▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 178: الهيئة الحقيقية
…
"ستكون المعركة عاتية. من الطبيعي أن تشعر بالتوتر أو الخوف، وأن تحسّ بتصلّبٍ في أطرافك. هذا أمر مألوف لدى المجنّدين الجدد."
"وحين يحين الوقت، ليس عليك سوى فعل أمرٍ واحد، استدعِ في ذهنك ما أكرّره عليك دائمًا كي تُبقي تركيزك حيًّا."
اندفع السيف الأسود مخترقًا عوائق كثيرة وهو يتجه نحو صوفية الدم بسرعة مذهلة. كانت حركة سيفه تُشبه على نحوٍ خافت أسلوب السيف العسكري الشمالي.
كان تاليس مضمومًا إلى صدر الرجل بيدٍ واحدة. رفع بصره بينما يمرّ تيار الهواء صافرًا قرب أذنيه. قابضًا على نصل التطهير غريب الشكل، اندفع تاليس مع السيف الأسود بسرعة الريح نفسها.
"مع أن هذين الرجلين من قلائل فرسان الفئة الفائقة الذين يمكن العثور عليهم، أشعر بأنهما سيخسران القتال رغم عتادهما المضادّ للصوفيين."
"صوفية الدم، على الرغم من مظهرها كفتاة غير مؤذية، خصمٌ مرعب. على مدى اثني عشر عامًا، لم ألقَ عدوًا يبعث في نفسي الخوف والقلق—حتى ظهرت هي."
في خضمّ صفير الرياح الباردة، لم يستطع الأمير فتح عينيه. أبقى فمه مشرعًا، ينهل الهواء ليحافظ على وتيرة تنفّسه.
ولم يسعه إلا أن يسترجع كلمات السيف الأسود قبل انطلاقهما نحو جيزا.
"ما يجعلها جبارة ليس سحرها الممسوخ ولا قدرتها اللامحدودة، بل كونها تمتلك بحقّ—ما أحب أن أسمّيه—قلب المقاتل القويّ. قوية بقدر ما هي حذرة وحاسمة. لا تفوّت فرصة، ولا تزدري خصمًا، وتبادر دائمًا إلى الردّ، وتتهيأ لكل تغيّر في الخطة."
"وعلى الرغم من أن بعض أفعالها تبدو قريبة من الجنون، إلا أنها لا تعيق قدراتها ولا التزامها بالقتال."
"ذلك الوحش ذو بصيرة عميقة في شؤون المعركة. تستوعب كل جوانبها، وتمتلك خبرة واسعة. لم ألتقِ سوى قلّة يملكون مثل تلك الدراية التكتيكية."
حين شرع السيف الأسود بالجري حاملاً تاليس على ذراعه، غشى البياض عقل الأمير. كان المشهد أشبه بما اختبره حين سقط من جرف السماء الشاهق مئات الأمتار.
ظهر أول مجسّ من الهيدرا أمامهما، وسمع تاليس فحيح الأنسجة البشرية وهي تُحتكّ بعضها ببعض.
أمسك السيف الأسود بيد الأمير وهوى بنصل التطهير.
هسسس!
انفلق المجسّ وتحولت إلى رماد.
استعاد تاليس قدرته على التنفّس. غمر قلبه مزيج عاصف من المشاعر—القلق، والخوف، والاضطراب، والإثارة.
"أول ما ينبغي علينا إدراكه هو أن صوفية الدم لم تظهر قطّ بهيئتها الحقيقية أمامنا."
تذكّر تاليس هذا، فعضّ على أسنانه قليلًا.
استعرض في ذهنه ما قاله السيف الأسود، مستوعبًا الصدمة رويدًا رويدًا.
(ما نراه ليس سوى جسد بديل مصنوع من لحم الآخرين.)
(هذا ما تعلمته من مواجهتها مرتين—معلومة بادلتها بدمائي وأنا أمشي على حبلٍ مشدود بين الحياة والموت.)
"بمعنى آخر، الاعتقاد بأن العتاد الأسطوري المضادّ للصوفيين لا يستطيع ختم ذلك الوحش اعتقادٌ خاطئ، تمامًا كما قلت."
"السبب الحقيقي هو أن الذين حاولوا ختمها لم يستطيعوا تمييز هيئتها الحقيقية وسط محيط اللحم والدم."
قطّب تاليس جبينه قليلًا، محدّقًا في الفتاة ذات المظهر الرقيق عن بُعد.
