى لا يُقدم أحد متهوّر على جلب مجموعة من الرجال من داخل المدينة أو خارجها، فقط ليمنعوه من إرسال الطعام إلى الكارثة…"
تنهد الملك نوڤين بيأس. "لحسن الحظ، كان بعضهم سكارى تمامًا بعد مأدبة الليلة الماضية، وإلا لكان الإداريون غارقين في عمل إضافي.
"وعلى صعيد آخر، لديّ أربعة آرشيدوقات يختبئون في قصر الروح البطولية، ينتظرون فرصة ليضحكوا على ملكهم المُنتخَب."
ولدى قوله هذا، أطلق الملك نوڤين ضحكة مشوبة بامتعاض. ازدادت تجاعيد وجهه عمقًا. "أوه نعم، وهناك أمير من خصومنا يتجوّل في الشارع مع حفيدتي في منتصف الليل."
هزّ تاليس كتفيه وقد شعر بالحرج. "وأنا أيضًا أشعر بالأسف."
تجاهل الملك نوڤين ما قاله وهزّ رأسه بتعبير معقد، مطلقًا تنهيدة طويلة. "أما ترتيبات العمل اللازمة لإصلاح هذا الخراب… هل يمكنك أن تتخيل؟"
امتلأت عينا الملك بالأسى.
"مئات القتلى، عائلات ممزقة، جرحى بحاجة إلى إنقاذ، منطقة سقطت في ليلة واحدة، ممتلكات وأصول متضررة… وكلها تحتاج إلى دعم حكومي ضخم لا نملكه أصلًا.
"نظام اجتماعي مضطرب يحتاج إلى إعادة تنظيم، شعب مذعور غاضب، شائعات تنتشر في المدينة، لوم وإدانات من عامة جاهلة…"
"طلبات النبلاء المتصنعين لإعفاءات ضريبية باسم الإغاثة، بينما غايتهم جمع الثروة؛ الشكوك والمخاوف المتنامية بين التوابع والجيش؛ محاولات الآرشيدوقات لاستغلال الحادثة؛ المعبد، ودول أخرى سترسل مبعوثيها للتقصي، والجواسيس الأجانب سيبدأون بالتخفّي."
"وبسماع التجار لهذه الأخبار، ستبتعد القوافل التجارية شهرًا كاملًا على الأقل، وسترتفع أسعار البضائع وينخفض عدد اليد العاملة. وكل هذا سيؤثر في إنتاجية السنوات المقبلة…"
ازدادت ملامح الملك نوڤين قتامة مع كل جملة ينطقها. وهبط قلب تاليس قليلًا.
"الشتاء القارس يقترب," قال الملك العجوز وهو يتنهد، "ومنذ اغتيال موريا… سيكون شتاء هذا العام شتاءً عسيرًا آخر."
حدّق تاليس في وجه الملك نوڤين فهبط قلبه أكثر. ألقى نظرة على الأنقاض من حوله، متأملًا جثثًا تبرز من بين الركام.
وتذكّر الصوفيَّينِ اللذين بدأ القتال بينهما بسببه هو، ممّا أدى إلى هذا الخراب.
"أقدّم اعتذاري العميق," قال تاليس بحزن، وقد امتلأت كلماته بالأسى.
حدّق الملك نوڤين فيه دون أن ينطق بكلمة. وفي تلك اللحظة، ظنّ تاليس أن هيبة نوڤين السابع مشبعةٌ بالحزن والإرهاق.
بعد بضع ثوانٍ، جذب الملك العجوز نَفَسًا عميقًا.
"أتدري… أحيانًا، أشعر بالإعجاب تجاه الكوكبة." كانت كلمات الملك تفوح بعجز مرير. "فعلى الأقل لديكم (ملك فاضل)."
