▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 159: الليلة المشؤومة
…
عندما كان الأمير سوريا ممدّدًا في بركةٍ من دمه، كانت النظرة في عينيه…" أسند ميرك ذقنه إلى جبين ابنته الميتة، يائسًا. "أعلم أنّنا ارتكبنا جريمةً لا تُغتفر… كان بوسعي أن أوقفها…"
"فلماذا لم تفعل؟" رفع الملك نوڤين رأسه. عضّ على أسنانه، وانقضّ على الرجل الباكي صائحًا: "هل وقفتَ هناك فقط تشاهد تلك المرأة تقتل سوريا؟"
"لعلّك كنتَ تأمل سرًا في أن يختفي سوريا عاجلًا." كاد الملك نوڤين يزأر وهو يطلق جملته الأخيرة. "كنتَ تتمنى أن يزول العائق الذي يفصل بينك وبين تلك المرأة؟"
ارتجف الإداري. التفت إلى الملك نوڤين بنظرةٍ مذعورة. وفي تلك اللحظة، أدرك تاليس حقًا الخوف والحزن والعجز الذي كان ميرك يعيشه.
واليأس الأعمق والجمود… والذعر حين تُفضَح أحلكُ أفكارك…
تبدّل تعبير ميرك تدريجيًا.
خفض رأسه. التوت ملامحه في قبضة ألم. ضرب الأرض بجانبه، وزأر بحدادٍ طاغٍ.
"لا!" كان الإداري يلهث بعنف. كان وجهه يتبدّل بلا توقف. "كنتُ سأسلّم نفسي!"
شهق ميرك، حتى كاد جبينه يلامس الأرض.
"لكنّ أديل… أديل هدّدت بأن تشقّ حلقها بالخنجر، وهي تبكي، وتُجبِرني على إخراجهما من هناك… رفضت البقاء في ذلك المكان لحظة أخرى…"
"لكنني لم أستطع… كنتُ أعلم أنّني لا أستطيع! أنا رجل شمالي. كنتُ من حرّاس النصل الأبيض. وكنتُ أيضًا صديقًا لسوريا وتابعًا له!" عوى ميرك. "لم أستطع!"
"اغفري لي، يا أديل…" كان ميرك يرتجف. ضمّ رأسه بين ذراعيه كطفل، وبكى على الأرض بصوتٍ متهدّج. "لم أستطع!"
"لكنّك لزمت الصمت وتركت سوريا يتعفّن في أكاذيبك وخداعك." قال الملك نوڤين بوجهٍ فاقد للإحساس. "وأخذتَ طفله—ابنة الخطيئة بينك وبين تلك المرأة—إلى قصري!"
أنزل ميرك يديه وحدّق بحزنٍ في ابنته، في وجهها الهادئ.
"لكن… أليكس." ارتعش صوته، كأنّ فكه يرتجف. "أليكس لم تكن تعرف شيئًا عن هذا! كانت بريئة!"
ضمّ ميرك وجه ابنته بين يديه، والدموع تنهمر من عينيه، وعضّ على أسنانه، ثم أغمض عينيه.
أطرقت الصغيرة رأسها بخوف، ثم شعرت بارتجافة في يد تاليس. رفعت رأسها مرتعبة، ورأت أمير الكوكبة يطبق شفتيه، يحدّق في الملك نوڤين.
كانت نظرته باردة ومفعمة بالغضب.
"ماذا؟ هل تشعر بالظلم؟" أطلق الملك نوڤين ضحكة وحشية، غاصّة بالسخرية. "هل تشعر بالبؤس؟ هل تشعر بأن عالمك كله قد انهار؟ لأني قتلت ابنتك؟"
شهق ميرك، محدّقًا في الملك نوڤين.
أخذ تاليس نفسًا عميقًا. كان يراقب حركات ميرك في صمت.
"تذكّر هذا الشعور." جاء صوت الملك نوڤين أجشّ، عميقًا، مشحونًا ببرودة تقشعرّ لها الأبدان. "أنت تستحقه."
كان ميرك يحتضن ابنته. يتحشرج بأسنانه المطبقة، وعيناه محمرتان بالدموع والغضب. يزمجر بألمٍ ممضّ.
لم يبالِ الملك نوڤين بقربه من عدوه اللدود. "أيها الجبان، اللقيط… إن كنتَ ترى نفسك مظلومًا… فانتقم لها إذن!"