(ليست هيئتها الحقيقية؟)
من بعيد، رفعت "جيزا" رأسها تنظر إليهما بنظرة غريبة.
(هل يعني هذا أن… هذه "جيزا" التي هزمت عتادًا أسطوريًا مضادًا للصوفيين ليست سوى زائفة؟)
(لهذا السبب، حتى حين سحقتها سونيا بدرع السيادة… استطاعت الخروج بلا خدش؟)
سوش!
دوّى صوت حادّ يشقّ الريح.
طار نحوهما مجسان متوسطا الحجم؛ احدهم من الأعلى، والآخر من الأسفل.
"حين نواجهها، علينا أن نستكشف كل احتمال، ونفتش عن كل فرصة لنكسب ميزة، ونراهن على كل ورقة نملكها—وسنبدأ بالعثور على هيئتها الحقيقية."
شعر تاليس بطاقة تتخمر داخل جسد السيف الأسود. ثم خطا الأخير خطوة وهو يطأ صخرة بخفة.
ارتفعا شبرًا فوق الأرض.
استدار السيف الأسود في الهواء، وانزلق بين المجسّين.
"أولًا، التوقيت—حين يفشل هذان الرجلان، وتشرع هي في القضاء عليهما، يكون ذاك وقت دخولنا ساحة المعركة."
"حينها ستكون مترددة، مشتتة، أو تركيزها غير كامل. سيكون ذلك أفضل فرصنا. سنوفّر قليلًا من الجهد والوقت على ’الاندفاع’ للاقتراب من الجسد البديل."
معلّقًا في الهواء، واجه تاليس السماء ورأى مجسّ يطير بسرعة قربه.
وأبصر أيضًا نيكولاس من بعيد. كانت هيئته المكافحة تغوص شيئًا فشيئًا في مستنقع اللحم والدم.
كانت هناك قطعة نسيج تُشبه نصف لسان مغروسة في المجسّ، لامست أنف تاليس، تفوح منها رائحة دمٍ وروائح عطنٍ فاسدة.
قمع تاليس ما نهض في حلقه ومعدته من نفور، وما دفع جفونه إلى أن تنغلق—إذ أراد رؤية خصمه بوضوح.
(كل احتمال. كل فرصة. كل ورقة ضغط.)
شدّ أسنانه، مسترجعًا كل كلمة قالها السيف الأسود آنفًا.
"الأمر الثاني المهمّ هو الطريقة التي نُظهِر بها أنفسنا أمام الخصم—فما إن يبدأ القتال، من الأفضل أن نُبرز ما يخشاه الصوفي بطبيعته—السلاح المضادّ للصوفيين. فإلى جانب أننا سنبدو أشدّ تهديدًا لها، كلما طال ذهولها وارتباكها، ولو لثانية، ازدادت الثغرات التي تُظهرها."
"وسيُوجّه ذلك انتباهها إليّ."
قبض السيف الأسود على يد تاليس التي تشدّ على نصل التطهير. قاد يده التي تمسك السيف، واندفع النصل يشقّ مجسين، تاركًا فيهما شقين غائرين.
تحولت المجسّات إلى سوادٍ كالفحم المحترق، ثم تفتت إلى رماد.
لم يعد يفصلهم عن "جيزا" سوى ثلاثين مترًا.
لاحظتهم صوفية الدم من بعيد، وهمّت بإصدار همهمة فضولية.
(صحيح. هناك سلاح مضادّ للصوفيين آخر… غير نصل قاطع الأرواح ورمح قاتل الأرواح. يا لها من ليلةٍ حافلة بالمفاجآت.)
تساقط رمادٌ متناثر على وجه تاليس، ممتزجًا بالثلج الذائب.
ارتجّ جسده بقوة حين هبط السيف الأسود على قدميه. دفع الأرض بخفة بيده اليسرى ليستعيد توازنه في الحال.
واصل التقدّم بالسرعة نفسها.
حوّلت الريح الباردة الماء على وجه تاليس إلى رقائق من الثلج والجليد. اضطرّ الأمير الصغير إلى تحريك وجنتيه، قاضمًا أسنانه ومكشّرًا ليُزحزح الجليد الذي كاد يجمّد ملامحه.
كان مجسّ هائل يتأرجح نحوهم. وانشطر إلى عدد لا يُحصى من المجسّات الصغيرة التي هاجمت السيف الأسود من كل صوب. أقسمت أن تطرح فريستها أرضًا بأي ثمن، وألا تدع له مهربًا.