ارتفع حاجبا تاليس في دهشة، ورفع رأسه بحيرة. "هاه؟"
(ملك فاضل؟ شخص مثل كيسل؟)
تدحرجت عينا تاليس في ارتباك، وظهر على وجهه تعبير لا يدل على فهم.
ومع ذلك، اكتفى الملك نوڤين بهزّ رأسه بلا مبالاة وأطلق شخيرًا قصيرًا. "لا علينا. سيبقى حظر التجول، فثمّة أسرار لا يمكننا كشفها." قالها بصوت مسطّح. "قبل ذلك، لِنَرَى الخراب الذي خلّفته لنا هذه الكارثة."
تابع الملك نوڤين سيره بتعبير قاتم. لم يكن أمام تاليس سوى حكّ مؤخرة رأسه واتباعه، وهو غارق في الحيرة.
أضاءت ألسنة النار الطريق. أثقلت المناظرُ أمامهم—من دمارٍ لا يُحصى وجثثٍ مبعثرة—قلوبهم.
ما خلّفته الهيدرا من تحطيم، وما حفرتْه مجسّاتها من حُفر، وما خلّفته من ضحايا ماتوا اختناقًا… كل ما امتدّ أمام أعينهم كان مأساةً تُتبِعُ أخرى.
"أبناء عاهرة."
لم تتغيّر ملامح الملك نوڤين. بدا صوته هادئًا، كأن ما حدث قبل قليل لم يُؤثر فيه.
"كارثة…"
ومع ذلك، التقط تاليس نبرة كراهية حادّة بين كلماته.
"معركة الإبادة… هيه، معركة الإبادة…"
ابتسم الملك نوڤين ابتسامة مُرة وقال ببطء: "لماذا… لم يُقضَ عليهم تمامًا في ذلك الوقت؟"
تجمّد قلب تاليس.
توقّف الملك نوڤين فجأة. "هل هذا هو المكان الذي هبطت فيه ملكة السماء؟"
كانوا يقفون عند حافة حفرة واسعة تختلف بوضوح عن غيرها. حملق تاليس في الحفرة التي حُفرت بلا شكّ بمخلب ضخم، ثم قطّب حاجبيه. "نعم."
رمشت الشقية الصغيرة ولمست نظّارتها بقلق.
تغيّر وجه الملك نوڤين. "أتحدثت إليكما؟"
جذب تاليس نَفَسًا عميقًا ولم يستطع منع نفسه من تذكّر كلمات ملكة السماء. "نعم، هذا صحيح. لقد قالت—"
"انتظر." قاطعه الملك العجوز ومنعه من مواصلة الكلام، ثم رمى نظرة حادّة نحو الشقية الصغيرة، حتى كادت ترتعد من الفزع. "سنتحدّث عند عودتنا."
وضع الملك نوڤين يديه خلف ظهره قبل أن يرفع رأسه نحو السماء. وفي ضوء الفجر الخافت خلفه، ألقى نظرة معقّدة على تمثال رايكارو فوق جرف السماء.
"لقد مرّت ستمئة سنة…" بدا حزن خفيف على محيّا الملك نوڤين. "وفي النهاية، هبط ذلك التنين ثانيةً بين البشر حين ظهرت الكوارث."
لم يستطع تاليس أن يغفل عن كون الملك العجوز أشار إلى ملكة السماء باستخدام (ذلك التنين)، بدلًا من لقبها الرسمي—جلالتها الملكة كلوريسيس.
ضحك الملك العجوز فجأة.
"أتدري، حتى قبل ثلاثمئة عام، حين تكبّدت مدينة سحب التنين خسائر مدمّرة، واستُنزفت آخر جيوشها، ونفد طعامها، وشارفت على الفناء، وحتى حين مات (ملك الغضب) نهاية مأساوية بطولية في المعركة ضد قوات جناح الليل المتحالفة من شبه الجزيرة الشرقية… لم يظهر ذلك التنين قط." خفّض نوڤين السابع رأسه وحدّق في تاليس.