قبض ميرك قبضتيه بقوة حتى صدرت أصوات طرقعة. وتألّقت في عينيه—كوحش بلغ حدّه—كراهية وألم ويأس وجنون، امتزجت كلها في بريقٍ واحد.
وعند سماع تلك الكلمات، عبس تاليس. رمق مدخل القاعة.
(أين حرس النصل الأبيض؟ أين نيكولاس؟ إن فقد ميرك عقله وقتل الملك… اللعنة.)
حدّق ميرك في الملك، يزداد نفسُه ثِقَلًا، وترتجف قبضتاه.
ومع ذلك، ظلّ الملك يبادله النظرات بلا خوف، كأنّ الذي يقف أمامه ليس محاربًا قويًا سابقًا من حرّاس النصل الأبيض، بل ضعيف مقيد لا حول له.
"هيا، اقتل ملكك." تلألأت في عيني الملك نوڤين مشاعر معقدة. زفر وقال ببطء: "تمامًا كما أنّ عجزك، وجبنَك، وخيانتك، وضعفك… قتلوا سوريا منذ سنين."
في تلك اللحظة، تبدّل وجه ميرك كأنه أصابته صاعقة. انفرج فمه قليلًا، وارتعشت شفتاه، كأنه يحاول النطق. لكنه أغلق فمه أخيرًا.
شحب لونه، وارتعش جسده، ثم سقط على الأرض ثانيةً، وبدأ يبكي بصوت خافت.
صرخت الصغيرة. توقف الملك عن الكلام. حاول تاليس بصعوبة أن يُهَدّئ أنفاسه ويُسيطر على مشاعره. ما جرى اليوم في قاعة الأبطال زلزل كيانه. ولفترة، لم يُسمَع سوى نحيب ميرك المتقطع. وبعد وقت طويل، أطلق الملك نوڤين شخيرًا قصيرًا، لم يفهم تاليس مغزاه.
"غادر." قال الملك بفتور. "ولا تقف أمامي مرة أخرى."
رفع ميرك رأسه بخواء.
"بايرن ميرك، ستستمر في العيش هكذا، حتى يوم موتك." رفع الملك نوڤين رأسه وارتجف حاجبه. "عِش تحت عذاب الذنب، والندم، والوحدة، والألم إلى الأبد. بلا غفران. بلا راحة."
"هذا هو العقاب الذي تستحقه… لأجل سوريا."
بدأ ميرك يضحك ضحكًا هستيريًا. خفض رأسه لينظر إلى ابنته، ثم عاد يبكي.
"اخرج!" في اللحظة التالية، زأر الملك نوڤين بغضب. "احمل خطيئتك… واخرج!"
ارتجفت الصغيرة مجددًا. ولولا دعم تاليس لسقطت أرضًا.
حدّق ميرك بفراغ في الملك نوڤين. وبعد بضع ثوانٍ، نهض ببطء، وهو يحمل جثة أليكس. استدار كالمخدَّر.
"الطفلة التي بين يديك هي عار على عائلة والتون—رمز للخيانة." حدّق الملك فيه بوحشية. "لن تُدفَن. لا يحقّ لها أن تلوّث ترابي…"
"إن علمتُ يومًا بأنك دفنتَها في شبرٍ من تراب إكستيدت، ولو لم يبقَ منها إلا رمادها، فسأرسل من ينبشها، وسأطعم رمادها للكلاب الضالة!" أنهى الملك نوڤين حكمه بقسوة.
وعندما سمع تاليس هذا الحكم الوحشي، تنهد، وقطّب جبينه نحو الملك نوڤين. ارتجف ميرك بعنف وهو يحتضن ابنته، لكنه مع ذلك عضّ على أسنانه، وخطا خطوة بعد أخرى، يجرّ نفسه بخواء.
"السيّدة أليكس…" تمتمت الصغيرة، راغبة في اللحاق به. أمسك تاليس بها.
"لا، دعيه." قال تاليس بهدوء. "لقد انتهى كل شيء… بالنسبة لسيّدتك."
ارتجفت الصغيرة، تنظر إلى تاليس بنظرة بائسة عاجزة، بينما اكتفى هو بمتابعة ظهر ميرك وهو يمضي، دون أن يتحرك.