كان تاليس مستعدًا لهذا. سيشُقّ السيف الأسود طريقه، ويفتح الممر بسيف التطهير.
لكن الرجل انحنى بجسده، ثم استدار استدارة حادة مبتعدًا عن مئات المجسّات التي بدت كألسنةً مشقوقة لثعابين.
ارتجّ رأس تاليس من الذعر، وبدأت الدنيا تدور أمام عينيه.
"نقطة الدخول أمر يجب التفكير فيه أيضًا—علينا أن نعثر على مسار مغطى بالخرائب والعوائق. سيمنحنا أفضل رؤية وأفضل نقاط للاختباء، حتى لو كان ما يحمينا مجرد ساترٍ جزئي."
اختار السيف الأسود ممرًّا ممتلئًا بالصخور والطين، حيث انهارت البيوت على الجانبين جراء قتال الصوفيين.
اندفعا إلى كوخ منهار، وانحنيا خلف جدارٍ طيني.
توافدت المجسّات اللحميّة من كل اتجاه. تسللت بعض المجسّات الصغيرة فوق الجدار الطيني.
باخ!
ضرب مجسّ في منتصف الجدار الطيني بضراوة وسحقه!
تناثرت الشظايا نحو وجه تاليس، لكن السيف الأسود صدّ بعضها بيده.
وحالما تحطم الجدار الطيني وتباطأت المجسّات، انطلق السيف الأسود مجددًا.
اندفع بطاقة غريبة تجيش في جسده، فزاد من سرعته!
تحطّم!
اندفع السيف الأسود نحو الجدار المحطم، وانزلق عبر شقّ ضيق. سقطت قطع من الحصى وجرحت جلده مخلفة خدوشًا وجروحًا.
ضغط تاليس جفنيه، شاعراً بذرات الغبار والرمل تنثال على وجنتيه.
وبينما كانت قطع الطين والحصى تهوي عليهم، قبض السيف الأسود على يد تاليس ولوّح بـ نصل التطهير، قاطعاً ستّة مجسّات صغيرة أمام جدار الطين.
فاحت رائحة الدم المحترق في أنف تاليس، وتناثر رمادُ الأجساد البشرية حولهما.
اخترق السيف الأسود جدار الطين وتقدّم مسافة خمسة أمتار أخرى.
"حين نقدّر كل فرصة في القتال—كما يقدّر المسافرون في الصحراء كل قطرة ماء—عندها نستطيع جمع الاحتمالات التي تصبّ في مصلحتنا. فالنصر والبقاء يعتمدان في جوهرهما على التركيز على أدق التفاصيل، لاسيّما حين نواجه خصماً كصوفية الدم."
وبقوّته النادرة والفريدة، قوة الإبادة، تمكن السيف الأسود من تفادي هجمات متعدّدة من الهيدرا، واخترق الحواجز مستخدماً نصل التطهير. وتحت الثلج المتساقط ارتفع الغبار من تحت قدميه، فأصبح الطريق أمامهما ضبابياً.
عضّ تاليس على أسنانه، مُتحمّلاً عذاب البرد والسرعة الهائلة.
وشعر بذراع السيف الأسود اليمنى تشدّ حول خصره، كأنها تهدّد بشطره نصفين.
المسافة بينهما وبين "جيزا" أخذت تتقلّص تدريجياً، حتى غدت أقل من عشرين متراً.
"وحين نخترق العوائق، ستدخل مجال رؤيتها."
لمحت "جيزا" الصبيّ في ذراع السيف الأسود.
ابتسمت.
"أها. كنت أتساءل لماذا لم تستطع كيليكا العثور عليك…" تمتمت الصوفيّة بصوت ناعم كالمخمل.
وبينما كان السيف الأسود يتقدّم، ويتفادى الهجمات، ويكسر الحواجز، ويقاتل أعداءه بسرعة الرصاص، كان تاليس، الملتصق به، يرى من بعيد ملامح صوفية الدم المرعبة.
"حالي ليس بخير، ولا يسمح لي بالبقاء طويلاً في حالة ’الاقتحام‘. لكن لحسن الحظ لدينا نصل التطهير، الذي سيبقينا بمنأى عن قواها، أو على الأقل يمنعنا من الوقوع في مخالب دُماها اللحمية."
"يبدو أنّك وجدت لنفسك حارساً جديداً. يا لك من طفل ذكي…"
نظرت جيزا نظرة خاطفة إلى السيف الأسود، تراقب اقترابهما المستمر.