"كأن هذا لم يكن البلد الذي شيّدته مع عشيقها."
بعد ليلة كاملة من الفوضى، كان ذهن تاليس مُنهكًا. اتّسعت عيناه، غير واثق مما يعنيه نوڤين.
رفع الملك نوڤين رأسه وتابع بنبرة معقّدة:
"ما الذي تمثّله إكستِدت ومدينة سحب التنين بالنسبة لها؟ وما الذي يمثّله زوجها، رايكارو، بالنسبة لها؟ وماذا تمثّل معركة الإبادة بالنسبة لها؟
"وأما نحن الإكستيدتيين الذين نعتبر أنفسنا أبناء الشمال وأبناء التنين… همف. أبناء التنين؟"
أطلق الملك نوڤين شخيرًا ازدرائيًا.
"حقًا؟"
لاحظ تاليس أنّ الشقية الصغيرة حرّكت عينيها حين انغمس الملك في الاسترسال العاطفي، وكأن لديها ما تقوله، لكنها بدت كمن تذكّر شيئًا مخيفًا، فعاد الرعب إلى وجهها. وفي النهاية، خفّضت رأسها مجددًا.
"نحن أهل الكوكبة نعتبر أنفسنا ورثة الإمبراطورية، أليس كذلك؟" قال تاليس دون أن يتمالك نفسه. "لكننا في النهاية لسنا الإمبراطورية."
خفض الملك نوڤين رأسه بسرعة وثبّت نظره على تاليس. كان ذلك التحديق النافذ يحمل ضغطًا جعل الأمير الثاني يشعر بعدم الارتياح.
ولم يرفع عينيه عنه إلا بعد وقت قصير، قبل أن يرمي الشقية الصغيرة بنظرة، ويقول بخفوت: "أنت حميتها، أليس كذلك؟ لقد حميت حفيدتي حتى في مثل ذلك الخطر، صحيح؟"
صُدم تاليس والشقية الصغيرة معًا، قبل أن تقترب الأخيرة منه غريزيًا.
"أستطيع أن أرى أنّ نظرتها إليك تغيّرت." لم تتغيّر تعابير الملك. كان يحدّق في الشقية الصغيرة دون رمشة، مما زاد توترها.
لمس تاليس رأسه وشعر بالشقية الصغيرة تختبئ خلف ظهره. قال بارتباك خفيف: "أم، بشأن هذا… ينبغي لنا جميعًا أن نساعد بعضنا."
حدّق الملك نوڤين فيه ثلاث ثوانٍ كاملة دون أن ينطق. ثم ارتسم على وجهه تعبير عميق الدلالة، وتكلّم بلهجة غامضة تُجبر السامع على التفكير فيما وراءها. "أتدري، لقد فكّرت في كلماتك لاحقًا."
جمُدَت يد تاليس التي كانت تلامس رأسه. قال باندهاش وشيء من الارتباك:
(ماذا؟)
"لسنا مولودين لنكون أدوات للمؤامرات والمكائد والحِيَل." بدا الملك نوڤين غير مبالٍ، لكن كلماته حملت وقار السنين وهدوءها. "ربما، في العاصفة التي ستواجهها عائلة والتون، ما ينبغي الاتكال عليه ليس النبلاء الشيوخ الذين يجيدون وزن المصالح والمفاسد، ويتقنون الصراع على السلطة والنفوذ، ويفهمون متى يتقدّمون ومتى يتراجعون. ولا اهتماماتهم القصيرة النظر المتكررة، ولا نزاعات السلطة التي يمكن تحريكها ذهابًا وإيابًا بين الناس بحفنة من الأوراق."
رفع الملك رأسه وحدّق في التمثال العالي فوقه. "بل المجد الذي سطع على أبطال الماضي… ذاك الذي فقدناه منذ زمن طويل."