ظهر نيكولاس عند مدخل القاعة، يراقب ميرك بنظرة معقدة. لكن ميرك لم ينظر إلا إلى ابنته بوجهٍ متجمد، مغمض العينين عن كل ما حوله…
إلى أن قال نيكولاس: "أقسم بدمائي، وجسدي، وسيفي، وروحي أن…"
رفع ميرك رأسه فجأة، وقد عاد إليه وعيه. توقف، وحدّق في نيكولاس مذهولًا، يستمع إلى ما تبقى مما ينطق به قاتل النجوم.
"أن نصدّ الأعداء، وننتصر في معارك لا تُحصى حتى آخر قطرة دم.
"أن نصون الأرواح، ولا نهاب التضحيات حتى انتهاء البشر.
"أن نحرس المستقبل، ونُجلّ معتقداتنا حتى يخبو نور الشمس والقمر.
"أن نخلّف إرث الأمل، ونلقي ضياء المجد حتى يغرق العالم في سباتٍ أبدي."
أغمض ميرك عينيه بمرارة، والدموع تنساب على وجهه.
أنهى نيكولاس تلاوة القسم بنظرة غريبة. نظر إلى ميرك بأسى. "وداعًا، يا أخي بالقسم. لقد انتهت قصتك في ’أسطورة حرّاس النصل الأبيض’."
أخذ ميرك نفسًا طويلًا، وابتسم ابتسامة دامعة. خطا خطوة، ومضى متجاوزًا قائده السابق.
"لا تنسَ تحذير جلالته." قال نيكولاس دون أن يلتفت. "إن اكتشفنا أنك تجرّأت على دفنها في تراب بلادنا…"
قهقه ميرك بحزن. وفي اللحظة التالية، حمل جثّة الفتاة، وسار خارج قاعة الأبطال بعينين زائغتين، كأنه لا يعي ما حوله.
راقب تاليس هيئة ميرك تختفي عند العتبة. ثم التفت أمير الكوكبة، يلهث قليلًا، وطرح السؤال الذي راوده منذ قليل:
"لماذا؟"
رفع الملك نوڤين رأسه بنظرة معتمة.
"أليكس… كانت مجرد طفلة غافلة." ابتعد تاليس عن الصغيرة، وتقدّم نحو الملك نوڤين، وقال بحدّة: "ما حدث لسوريا وأديل—ما علاقة هذه الأمور بها؟ لم تكن تعرف شيئًا أصلًا."
أطلق الملك نوڤين نفخة ساخرة.
"أرسلها بعيدًا، أو احبسها… كانت لديك خيارات أفضل!" حاول تاليس ضبط أنفاسه.
قهقه الملك نوڤين ببرودة. كان صوته كئيبًا، ميتًا. "آه، لقد لاحظت خصلة أخرى فيك. إحساسٌ زائد بلا جدوى بالعدالة… من علمك كل هذا؟"
"لا علاقة للأمر بالعدالة." قبض تاليس قبضتيه. وانبثقت في ذاكرته صور الأطفال الجياع في المنازل المهجورة: هياكل نحيلة، وجلود شاحبة. "(كانوا اطفالًا بريئين.)"
(لم يستحقوا تلك النهاية.)
"كل يوم كانت تعيشه كان إهانة لعائلة والتون، وكانت أيضًا تهديدًا لتحالفنا." رد الملك نوڤين. "هذا إجراء ضروري، وخياري الأفضل."
"بوسعك أن تختلق ألف تبرير لأفعالك." قال تاليس بازدراء. "أغراض سياسية، مصالح، سرّية، انتقام، عقوبة، اندفاع، بل يمكنك الادعاء بأنك كنتَ مضطرًا، وأنك لم تكن تملك خيارًا."
"لكن لا شيء من هذا يبرر ما فعلت." حدّق تاليس بالملك نوڤين، وعضّ على أسنانه. "لقد سمّمت فتاة بريئة في الثانية عشرة من عمرها، وأنهيت مستقبلها، يا نوڤين والتون، فقط لتعاقب أباها؟"
ارتسمت على وجه تاليس ملامح اشمئزاز. "هل تشعر الآن بالارتياح وقد أخذت بثأرك؟"
"ها! أحيانًا تكون أدهى من أدهى النبلاء." سخر الملك نوڤين متقاعسًا. "وأحيانًا تكون أحمق من أبلَه أغبى."
تجاهل تاليس سخريته.
"كنت أعرف شخصًا يفرغ غضبه على الأطفال." خفض أمير الكوكبة رأسه، وقبض على يديه. "عجز عن مواجهة خزيه وفشله، فصبّ غضبه وحقده على أطفال لا ذنب لهم. أنت لا تختلف عنه."