"لا تقلق." تفرّعت العروق الحمراء على وجنتيها وتوغّلت أبعد، فجعلت ابتسامتها تبدو شنيعة على نحو غريب. "كل شيء سيصل إلى نهايته قريباً."
ارتجّ صدر تاليس.
"إن كانت غايتها أنت—ومع هذا القرب الشديد بيننا—فالأرجح أنها ستبقى في مكانها وهي تصوّب نحو فريسة ضعيفة، وبما أنها ’لا يمكن ختمها‘، فستخطّط لقتلي خلال لحظات… ولإمساكك."
رفعت جيزا ذراعيها!
فووووش!
وراءها، زأرت الهيدرا كيليكا. ستّة مجسّات عملاقة اندفعت من جسدها.
وسط الأرض المرتجفة والضجيج، هاجمت المجسّات العملاقة الثنائي. بعضها انبثق من الأرض، وبعضها هبط من السماء.
"هذه ستكون فرصتنا."
تمدّدت المجسّات العملاقة عبر الشارع، حاجزةً طريقهما.
شدّ السيف الأسود قبضته على يد تاليس اليمنى.
حوّل بصره البارد إلى جهة أخرى.
كروووك…
انشقّ المجسّ، وخرج منه وحوش سوداء لا تُحصى من الشقّ الفاغر في النسيج المؤلّف من الأطراف المبتورة والجثث. كان حجم كل واحد منها بحجم طفل بشري، بأطراف طويلة وجذع أشبه بالعنكبوت.
هبطت الوحوش، وفي ارتعاشة عنيفة، نبتت من جلودها أشواك عظمية.
"هيئتها الحقيقية مختبئة في أحد مخلوقاتها اللحمية المقزّزة: قد تكون تحت الأرض، داخل تلك المجسّات، داخل ذلك الوحش الكبير، أو في أي شيء مصنوع من اللحم والدم—كقطرة ماء في محيط، أو شجرة في غابة.
علينا أن نعثر على هيئتها الحقيقية بين هذا البحر من الدم واللحم."
هسسس…
كأعشاش اليرقات الجائعة، انشقّت جذوع الوحوش لتكشف عن ثقوب شبيهة بالأفواه، ينبعث منها فحيح مقشعرّ.
وفي اللحظة التالية، مثل أطفال شحّاذين رأوا ثرياً في الطريق، رفعت الوحوش السوداء ’رؤوسها‘ ولوّحت بأطرافها. بعضها ركض، وبعضها قفز، وبعضها تدحرج أو زحف، وحتى قلة منها خفقت أجنحتها القبيحة في الهواء، مندفعين جميعاً نحو تاليس والسيف الأسود!
وسرعان ما حجبت المشهد عن "جيزا".
هسس… هسسس…
ارتجف تاليس وهو يحدّق في هذا المشهد الفظيع، وشعر بجلده يقشعرّ.
"صوفية الدم تتقن التعلّم من كل مواجهة، وتعالج المعلومات بسرعة، وتبتكر حلولاً لمواجهة تكتيكات أعدائها. خذني مثلاً. في كل مرة نلتقي بعد معركتنا السابقة، يكون لديها أسلوب جديد للتعامل معي."
(وهذا يعني… أن تكتيك الخطوبة نفسه لن ينجح أبداً على محبي العزوبية مرتين—)
هز تاليس رأسه، طارحاً تلك الأفكار العبثية.
فهو في قلب أخطر معركة شهدها في حياته.
ولا مجال لفقدان التركيز.
والريح الباردة تصفع وجهه، أبقى تاليس عينيه نصف مغمضتين. وبينما كان يندفع بسرعة هائلة، شعر بقلبه يكاد يقتلع من صدره.
عضّ شفته، محاولاً التركيز بينما يستعيد كلمات السيف الأسود.
"في المرة الأولى التي قاتلنا فيها، تفاديت هجمات مجسّاتها بمساعدة ’المرتجف‘—وهي حركة تعلمتها من مغتال من الفئة الفائقة، وعدّلتها قليلاً."
لكن في المرة الثانية، في ذلك الزقاق، حين استخدمت المرتجف مرة أخرى، اتبعت استراتيجية جديدة—تحوّلت الوحوش، وغطّت نفسها بأشواك عظمية لتواجه قوتي."