حدّق تاليس في الحراس من حوله بحيرةٍ خفيفة، غير أنّهم كانوا يكتفون بمسح المكان بنظراتٍ حذرة فيما انتظروا في صمتٍ ملكهم.
حدّق الملك نوڤين بتمثال ملك فرسان التنين وزفر بانفعالٍ عميق قائلًا: "لعلّ بطلًا حقيقيًا مثل رايكارو يملك فعلًا القدرة المجيدة على أن يجعل الآخرين يطيعونه بلا تردّد، ويتبعونه طوعًا، ويموتون لأجله بلا خوف، ويضحّون بأنفسهم دون أدنى ندم.
"ولعلّ هذه الهالة المتألّقة هي ما شيّد إكستيدت. تلك الهالة التي دفعت التنين إلى اتّباعه طواعية." ثم اسودّ تعبير الملك نوڤين. "وهي نفسها التي جعلت التنين لا يلتفت إلى أحفاده الذين يجري دمه في عروقهم، ولهذا ترفض أن تأتي إلينا."
انبعث خاطر في قلب تاليس، ولم يستطع منع نفسه من إطلاق الكلمات: "لا ينال الملك الاحترام بحكم سلالته. إنّ مجد السلالة يقوم على أعمال الملك."
عادت الندبة في صدره لتوخزه بألم خافت. تحرّك الملك نوڤين قليلًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة دقيقة عميقة المعنى.
"ذكرتُ لك من قبل أنّ لديك ’ملكًا فاضلًا’." قالها بصوت خافت.
قطّب تاليس جبينه مجددًا. وفي اللحظة التالية بالذات، اضطرب قلبه.
هسّ!
رفع تاليس رأسه غريزيًا تحت السماء المعتمة.
كان حرس الملك أسرع منه بكثير. فبعد أن خاضوا حروبًا عديدة، شعروا غريزيًا بأنّ أمرًا ما يحدث، ورفعوا رؤوسهم منذ زمن.
بدا كأنّ شيئًا ما يهوي من أعلى جرف السماء.
كان يمكن سماع صفير خافت للرياح يقترب من البعيد.
تجهّم الملك. "ما ذاك؟" ضيّق الملك نوڤين عينيه.
تركّز بصر تاليس. اندفعت خطيئة نهر الجحيم في عينيه كموجةٍ عاتية.
كان الشيء الهاوي من جرف السماء جسمًا رماديًا.
تابعه تاليس بنظره حتى ارتطم بالأرض على بُعد عشرين مترًا منه.
"يشبه… صخرة رمادية؟" قال تاليس بحيرة.
(أكانت المعركة قبل قليل عنيفة إلى هذا الحد حتى تخلخلت صخور جرف السماء بسبب الاهتزازات؟)
فجأةً، توقّف الجسم الرمادي الهاوي في الهواء.
ثم استدار الظلّ الرمادي فجأة، مبدّلًا مساره السابق، واندفع هابطًا بخطّ مستقيم من الجرف… متّجهًا مباشرة نحوهم.
تجمّد قلب تاليس. تراجع خطوة غريزيًا.
"لا!"
استنفر أحد حرّاس النصل الأبيض فورًا، واستلّ سيفه صارخًا بغضب: "ليست صخرة! إنّه—"
لكنّ ذلك الظلّ الرمادي انقضّ في لحظة فوق رؤوسهم.
رفع تاليس رأسه مصعوقًا. وبمساعدة المشاعل في أيدي الحراس، رأى الشكل الرمادي الذي اندفع لحظة واحدة إلى المكان أمامه.
كان رجلًا؛ جسده كلّه مكسوّ بملابس رمادية ضيّقة، حتى جبينه كان مشدودًا بقطعة قماش رمادية.
الشيء الوحيد الظاهر من وجهه كان زوجًا من العينين الطويلتين الضيّقتين، تلمعان ببريقٍ بارد في مجال رؤية تاليس.
