▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 183: ثمن النصر
…
تناثر الرماد في السماء في الساعة التي بلغت فيها العتمة أشدّها.
استعاد الناس الذين كانت جيزا تسيطر عليهم وعيهم شيئًا فشيئًا. بعضهم استعادوا أيضًا سلطة التحكم بأجسادهم. تعانقوا والذعر لا يزال عالقًا في أعماقهم، وانفجروا بالبكاء.
غير أنّ معظمهم تبدّلت بُنى أجسادهم تبدّلًا دائمًا بفعل صوفيّة الدم. وما إن أدركوا ذلك حتى ولولوا وماتوا تحت السماء المغطاة بالرماد.
"أنا نيكولاس من حرس النصل الأبيض. لا تفزعوا!"
رجل شاحب مضرّج بالدماء شقّ طريقه بين الجموع، ممسكًا نصل غريبة.
دفع بعنف شيخًا مذعورًا كان يصرخ في وجه الآخرين، وتقدّم بخطوات واسعة.
"ليبقَ الجميع حيث هم! الحكومة ستُرسِل المساعدة باسم الملك!"
أربك لقب "قاتل النجوم" العامّة في مقاطعة الدرع. ورغم الشك، فالكثير منهم لزم الصمت.
كان بعضهم لا يزال عنيدًا للغاية. واضطرّ نيكولاس إلى إرغامهم على الهدوء بإشهار شفـرته في وجوههم.
لهاثًا، مشى نيكولاس نحو ركامٍ ما، وأمسك ذراعًا سميكة تحت لافتة متجر منهارة، ثم جرّ رجلاً إلى الخارج.
"ظننت أنّك هلكت." قال قاتل النجوم وهو يجرّ الرجل الجريح بصعوبة. "تلك الكارثة تركتك حيًّا؟"
غليوارد، صاحب الذراع السميكة، والسيّاف الثقيل السابق الأعرج، نفض التراب والرماد عن جسده، وقد بدا كأنّ الموت قد مرّ به. وبقوة نيكولاس، زحف خارج اللافتة المنهارة.
"لا." سعل غليوارد. اتكأ على نيكولاس، ورفع يده يلمس جبينه النازف. "الرجل الذي كان يحمل الطفل…"
اكتسى وجه المحارب القديم صرامةً عميقة وهو يقطّب جبينه.
"أبدى لي رحمة… حين كنت تحت سيطرة ذلك الوحش."
ارتبك نيكولاس.
"رجل؟ مع طفل؟" رفع قاتل النجوم غليوارد، وقد اتّسع الشك في عينيه. "شخص تمكّن من التحرّك بحرية قبل الكارثة… أكان يملك عتادًا اسطوريًا مضادًا للصوفيين؟"
ترنّح غليوارد، وهزّ رأسه. "لا أعلم. ربما."
ضيّق نيكولاس عينيه. سأل مباشرة: "أين هو الآن؟"
"كان هنا قبل دقائق." مضغ غليوارد شيئًا في فمه الملطّخ بالدم، ثم بصق سنًّا مكسورًا، وتمتم: "اللعنة… ذاك الرجل صمد أمام هجماتي وهجمات تلك الوحوش."
أزاح نيكولاس لوحًا خشبيًّا. "هو قوي إذن؟"
"قوي؟ لا." توقّف غليوارد. تلألأت عيناه بقلق وجديّة. "إنّه مُفزِع."
زمّ المخضرم شفتيه، وفرك أنفه المُحمَرّ من البرد. "وأسلوب قتاله… أظنّ أنّنا التقينا في مكانٍ ما من قبل."
تغيّر وجه قاتل النجوم. "أتعرفه؟"
حاول غليوارد استحضار ذكرى لثوانٍ، ثم هزّ رأسه. "لا أعرف. لقد بارزتُ رجالًا كثيرين."
تلألأ بريق مكر في عيني نيكولاس. أعاد نصل قاطع الأرواح إلى غمده. "إذن، ذلك الرجل هو من ختم الكارثة؟"
"لا أعلم." هزّ غليوارد رأسه ووجهه شاحبٌ كالرماد. "هل تتوقّف عن طرح أسئلة لا أعرف لها جوابًا؟"
في تلك اللحظة، توقف نيكولاس عن المشي.