"أترى؟ الوحوش ذات الأشواك العظمية." وسط هدير الرياح، وصلت كلمات السيف الأسود إلى تاليس متقطّعة. "لقد صُنعت خصيصاً لمواجهة قوتي—قوة المرتجف."
تنفّس تاليس بعمق، ناظراً إلى الوحوش السوداء.
كان عددها لا يُحصى، فضلاً عن بشاعتها المروّعة، مما ولّد في نفسه نفوراً بارداً.
كانت تبدو كعاصفة من الجراد الأسود، بالآلاف والملايين، تتدفق نحوه.
اندفع السيف الأسود نحو القطيع دون تردّد. كأنما ما يواجهه ليس خطراً قاتلاً، بل سراً من أسرار النعيم.
"في المرة الثانية، تفوّقت علي خلال ثوانٍ قليلة. وكدت أن أموت بتلك الوحوش الصغيرة."
لكن هذه المرة، لم يُبقِ السيف الأسود شيئاً في جعبته. لم يستخدم طرقاً مختصرة، ولم يوفر جهداً.
أحس تاليس بالارتعاش الذي اجتاح جسد السيف الأسود كله. إحساس نابض، كأنه شيء ذو قوام، تفجّر من أعماقه.
لقد أدرك… هذه هي خطيئة نهر الجحيم.
الخطيئة التي تخصّ السيف الأسود بشكل فريد… وكانت أقوى، وأرسخ، وأكثر فاعلية بآلاف المرات من خطيئة تاليس.
تدفّق البرد الذي كان محيطاً به نحو قلب تاليس كما لو كان ذا كتلة، فارتجّ جسده.
شعر كأن الرجل بجواره قد غدا شخصاً آخر.
امتلأت ملامح السيف الأسود بصرامة وعتمة.
وبدأ حضوره الخافت يتحوّل إلى حضور شرس ووحشي. وانتفخت عضلاته قليلاً.
وتوسّعت حدقتاه، ودخل الضوء إليهما أكثر فأكثر.
في تلك اللحظة، بدا السيف الأسود كوحش مفترس يفتح عينيه ببطء، كاشفاً مخالبه وأنيابه.
وفي اللحظة التي اندفع فيها أول وحش أسود من السماء، ولم يعد يفصله عن رأس السيف الأسود سوى قدم واحدة…
ارتجفت الأشواك العظمية على جسده، مؤذنة بحدّتها المتزايدة. وخلفه آلاف من أمثاله، بنفس الضراوة والرعب. ومع صرخاتهم، تردّد صوتهم في السماء والأرض، منقلبين نحو الثنائي مثل أمواج هادرة.
وبالمقارنة، بدا طول نصل التطهير ضئيلاً للغاية أمام هذا السيل.
(حينها اضطررت لتفعيل "الموت الفوري" بين تلك الوحوش، لأخمد كل علامة على حياتي، وأتجنب حواسها. أعتقد أنه في لقائنا الثالث… ستكون قد وجدت طريقة لمواجهة 'الموت الفوري'.)
هسسسس…
اندفعت الوحوش العنكبوتية كسيل أسود كثيف، كأنها على وشك إغراق تلك السفينة الصغيرة الضعيفة… السيف الأسود.
شهق تاليس نفساً حادّاً، ثم حبسه، ضاغطاً على ذراعه اليسرى المرتجفة تحت إبطه الأيمن.
لم يعد هناك خيار. ما من أحد يمكن الاتكال عليه… سوى السيف الأسود.
(إلا أن تلك اللحظة التي غيّرت فيها الصوفيّة مجسّاتها، وحوّلتها إلى حشود من الوحوش ذات الأشواك… جعلتني أشعر…)
وفي اللحظة التالية، أطلق السيف الأسود زئيراً خافتاً في وجه الأمواج السوداء العاتية. وضمّ تاليس بقوة إلى صدره، بينما احتضن تاليس نصل التطهير إلى صدره.
وقبل أن يطعن أول وحش اشواكه العظمية برأس السيف الأسود…
انحنى السيف الأسود دفعة واحدة. وتقدّم جسده كله إلى الأمام… نحو الوحوش!
كان أشبه بسفينة صغيرة تنقلب في موجة هائلة.
شعر تاليس بأن كل شيء حوله بدأ يدور.
والوحوش السوداء التي تخص صوفية الدم بدأت تدور أمام عينيه أيضاً.
كانت تقترب.
وكان دواره يزداد.