قفز الرجل في الهواء فوق رؤوسهم، وأفلت حبلًا من يده ليقذف به نحو اتجاههم.
ارتجّ تاليس.
(هذا… المنزلِق الذي تركه السيف الأسود، ذلك الذي استخدمه للنزول من الجبال! وهذا الرجل يستخدمه الآن لـ…)
وضع الرجل الرمادي يدَيه خلف ظهره وهو في الهواء.
"استعدّوا!"
صرخ نخبة حرس النصل الأبيض وردّوا سريعًا على الوضع، محيطين بالملك والطفلين.
"لا تفزعوا!" ارتفع صوت الملك نوڤين واضحًا جليًا. "أرسلوا إشارة—"
لكن قبل أن يكمل كلامه، مدّ الرجل في الهواء ذراعيه فجأة. وانطلقت حُزمتان من الضوء نحو حرس النصل الأبيض تحته.
دفع أحد الحراس تاليس خطوة إلى الخلف.
هسّ!
شعر تاليس بقشعريرة تعبر جلده. اندفع سائلٌ حارّ لا نهاية له ورشّ وجهه. صرخت الشقية الصغيرة هلعًا.
ارتجف تاليس وهو يتذوّق الطعم الكريه في فمه، ورأى الحارس بجانبه يسقط، نصلٌ قصير مغروس في عنقه، يغمره الدم، عيناه مفتوحتان على الموت.
طنننغ!
لوّح المحارب الذي يقف أمام المجموعة بسيفه، وصدّ الحزمة الأخرى. وتردّد في الحال صوتٌ حادّ لاحتكاك الشفرات في الهواء.
وفي اللحظة التالية، هبط الرجل الرمادي على الأرض بسرعة لا يمكن تخيّلها.
دفّة! طق!
هبط المُغتال الهاوي من السماء فوق أحد الحراس، مطيحًا به من وضع الوقوف وجاعلًا وجهه يرتطم بالأرض. رنّ في الهواء صوتٌ مروّع لتحطّم عظم الصدر.
بدا المُغتال غير متأثر قطّ بصدمة الهبوط، ورفع رأسه سريعًا. كانت عيناه الطويلتان الضيّقتان الموحيتان بالبرد مثبتتين على تاليس.
تسلّل بردٌ قارس إلى قلب تاليس. اقشعرّ جلده.
(هدفه… أنا؟!)
وفي اللحظة التالية، صار المُغتال على بُعد متر واحد منه، واندفع نحو الحارسين اللذين وقفا أمام تاليس ليحمياه.
"أوقفوه!" زمجر الملك نوڤين الغارق في الحماية، "احموه!"
وبينما أصدر أوامره، أحاط حرس النصل الأبيض بالمُغتال بلا تردّد. ثلاث سيوف مائلة ذات مقابض بيضاء ونصال منحنية انطلقت نحو أسفل بطن المُغتال، وحلقه، وفخذه.
لكن الرجل استدار فجأة، وحين مرّت السيوف الثلاثة قربه، قفز في الهواء رغم الخطر المحدق.
أدار رأسه، وشدّ بطنه، ورفع ساقيه، وبأسلوب بهلواني تلافى بصعوبة شديدة نصال الثلاثة.
خطر ببال تاليس خاطر مفاجئ. بدا وكأنّه رأى من قبل هذه المهارة.
ولكن ذاك الذي رآه لم يكن يومًا بهذه الخفّة، والسرعة، واللامعقولية.
تخطّى المُغتال الرجال الثلاثة، وحطّ ثابتًا على الأرض. وبحركة أصابعه، ظهر خنجران في كفّيه.
تقاطع خنجرَا المُغتال فورًا، وانزلقا عبر آخر حارسٍ كان يحجب الطريق أمام تاليس.
اندفع الدم.