"ماذا الآن؟" سأل غليوارد بنفاد صبر. "يا رجل، أنت لا تزال تحمل مصابًا!"
نظر نيكولاس إلى الرماد البعيد بوجه متجهّم. "أتعلم… كارثة الدم أمرها مريب."
"وماذا في ذلك؟" شخر غليوارد. "أليست قد انتهت الآن؟"
هزّ نيكولاس رأسه، شاخصًا في العتمة نحو مجسّ هيدرا ذابل. "هذا يذكّرني…
"في كتاب أسطورة حرس النصل الأبيض، هناك سرد آخر عن البطل رايكارو، وعن معركته مع كارثة الدم والهيدرا كيليكا…"
…..
استراح تاليس وهو ما يزال في شبه غيبوبة. تساقطت قطع من الرماد الأسود على وجنتيه وتفتّتت. استعاد إحساسه تدريجيًّا.
(ما-ماذا حدث للتو؟)
(سلاحي—) خفض رأسه، يحدّق بذهول في نصل التطهير. (كيف اخترقها بهذه السهولة؟)
(وهل… انتهى الأمر؟)
رفع رأسه، ولا يزال الضباب يغشى ذهنه، يتأمل الرماد في السماء والخراب من حوله.
لم يستطع تاليس أن يعرف أين هو. لقد جرى بعيدًا جدًا هاربًا من جيزا.
رأى الجثث في الطرقات. وكان عند قدميه شيخٌ أبيض الشعر، ممدود الذراع كأنه يحاول بلوغ آخر خيط للنجاة.
ارتجفت أذنا تاليس، كأنهما التقطتا شيئًا. استدار، وتجمد.
بلا خدش، وقف آسدا خلفه، أنيقًا كعادته تحت مرمى الرماد.
حدّق صوفي الهواء في نصل التطهير بيده بنظرة معقّدة.
تنفّس تاليس بعمق مهدّئًا نفسه. "أيمكنك أن تُرسل تنبيهًا في المرة القادمة؟ أو بطاقة دعوة؟"
لم يتكلم آسدا، بل اكتفى بالتحديق فيه.
"وأيضًا،" قال تاليس وهو يزفر، مشيرًا إلى الخراب المحيط به، "ألستَ متأخرًا قليلًا؟"
رفع آسدا رأسه، ينظر إلى الرماد المتطاير بعاطفة غريبة.
تكلم الصوفي ببطء، دون أن يتغيّر وجهه. "العودة من تحت الأرض… تحتاج وقتًا."
شخر تاليس. وبعد ما خاضه في معركة جيزا، وبعد نصيحة السيف الأسود، أدرك فجأة حقيقة.
الخوف المكظوم والخانق الذي كان يعتري قلبه حين يواجه صوفي الهواء بدأ يخبو.
(الصوفيّون؟)
مقارنةً بجيزا، كان الرجل أمامه… مجرد خصم أقوى قليلًا.
ناداه تاليس بلقبه برفق: "حسنًا يا سيد ساكيرن، بشأن أمر الصوفيّين… لقد اتخذت قراري…"
رفع الصوفي حاجبيه.
رفع تاليس رأسه، يحدّق فيه بعزم.
"لستُ مستعدًا." واجه تاليس نظرة الصوفي الحادة. نطق كل كلمة بوضوح: "هذا هو جوابي… وقراري."
لم يتغيّر وجه آسدا الوسيم. تبادلا النظرات صامتَين. وبعد لحظة، أغمض الصوفي عينيه وزفر.
تابع تاليس: "لكن… لستُ رافضًا لك، ولن أقاوم أن أصبح…"
وتحت نظرة آسدا المندهشة، قال تاليس بنبرة عادية: "فقط أحتاج وقتًا لأتعلم، لأفهم، لأحصل على المعرفة عن الصوفيّة، وربما حتى السحر. سأحتاج مساعدتك."
(وربما… حقيقة العام الدموي…)
تلألأ ضوء أزرق غامض في عيني آسدا.