وفي اللحظة الحاسمة، تدفقت التموجات خاصته إلى ذهنه، فخفّفت دواره.
(أستطيع رؤية تموجات قوية آتية من باطن الأرض… مختبئة بين اللحم والدم…)
كان السيف الأسود قد ضمّ جسده كله مثل كرة، وراح يتدحرج نحو الوحوش السوداء الشرسة، ذات الأشواك البارزة.
واصلوا التدحرج.
(بحسب إحساسي… تلك التموجات شديدة الوضوح. يستحيل تقريباً إخفاؤها.)
ضرب السيف الأسود الأرض بمرفقه الأيمن!
طع!
اصطدم بمقعد حجري منخفض.
(أعتقد… أنها هذه. هذه هي هيئتها الحقيقية! أنا واثق!)
وفي اللحظة التالية، شعر تاليس باهتزاز شديد من ذراع السيف الأسود اليمنى الملفوفة حوله.
بانغ!
ارتفعت أصوات مكتومة… كأشياء تتشقق تحت الأرض.
بدت كصوت قدر يغلي ماؤه بشدة.
ثم انفجر المقعد الحجري. وانطلقت صفيحة حجرية ضخمة من الأرض بطريقة عجيبة!
وما إن ارتفعت الصفيحة في الهواء، حتى توقّف تدحرج السيف الأسود فجأة!
شعر تاليس بالغثيان، ورأى نجوم الليل تتراقص أمام عينيه، وكاد يتقيّأ.
غرست قدما السيف الأسود في الأرض. وبحركة تلقائية، اتخذ وضعية مائلة بشدة كأنه يوشك على السقوط. وبزاوية حادّة مع الأرض… اندفع إلى الأمام!
ضغط السيف الأسود بذراعه اليمنى المنتفخة على الصفيحة الحجرية الضخمة. فاستقرت أمامه فوراً، ودفعها أمامه وهو يندفع.
وقد خفّض هذا من سرعته… لكنه منحهم درعاً.
(هذه هي أعظمُ قدراتِنا… القدرةُ على الاستدلال على الهيئة الحقيقيّة للوحش!)
(لكن في تلك اللمحة القصيرة التي تمكّنتُ فيها من استشعارها، لم أستطع سوى الحصول على اتّجاهٍ تقريبيّ لموضعها. إن اندفعنا على غير هدى، فلن نجلب سوى انتباهها مسبقًا، وعندها ستتهيّأ للهروب قبل أن نكتشفها.)
(ولهذا، فإن ما ينبغي علينا فعله تالياً هو الصمود تحت ضرباتها… وعندما نتقدّم مسافةً كافية… سنُجبر تلك التموجات الغريبة على الظهور مرّةً ثانية!)
(وحينها… سيكون موضعُ تقاطعِ النقطتين اللتين ظهر فيهما التموج… هو موضعُ هيئتها الحقيقيّة!)
في اللحظة التالية، اندفع السيف الأسود داخل سرب الوحوش وهو يسند اللوح الحجريّ السميك.
أظلم كلُّ ما حولهما. الوحوش التي ملأت السماء والأرض حجبت رؤيتهما بالكامل.
هــــــــيييييييسسس…
ملأت آلافُ الهسهسات أذنَي تاليس، فزادته اضطرابًا وتوتّرًا.
هل سينجحان؟
ربما؟
أوّل وحشٍ انقضّ عليهما غرس شوكةً من عظامه في وجه السيف الأسود.
خفض السيف الأسود رأسه قليلًا، ودسّ وجهه خلف اللوح الحجري.
تحطُّم!
انغرست شوكةُ الوحش في اللوح الحجري وأطلقت شررًا متلألئًا في الهواء، لكنها لم تنَل شعرةً واحدة من رأس السيف الأسود، الذي اندفع متجاوزًا الوحش.
الوحش الثاني مدّ شوكةً عظميةً مكسوّة بزوائد معقوفة، مستهدفًا شقَّ بطن السيف الأسود، حيث كان تاليس.
حدّق تاليس في الشوكة المقبلة، يصغي إلى أزيزها، وقد خلا رأسه تمامًا من التفكير.
غير أن اللوح الحجري انزاح بحركةٍ خفيفة من السيف الأسود، فدُفع ليغدو أمام بطنه، صادًّا هجمة الوحش.
دويّ!
ومع حماية اللوح، واصل السيف الأسود اندفاعه.