تجمّدت الشقية الصغيرة مكانها من الرعب. التقط تاليس أنفاسًا مرتجفة. لم يستطع أن يردّ، بل لم يرَ سوى خنجرَي المُغتال يهجمان عليه، والشفرتان تقتربان.
كانت خطيئة نهر الجحيم قد أبْطأت إدراكه للوقت، لكنّه لم يجد فرصة للهرب. فالنصل… كان سريعًا، سريعًا أكثر ممّا يُحتمل.
"طنين!"
في النهاية، توقّف طرف خنجر المُغتال أمام أنف تاليس.
تلاشت "خطيئة نهر الجحيم"، وعاد مجرى الزمن إلى حاله الطبيعي.
لم يستطع تاليس استعادة توازنه من شدّة الصدمة. كان قلبه يخفق بعنف.
واختفى الشعور بالخَدَر الذي يناله المرء بعد النجاة من كارثة، بعدما فاض عرقٌ بارد على جلده في تلك اللحظة.
ومع ذلك، فوجئ المُغتال بأن نصل خنجره لم يستطع التقدّم قيد أنملة. فالمقاتل الذي تلقّى ضربة قاتلة حين مرّت الخناجر بجانبه قبل قليل لم يمت بعد.
كان حارس "النصل الأبيض" يرفع سيفه، وقد وضع درعه على ذراعه في وضع أفقي، ليستخدم كتفه وذراعه في صدّ خنجرَي المُغتال ومنعهما من التقدّم ولو مقدار شبر.
خطر في ذهن تاليس خاطرٌ سريع، فاندفع ليتدحرج جانبًا بشكل غير رشيق ليتفادى النصل.
وبينما كان الحارس يتحمّل ألم جرحه، دفع بكل قوّته نحو الأمام، وهو يزمجر:
"لا تستخفّوا… بحرس التنين الامبراطوريين!"
تراجع المُغتال خُطوتين، فيما هاجمه ثلاثة من حرس النصل الأبيض من الخلف، بهدوء وبسيوفهم المشهورة.
"طنين! رنين! شق!"
وبعد أن فقد توازنه، استدار المُغتال بسرعة، وتمكّن بمهارة، رغم الصعوبة، من صدّ السيوف الثلاثة.
لكن بعد أن فقد توازنه، تلقّى جرحًا في ذراعه اليسرى من الحارس الرابع الذي اندفع نحوه.
"شششش!"
اندفعت الدماء من جرح المُغتال.
"طنين!"
لم يعد قادرًا على إحكام قبضته على الخنجر في يده اليسرى. فسقط الخنجر على الأرض مصطدمًا بها بصوت معدني.
وجّه الحارس ضربة أخرى بسيفه ذي المقبض الأبيض، ورسم جرحًا جديدًا فوق كتف المُغتال.
"طنين!"
وسقط خنجر المُغتال الآخر من يده اليمنى المرتجفة. رفع رأسه وألقى نظرة أخيرة على تاليس. كانت النظرة الباردة الجامدة في عينيه كفيلة بأن تُقشعرّ لها بشرة الفتى.
ومع سقوط الخنجرين، هَوَى المُغتال إلى الأرض، وتدحرج مبتعدًا عن تاليس. وكان الفتى قد أحاط به حرس النصل الأبيض بإحكام بعدما تحرّكوا بسرعة لحمايته.
كان تاليس يلهث ويرتجف، يحدّق في المُغتال الذي كان يضغط على جرحه وهو يرتعش.
(كان ذلك على وشك أن يودي بي… لقد كان قريبًا جدًا! من يكون هذا؟)
اندفع المزيد من حرس النصل الأبيض نحو المُغتال الذي أصبح بلا سلاح.
قال الملك نوڤين وهو يضع يده على كتف تاليس ليطمئنه، بصوت مهيب خرج كأنّه يتردّد في الهواء:
"أبقوه حيًّا! لِنُجبره على أن يخبرنا بمن دبّر كل هذا!"