"ثم إنك تعلم جيدًا وضعك الحالي." استدار تاليس نحو الجثث والخراب في الشارع. "العالم لا يكره الصوفيين بلا سبب، حتى لو فعلت هذا لتحميني."
اختنق تاليس لحظة وهو يشعر بجثامة المشاعر.
(كل هذه الأرواح… وكل هذا بسبب…)
تنفّس بعمق، رافضًا المشاعر التي تهاجمه، محاولًا ألّا يتذكر أن الرجل أمامه قاتل بلا رحمة.
هذّب أفكاره، وقال ببطء: "ربما أستطيع مساعدتك، بوصفي أميرًا… بل كملك قادم للكوكبة."
رفع آسدا ذقنه قليلًا. ارتفعت زوايا شفتيه، ولمعت عاطفة غريبة في عينيه. "تقصد…"
"بعد أن أعلم كل شيء عنكم، ربما أستطيع إيجاد طريق، طريق يسمح للعالم ولكم أن تعيشوا بلا خوف ولا صراع." رفع تاليس نصل التطهير لا إراديًا وقال بثبات: "لا يمكن للصوفيين أن يستمروا على هذا النحو."
في رياح الرماد الأسود، نظر آسدا إلى السيف الأحمر الصغير بيده بحذر.
"وإن أصبحتُ صوفيًا حقًا في النهاية، فسأحتاج إلى هذا… لأجلي أنا." أومأ تاليس.
"وفوق ذلك، ملك بشري يملك السلطة وجيشًا سيكون أكثر فائدة من كارثة لا تُقهَر."
طال صمت آسدا كثيرًا هذه المرة. انتظر تاليس إجابته بصبر.
لثانية أو اثنتين، أقسم تاليس أنه رأى على وجه آسدا سلسلةً غير مألوفة من المشاعر.
(حنين… ومرارة؟) لم يرَ هذا الوجه منه إلا حين تكلّم عن برج السحر.
وأخيرًا قال آسدا: "كثيرون راودهم نفس التصور—أن يعيش الصوفيون وباقي الأجناس بسلام، ويتعاونوا حتى." كان في صوته تشاؤم يرفض الاعتراف به.
"الصوفيون، البشر، وحتى الجان… مع محاولات كثيرة وجهد عظيم. كلهم فشلوا." قال بصوت خافت.
وقف الاثنان، مختلفا القامة، وسط الخراب. فقابل تاليس نظرة الصوفي بنظرة حازمة لا تَخِف.
تقدّم تاليس خطوة بلا تردّد.
"أولًا، لم يحاولوا بما يكفي." دوّى صوته في الهواء. "ثانيًا…
أنا لستُ هم، ولستُ من أولئك الفاشلين."
شعر تاليس ببرودة الهواء. انقبضت حدقتاه قليلًا، وخرج صوته ثابتًا، عميقًا.
"أنا تاليس."
وتحت نظرة آسدا المندهشة، قال ببرود،
"تاليس ثيرينــجيرانا كيسل جيدستار، من سلالة العائلة الإمبراطورية جيدستار، والملك القادم للكوكبة."
وبينما قال ذلك، تنفّس بعمق، ورفع نصل التطهير. لم يفاجَأ حين رأى آسدا يقطب حاجبيه ويخطو خطوة إلى الوراء.
ابتسم تاليس ابتسامة خفيفة، وأعلن بثقة، وجهه هادئ: "خاتم صوفية الدم."
(و… زائر من عالم غير معلوم.)
تطايرت مشاعر غامضة في عيني آسدا، قبل أن يجتاحها ضوء أزرق بلّوري. خفّض تاليس نصل التطهير وانتظر بصمت جواب الصوفي.
لم يكن الصوفيّ يدري أنّ كفَّ تاليس التي قبضت على نصل التطهير كانت تتصبّب عرقًا.
ولم ينسَ كلمات جيزا قبل أن تتلاشى.
("احذر من آسدا.")
ظلّ الصوفيّ يحدّق إليه بنظرة هادئة.
ثانية واحدة.
ثانيتان.