تدفّقت أعداد لا تُحصى من الوحوش السوداء الشبيهة بالعناكب إلى جانبيه، كأنها سرب جرادٍ لا ينتهي.
وبينما احتشدت أصوات التحطّم والتصادم، وتناثرت قِطع من اللوح الحجريّ ومن الأشواك العظمية، ضمّ السيف الأسود تاليس بذراعه، ثم انحنى برأسه إلى اللوح الحجري وهو يشق طريقه بجنون.
وكان بين الحين والآخر يتسرّب وحشٌ أو اثنان من خلال تشققات اللوح؛ يمرّ أحدهم ليجرح بطن السيف الأسود أو فخذَه الجانبي أو كتفه أو مواضع أخرى من جسده، لكنّه كان إمّا يتحوّل إلى رماد تحت حدّ نصل التطهير الذي كان تاليس يضمه، أو يُقذَف بعيدًا بسرعة هائلة.
أبقى تاليس عينَيه مفتوحتين بكل صعوبة. لم يرَ في مجاله البصري سوى أطراف سوداء لا تُعد ولا تُحصى من الأشواك والعظام، تنساب مبتعدة عن نظره كجريان الماء.
(سنجبرها على "التحوّل" للمرّة الثانية، وسنجبرها على إطلاق ذلك التموج مجددًا. والفرصة التي تظهر فيها هيئتها الحقيقيّة ستكون…)
بعد عدّة ثوانٍ، بدأ اللوح الحجري المستخدم للدفاع يتفتّت شبرًا بعد شبر تحت وطأة الضربات التي انهالت عليه.
تساقطت الحجارة المتكسّرة والدماء من جسد السيف الأسود في اللحظة ذاتها.
وفي اللحظة نفسها، ارتجف السيف الأسود.
(إنها هنـــــــــ—)
تمـــزّق!
جرحت شوكةٌ حادّة من أحد الوحوش كتفَه تاركةً خلفها خطًا من الدم.
طعنة!
وغرسَت الثانيةُ شوكتَها في فخذِه الأيسر.
(إنها في الموضع الذي قاتلتُها فيه للمرة الثانية… الموضع الذي استخدمتُ فيه الموت الفوري!)
لكن السيف الأسود لم يُبدِ أي التفات إلى جراحه. كان وجهه شاحبًا، لكنه لم يفعل سوى إحكام ضمّ تاليس إلى صدره دون أدنى ردّ فعل آخر تجاه إصاباته المتزايدة.
كأن إحساسه قد انطفأ، وواصل اندفاعه خاليًا من أي شعور.
(إنه مهارةٌ تتيح له إخماد كل أثرٍ للحياة في جسده مدةً وجيزة، فيختفي عن حواسّ عدوه.)
في لحظةٍ خاطفة، شعر تاليس بأن عضلات الرجل بجواره بدأت تتصلّب.
ظل يتحرك إلى الأمام، لكن كأن طاقة جسده قد تلاشت. توقّف تنفّسه، وتصلّبت بشرته، وهدأت حركاته، بل حتى عيناه فقدتا بريقهما.
وشعر تاليس بأن جسد السيف الأسود صار ضبابيًا، وإن لم يعرف أهو خيال أم حقيقة.
لكن تاليس كان يعلم أنّ السيف الأسود قد فعّل الموت الفوري.
وبينما امتلأ قلبه بالقلق، كان ينظر إلى الوحوش السوداء القادمة بصيحاتها الحادّة.
غير أن تاليس لم يحتج إلى القلق طويلًا.
فقد اندفعت جموع الوحوش السوداء بجنون، ثم فجأة—مثل ذبابٍ بلا رؤوس—اندفعت متجاوزةً الرجلَين.
وبينما غمرت الأرضَ والسماءَ هسهسات مرعبة، انقلبت الوحوش التي كانت كالموج الجارف إلى فوضى عارمة. وكأن حجرًا قد أُلقي في بحيرة ساكنة.
ثم توقّفت جميعها تقريبًا، وبدأت ترتجف على نحوٍ جنونيّ. مثل أطفالٍ تائهين، أخذت "تنظر" حولها باطراد.
بدأت الوحوش تقفز وتتحرك في ارتباك، لكنها لم تلحظ السيف الأسود مطلقًا، الذي كانت خطواته المتباطئة تشبه خطوات شيخٍ يعبر النهر.
تعثّر أحيانًا بوحش، واصطدم أحيانًا بآخر بكتفه، بل وكانت جراح جديدة تتفتّح على جسده، لكنه ظل ممسكًا بتاليس وشق طريقه عبر السرب بأمان.