لهث تاليس، متذكرًا شعوره بطعن يده اليمنى. "أتريد أن تعرف نهايته؟"
بردت نظرة الملك نوڤين.
اعتدل الملك العجوز في جلسته، وزفر باستخفاف. "لا تنسَ: لولا ولادة تلك الطفلة، ولولا الخطيئة التي حملتها، لما سرنا جنوبًا، ولما كنت واقفًا هنا أصلًا."
"اللعنة عليك، يا نوڤين." صرخ تاليس. "نحن نعلم الحقيقة، فاحتفظ بهذه الأكاذيب الفارغة لنفسك."
"في تلك الظروف، سواء بسبب الاغتيال أو موت الأمير سوريا، كانت إكستيدت ستغزو الكوكبة. لم يكن الأمر إلا مسألة وقت."
"أتشفق عليها إذًا؟" بدأ الملك نوڤين يضحك ضحكة قصيرة. "قلت لك. يجب أن تعتاد هذا النوع من الحياة، أيها الأمير الصغير. أعداؤك أنت أيضًا لن يترددوا في إيذائك لمجرد أنك طفل بريء في السابعة."
حدّق تاليس فيه، ثم انفجر ضاحكًا فجأة. هزّ رأسه.
"ربما كان كاسلان مخطئًا. ليس لأنك تغيرت، ولا لأنك شخت." قال تاليس بسخرية. "بل لأن هذه هي حقيقتك.'
"سوريا، موريا، بوفريت، ميرك… هل تعرف لماذا آل مصير الجميع إلى مأساة؟"
انعقد حاجبا الملك نوڤين.
"لو كانت عائلة والتون تدير بلادك، وتعامل تابعيك ورجالك بهذه الأساليب…" قال تاليس ببرود. "فلا تتوقع منهم الولاء والنزاهة."
"أبناؤك… ماتوا لأنّ لهم أبًا مثلك." أنهى تاليس ما أراد قوله. حدّق في الملك أمامه.
ومن الغريب أنّه شعر بالارتياح.
لم يشعر بأي ثقل أو وخز ضمير لكونه واجه ملك إكستيدت المنتخَب بالكلام.
حدّق الملك نوڤين فيه طويلًا دون أن ينطق.
اشتدّ وجه الملك، وحدّق في تاليس بعينين تحملان مشاعر معقدة.
"تظنّ هذا قاسيًا؟" قال الملك بهدوء. "لم ترَ ما هو أقسى."
انعقد حاجبا تاليس قليلًا.
أخذ الملك نوڤين يتكلم بوقار ملكي: "أنت، تعال إليّ."
أخذ تاليس نفسًا عميقًا.
(أيها العجوز الملطّخ بالدماء. ما الذي تدبّره هذه المرة؟)
رفع رأسه ببطء، وحدّق في الملك نوڤين، ثم حرّك قدمه إلى الأمام.
لكنّه لم يستطع حتى أن يخطو الخطوة الأولى.
"لستَ أنت." انطلقت نظرة الملك الحادّة كالشفرتين متخطّيةً أمير الكوكبة، لتهبط ببرودة على نقطة خلفه. ثم قال ببرود: "كنت أتحدث عن… تلك الطفلة."
تجمّد تاليس، وانكمشت حدقتاه. استدار نحو الشقية الصغيرة.
كانت الشقية الصغيرة، التي ظلت تحبس أنفاسها طوال الوقت، تبدو وكأنّ فكرة عمّا سيحدث قد خطرت ببالها.
ارتجفت.
نظرت الشقية الصغيرة إلى الملك بعدم تصديق، ثم نحو تاليس بعينين متوسلتين. لم يسبق لها أن واجهت موقفًا كهذا قط، وكانت من شدّة التوتر على وشك الانفجار بالبكاء.
"لا تجبريني على قولها للمرة الثالثة." حدّق فيها الملك نوڤين ببرود.
ارتعدت الشقية الصغيرة، ولم تجرؤ حتى على رفع رأسها. لكنها، مدفوعة بسنواتٍ طويلة من الخبرة كخادمة، خطت خطوةً خائفة إلى الأمام، وترنّحت نحو الملك.
راقب تاليس كل هذا بحيرة.
وقفت الشقية الصغيرة أمام الملك نوڤين وحدّقت في الأرض وهي ترتجف.