ثلاث ثوانٍ…
ابتلع تاليس ريقه. وارتجفت راحته.
فجأة، ابتسم آسدا. ارتاع تاليس وحدّق إليه باستغراب.
عادت تلك الابتسامة المجمِّدة للعظام إلى شفتي آسدا. "تعلم… لستَ الوحيد…'
"بعد ما جرى اليوم، أدركتُ أنّني أنا أيضًا لم أكن مستعدًا للتعامل معك." أومأ الصوفيّ قليلًا. "إنّك فريد أكثر مما ينبغي."
انقبض حاجبا تاليس. وانزاحت نظرة آسدا إلى نصل التطهير. وحدث توقّف خفيّ في صوته.
"بوصفك أميرًا بشريًا، أو بوصفك…" رفع آسدا يديه وأشار إلى نفسه. "لذلك، سأحترم قرارك."
وتحت نظرة تاليس المترددة، أومأ الصوفيّ. "وبينما سأحتاج بعض الوقت لأدرس خللك—أعني طرْقَك للباب وفقدانك السيطرة المتعمّد—فلعلّ طريقك سيكون أسلس من طريقنا… أو أشدّ وعورة. لا أستطيع الجزم."
قمع تاليس مشاعره المضطربة، مظهرًا هيئة هادئة ودّية. ضمّ شفتيه وابتسم.
(المفاوضات… نجحت. آسدا سوف…)
"نعم، لن أُجبِرك على القدوم معي، ولا سأحثّك على أن تصبح صوفيًا." ومع رؤيته لردّة فعله، ابتسم آسدا ابتسامة خفيفة. "غير أنّك، ما دمتَ تنوي فهم الطاقة الصوفية والسحر…"
كان تاليس سريع الاستجابة.
"يمكنني أن أقتطع بعض الوقت، وأجد طريقة…" رفع حاجبه. "فعلى الرغم من أنّني أمير، فلا بدّ أن تكون لي ‘اهتمامات سرّية’… أو هواية؟"
وشدّد على كلمة "سرّية".
"حسنٌ جدًّا، سأتواصل معك… سرًّا." وقد التقط آسدا المعنى الضمني، فابتسم ابتسامة غامضة، مشدّدًا هو أيضًا على كلمة "سرًّا". "وبالطبع… سأتوارى لبعض الوقت…"
جال آسدا بنظره حولهما بدهشة خفيفة.
"انظر إلى هذه الفوضى… عمّا قريب ستتجمّع تلك الأشياء الفضولية هنا. فظهور صوفيّ جديد ليس حدثًا هيّنًا."
تنفّس تاليس في سره: (ومن تظنّ أنّه ساهم في هذه الفوضى؟)
زفر آسدا. "لكن، بعد أن تهدأ الضوضاء، سأتواصل عبر الطريقة القديمة نفسها. انتبه إلى الدعوة."
دحرج تاليس عينيه علنًا أمامه، فقهقه آسدا وقال ببطء، "إذن، سنلتقي مجددًا، يا تاليس جيدستار."
وأطلق ابتسامة ماكرة ذات معنى. وبدت في عينيه نظرة غريبة. وهي النظرة ذاتها التي ارتسمت على وجهه حين التقيا أول مرة تحت غرفة الشطرنج.
"… يا تلميذي الممتع."
استنشق تاليس نفسًا عميقًا ثم زفره ببطء. أومأ قليلًا. "شكرًا لك، يا سيد ساكيرن."
بادله آسدا بانحناءة خفيفة. ثم بدأ جسده الرشيق يخبو إلى وهجٍ أزرق. وتلاشى الوهج شيئًا فشيئًا حتى انمحى تمامًا في الريحِ عديمة اللون. لعبت الريح بشعر تاليس، فغَمَض عينيه.
"حسنٌ، لن أزعجكما الآن. لقد كانت تبحث عنك." دوّى صوت آسدا العذب في الريح.
وجمَد تاليس في مكانه. وانطفأ صوت الريح بعد ثوانٍ.
ظلّ واقفًا لثوانٍ، قابضًا على نصل التطهير. ولما تأكّد من رحيل آسدا، أطلق زفرة. وتراخت أعصابه المشدودة.