واصل تقدّمه.
لم يتنفّس تاليس الصعداء إلا حينئذ. لقد اختفى أثر السيف الأسود، ومعه أثر تاليس، من حواس الوحوش.
وفي الوقت نفسه، تذكّر تاليس تحذيرَه:
("لقد رأت الموت الفوري من قبل، ولا بد أنها أعدّت طريقةً لمواجهتي، سواء عبر التحوّل، أو الانفلات، أو التضخيم، أو التنامي، أو عبر إصدار أمر للوحوش كي تتحوّل.")
في المسافة البعيدة، توقّفت "جيزا" عن الحركة لحظةً، وتحركت شفتا صوفية الدم بخفوت.
في اللحظة التالية، عوى الهيدرا كيليكا خلفها!
وفي لحظة، تحوّلت جميع الوحوش السوداء حول السيف الأسود.
حدّق تاليس في الأشواك العظمية على ظهور الوحوش—التي تراوحت بين شوكة إلى ثلاث—وهي تصدر أصوات التشقّق، كأنها على وشك الانكسار قبل أن تتحوّل إلى أطرافٍ رقيقةٍ طرية ترتفع منتصبة في الهواء…
تقلّصت الأطراف… ازدادت حدّة… ازدادت ليونة.
تمامًا مثل… قرون الاستشعار؟
وبقرون الاستشعار تلك، غدت الوحوش وكأن نورًا خفيفًا قد سُلّط عليها وسط الظلام. لم تعد ترتجّ وتدور كذبابٍ بلا هدف، بل ارتفعت قرونها وبدأت تدور ببطء.
أخذت قرون الاستشعار تلك ترتعش ببطء كأن فيها حياة، وبدأت تكنس الهواء نحو السيف الأسود وتاليس.
ثم توقّفت… كأنها قد حدّدت موضع السيف الأسود بدقّة…
كأنها تُجري اللمسة الأخيرة للتأكيد.
(هذا سيّئ.)
شعر تاليس بالخوف يتسلّل إلى قلبه.
(كما توقّعت… حتى لو لم يدم قتالُهما السابق أكثر من ربع ساعة، كانت جيزا قد أعدّت منذ ذلك الحين وسيلةً لمواجهة الموت الفوري.
والآن… يبدو أن وسيلتها فعّالة جدًا.)
نظر تاليس إلى السيف الأسود بقلبٍ مضطرب، وهو لا يزال يتمسّك به ويتقدّم بصعوبة وسط الوحوش.
أما السيف الأسود فظلّ مغمض العينين، يتحرك ببطء كجذع شجرة يابسة.
اشتدّ قلق تاليس.
(لقد تحرّكت جيزا بالفعل… إمّا تحوّلت، أو فعلت شيئًا آخر…ايها السيف الأسود… ألا ينبغي لك أن تستيقظ الآن؟)
(لقد تمكّنت من استشعار موضع هيئتها الحقيقيّة للمرة الثانية… ويمكنني الآن تأكيد مكانها تمامًا!)
ضمّ تاليس سيف التطهير بين ذراعيه وحدّق في الوحوش الصغيرة التي رفعت قرون استشعارها نحوهما. كان قلبه يخفق خفقاتٍ عنيفة.
وفي النهاية، وقد انتشرت القشعريرة في جسده كلّه، لم يستطع إلا أن يمدّ إصبعه ليضغط على صدر السيف الأسود.
لكن الأمر كان… كأنه وخز خلية نحل!
في طرفة عين، استيقظت الوحوش السوداء دفعة واحدة كما لو أنها أفاقت من سبات. وبقرون الاستشعار المرتعشة على ظهورها، وبأشواكها العظمية التي استعادت وحشيّتها، أطلقت هسهسات مخيفة، ودفعت بأرجلها الخلفية الأرض دفعة واحدة لتنقضّ على السيف الأسود وتاليس.
هــــــــيييييييسسس…!
شعر تاليس بقشعريرة تجتاح جسده!
كانت حركات السيف الأسود متصلّبة كالشيخ الطاعن بالسن، لكنه في تلك اللحظة… تحرّك!
وكأنّه يأخذ أول نفسٍ في حياته، شهق السيف الأسود بشهقة عميقة. ثم ارتجّ جسده كله فجأة كأنه استيقظ من كابوس!
وانفتحت عينا السيف الأسود!
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