لكن في تلك اللحظة، قفز الخنجران الملقيان على الأرض فجأة، كما لو كان لهما حياة خاصّة.
وفي اللحظة نفسها تقريبًا، بدا أن أحد حرس النصل الأبيض—وهو من خدم أطول من البقية—قد تعرف على المُغتال، فتحوّل وجهه فجأة.
صرخ الحارس: "احذروا!"
وفي اللحظة نفسها تقريبًا، نهض المُغتال واستدار. وبدماءٍ تناثرَت في الهواء، اجتاز ثلاثة رجال على التوالي ليخرج من دائرة الحصار.
كان سريعًا حدًّا جعل زوايا حركته مستحيلة للمواجهة، وكان خفيف الحركة إلى درجة أنّ حرس النصل الأبيض الواقفين في طريقه لم يستطيعوا اعتراضه.
الحارس الذي تعرّف إلى العدو صرخ بجنون، واندفع مع رفاقه:
"إنه (نصل الجراد المهاجر)…"
قفز أحد الخنجرين من الأرض عائدًا إلى يد المُغتال بشكل غريب، بينما طار الخنجر الآخر إلى الظلام، ولا أحد يدري أين سقط.
وبخنجر واحد فقط، اندفعت هجمات المُغتال بلا انقطاع، وقَطَع فورًا حنجرة أحد الحراس. وعندها فقط وصل كلام الحارس الأخير إلى أذن تاليس.
"—بانّيت تشارلتون!"
وفي اللحظة التالية، ورغم الجرح الذي أصاب كتفه، عَضّ المُغتال على أسنانه وأدار جسده بأكمله في قوسٍ مخيف، ثم شقّ طريقه فورًا عبر العقبات كلّها.
ارتجف حرس النصل الأبيض جميعًا… وكذلك تاليس.
لكن المُغتال كان قد خرج من الحصار بالفعل، واندفع هاربًا في العتمة، يبتلعه الظلام والأنقاض.
ظل تاليس واقفًا في مكانه، يحدّق بذهول في ظهر المُغتال وهو يبتعد.
(بانّيت تشارلتون؟ هل يكون…؟)
"آآآآااااه!!" صرخة حزينة مدوية صدرت من "الشقية الصغيرة".
ارتجف تاليس، وسرعان ما استدار إليها.
لكن قبل أن يستدير تمامًا… شعر بشيءٍ يلمس قدمه بلطف. ارتعد جسده، ثم خفَض رأسه ببطء.
واتسعت عيناه إلى أقصى حد.
رأى جسمًا كرويًا يتدحرج إلى قدميه، يتمايل قليلًا.
توقّف نَفَس تاليس. ومرّت ثوانٍ عديدة.
وبينما كانت الشقية تصرخ، وقف تاليس مجمّدًا في مكانه، يترك الدم الطري تحت قدميه يتسرّب إلى حذائه دون أن يشعر. كان ذهنه خاليًا.
تنفّس ببطء، ورأسه ما يزال منحنِيًا، يحدّق في عيني الملك المنتخب الذي حكم إكستيدت ثلاثين سنة… رأس الملك نوڤين السابع، المنفصل عن جسده.
كانت الدهشة المذعورة متجمّدة على وجه الملك.
أما الخنجر الآخر—الذي لم يعد إلى يد المُغتال بل طار نحو الظلمة—فقد سقط على الأرض بجانب رأس الملك، وهو يرتجف ارتجافًا خفيفًا.
وبألمٍ، وندمٍ، وغضبٍ، ورفضٍ للهزيمة… صرخ أكثر من عشرة من حرس النصل الأبيض الكلمة نفسها، فترددت أصواتهم فجأة في الأجواء.
"لااااا—!"
وبزغ أول خيطٍ باهت من الضوء في السماء الشرقية. انتهت ليلتهم… وكان النهار على وشك البزوغ.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