(يا للهول…)
حدّق في السماء المظلمة وزفر براحة.
كانت ملامح جيزا قبل اختفائها، ونظرة آسدا قبل رحيله، ما تزال عالقة في ذهنه.
(أيّها الصوفيّون… ما معنى وجودكم حقًا؟ كيف تبدو لكم هذه الدنيا؟)
خفض تاليس رأسه وحدّق شرودًا إلى يديه. خنجر «ج.ت» في يده اليمنى، والسيف الأحمر الصغير في يده اليسرى.
تنهد بحزن، ودسّ خنجر «ج.ت» في غمده عند خصره. وحين فعل ذلك، لامست أصابعه شيئًا… فتجمّد.
كان…
أرخى رأسه وعَضّ شفتيه. وارتفعت في صدره كآبة لا يستطيع وصفها.
وفي تلك اللحظة، جاءه صوت خافت مرتجف من خلفه: "تا-تاليس… أهذا أنت؟"
ارتاع الأمير الثاني، فاستدار فجأة. واتّسعت عيناه.
كانت الشقية الصغيرة، بشعرها المبعثر المتّسخ، تعانق نفسها وترتعش خلفه. وضيّقت عينيها محاولة أن ترى من أمامها بجلاء.
حدّق تاليس فيها مدهوشًا.
(هي…)
ولما بدا أنها بدأت تعتاد محيطها، شهقت الشقية الصغيرة، واحمرّت عيناها. مدّت ذراعيها، تتحسّس ما حولها وتتقدّم ببطء.
محاطة بالأنقاض والجثث، كانت تتقدّم بحذرٍ، كطفلة تتعلم المشي، أو كعمياء ضائعة، تمضي وحدها في عالمٍ مظلم.
ذكّرته تلك الهيئة بيوم لقائهما في المكتبة، حين رفعت رأسها من فوق ذلك الكتاب السميك.
"هل أنت… تاليس؟"
تعثّرت الشقية الصغيرة بحجرٍ غير مستوٍ، واهتزّت. حدّق تاليس فيها مذهولًا لبضع ثوانٍ قبل أن يردّ.
"إن-إنه أنا! أيتها الشقية الصغيرة!"
وحين سمعت جوابًا قاطعًا، شهقت الشقية الصغيرة وضمّت شفتيها. وانهمرت الدموع في عينيها.
زفر تاليس وهو يَعَضّ شفته. وتقدّم بخطوات واسعة فوق الأرض الملطّخة بالحطام اندفع نحو الفتاة.
توقّف قبلها بخطوة، يلهث، ومدّ يده اليسرى المغطاة بالدماء ليقبض على يدها الصغيرة.
ما إن شعرت بثقلٍ على يدها حتى ارتجفت الشقية الصغيرة. بدا عليها الهلع. ولكن بعد ثانيةٍ واحدة، قرّرت أن تقبض على يد تاليس اليسرى.
وقفا وسط الخراب، يشدّ كلٌّ منهما على الآخر.
حدّق تاليس بالفتاة بنظرة معقّدة، وقبض كفّه، كأن ثقلًا انزاح عنه.
"أ-أأنت بخير؟" تمتم متلعثمًا.
كانت الشقية الصغيرة قد بدأت تستعيد تماسكها. أغمضت عينيها الخضراوين شديدتي قِصر النظر قليلًا وهزّت رأسها بارتجاف.
"مجساتها… أطلقت سراحي."
وقفت أمامه وهي تضمّ شفتيها. ونظر إليها تاليس—تلك الفتاة الرثّة—وأغمض عينيه وشهق بعمق.
شهقت الشقية الصغيرة وارتعشت يداها الممسكتان بذراعه.
"نحن… ذلك…"
وقبل أن تكمل، ضحك تاليس فجأة. وبعد لحظة، تقدّم خطوة، دون أدنى تردّد، وجذبها إلى حضنه. ارتبكت الفتاة، ثم أسندت رأسها إلى كتفه. وانهمرت الدموع.
ضغط تاليس أسنانه وهمس: "حسنٌ."
تأمّل الشارع المثلَّج الخالي في منطقة الدرع، والجثث الملقاة، والرماد المتناثر. وكان يحتضن الشخص الوحيد الحيّ.
وفي تلك اللحظة، غبشت رؤيته قليلًا.
"سيكون كل شيء على ما يرام." قالها بلطف. "نحن بأمان الآن."
تشبّثت به الشقية، تبكي وتبلّل كتفه.
وبينما يمسك نصل التطهير، مسح تاليس دموعه بظهر يده. "على الأقل الملك نوڤين—"
ما إن سمعَت اسم الملك نوڤين حتى تصلّبت.
عدّل تاليس أنفاسه، ابتسم، وأكمل، "على الأقل لن يعلّقني على أسوار المدينة بتهمة خطف فتاة صغيرة."
تسمرت الشقية الصغيرة، ثم ضحكت. فضحك تاليس معها.
"أوه، لحظة."
بعد ثوانٍ، أفلت تاليس الفتاة. ومدّ يده نحو خصره، وقبض على ذلك الشيء الذي بلا اسم.
"هذا لك."
أخرجه، ووضعه في كفّ الفتاة. اتّسعت عيناها وهي تتحسّس ذلك الشيء.
كان أغلى ممتلكاتها.
شهقت الشقية الصغيرة، ورفعت ذلك الشيء إلى وجهها، وثبّتته خلف أذنيها.
وانفتحت عيناها الخضراوان خلف عدستي نظّارتها السوداوين السميكتين، المتشققتين المغبرّتين.
حدّقت مندهشة في تاليس؛ ذلك الفتى الملطّخ بالدم والتراب، المبعثر الشعر، ذو الكدمة الحمراء على جبينه.
ومضت ثوانٍ. ثم أخذ الطفلان بوجهيهما القذرين يضحكان أحدهما على الآخر.
لكنّ تعابير الشقية تبدّلت فجأة.
"أ-أأنت بخير؟!" صاحت بفزع.
رفع تاليس حاجبه. "هاه؟"
وفي اللحظة التالية، اتسعت عينا الفتاة في هلع. فزمّ تاليس حاجبيه، ولاحظ أمرًا غريبًا.
خفض رأسه بوجه شاحب. قطرة دم على الأرض… ثم الثانية… ثم الثالثة…
ارتجف تاليس فجأة. رفع يده ولمس أنفه. ابتلّت كفّه بالدم.
تجمّدت ملامحه.
(أنا… ما الذي يحدث لي؟)
طَنْ!
وقع نصل التطهير من يده، وارتطم بالأرض.
وأمام نظرات الشقية المذهولة، تراجع تاليس مترنّحًا، وضغط بيده على الجانب الأيسر من صدره بلا وعي.
ارتجفت يداه دون سيطرة. وحدّق في الشقية بعينين متّسعتين، كأنه يشاهد أفظع مشهد في حياته.
وفي تلك اللحظة، خطرت للشقية ملامح أليكس قبل موتها. فوضعت يدها على فمها، مختنقة.
(لا… لا يمكن…)
وسقط تاليس أمام صرختها.
صرخت الشقية الصغيرة في رعب، ووثبت إليه، ممسكة إياه لتضعه على الأرض.
"أوه…" خرج أنين مكتومٌ موجع من تاليس.
كان ألمٌ مفجع يعتصره، كأنه يمزق روحه.
(لا… لا!)
ذلك الألم ذاته الذي تجرّعه حين أصابته البندقية الصوفية في محاولة اغتياله على يد قاتل نفسي؛ ذاك الألم الذي تعهّد بأن يمزّق كل جزء منه… ثمن استخدامه للطاقة الصوفية…
(لقد عاد… أهو… ثمن النصر؟)
وبينما كان غارقًا في الألم، وفي طريقه لفقدان الوعي، سمع تاليس طقطقة قاسية تخرج من داخله، كأن جسده ينهار ببطء.
"آآآه!!" ارتعش تاليس وصرخ صرخة مروّعة.
وفي تلك الأثناء، لم تستطع الشقية سوى أن تحتضنه، تصرخ وترتجف معه.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