"منذ اغتيال سوريا، حرصت على أن تبقى أليكس محميةً جيدًا," قال الملك العجوز بلهجة مسطّحة. "معظم الناس لا يعرفون حتى اسمها، بل فقط أنها موجودة."
"وبفضل هذا، لا يعرف الكثيرون هذا السرّ وحقيقته." كانت عينا الملك نوڤين مرعبتين، وصوته حازمًا.
"من المطبخ إلى غرفة نومها، ومن الحرس إلى خادماتها، كل من عرف بأمر أليكس جرى التخلص منه أثناء رحلتكم إلى هنا."
"لم يتبقَّ سوى واحدة."
ارتجفت الشقية الصغيرة بعنف.
انهمرت الدموع من عينيها. "لا. لم أرَ شيئًا. لا أعرف شيئًا…"
خفض الملك نوڤين رأسه ورفع يده اليمنى، وحدّق في خاتم العقيق الأسود بنظرة عميقة.
تسارعت أنفاس تاليس فجأة. راوده شعور بأنه يعرف ما قد يفعله الملك العجوز.
اندفع تاليس نحو الملك نوڤين. "مهلًا! أنت…"
لكن بعد خطوتين، قُبِض على كتفه من الخلف بذراع قوية، وانفجرت آلام حادة في كتفه.
"ابقَ مكانك." الرجل المعروف بقاتل النجوم، نيكولاس، كان يمسك به. "لا تُفسد الأمور، أيها الأمير الصغير."
فجأة، أصبح نصف جسد تاليس غير قادر على الحركة.
"كلا، لقد رأيتِ ما حدث قبل قليل—ذلك السرّ—أليس كذلك؟" قال الملك نوڤين ببطء للصغيرة المشاغبة بصوته العجوز العميق. "أنتِ أيضًا واحدة من القلائل الذين يعرفون بوجود أليكس."
رأت الشقية الصغيرة ما حدث لتاليس، وقد غمرت الدموع وجهها. التفتت تنظر إلى تعابير الملك نوڤين، وارتجفت خوفًا.
"أتوسل إليك، جلالتك," قالت وهي تبكي. "سأكون مطيعة. سأبقى في القلعة. لن أقول شيئًا…"
استمر الملك نوڤين في مداعبة "النصر" على إصبعه. وابتسم.
(لا. اللعنة!)
رمق تاليس نيكولاس نظرة حنق، ثم أعاد بصره نحو الملك نوڤين.
في اللحظة التالية، ابتسم الملك نوڤين ببرود بينما أمسك يد الشقية الصغيرة بقوة. "تخيّلي. ما مصيرك؟"
"نوڤين!" صرخ تاليس محاولًا التملّص، لكن تحت قبضة قائد حرّاس النصل الأبيض، كانت مقاومته بلا جدوى.
وبنظرة باردة، جذب الملك نوڤين يد الشقية الصغيرة نحو يده اليمنى.
(لا.)
كانت الشقية الصغيرة على وشك البكاء من شدّة الخوف. "لا… لا…"
قبض تاليس على أسنانه بقوة واستلّ خنجر «ج.ت» من خصره. ثم، بزاوية غريبة للغاية، لوّح به نحو قاتل النجوم!
الأسلوب الهجومي الرابع من أساليب السيف العسكري الشمالي. أسلوب الكمائن.
ثم…
اتسع فم تاليس صدمةً.
رأى الملك نوڤين يمد يده اليمنى ليضع الخاتم في يد الشقية الصغيرة.
حدّقت الشقية الصغيرة في خاتم العقيق الأسود ذي الحلقة الفضية على راحة يدها بعينين منذهلتين.
"هذا رمز المصادقة المتوارث عبر أجيال عائلة والتون—النصر," قال الملك نوڤين بصوت بارد وثابت، "من الآن فصاعدًا، أنتِ آخر ذُرية لعائلة والتون."
"أنتِ حفيدة الملك المُنتخَب شعبيًا لإكستيدت، وأرشيدوق مدينة سحب التنين، نوڤين والتون."
"أنتِ الابنة الوحيدة للأمير سوريا والتون وأديل والتون، ابنة جاستاد، دوق مدينة الكرمة."
حدّق تاليس والشقية الصغيرة في الملك نوڤين دون حراك.
"ساروما أليكس سوريا والتون," قال الملك نوڤين بهدوء، "هذا هو اسمك."
أطلقت الشقية الصغيرة شهقة خفيفة بلا وعي. أصبح وجهها شاحبًا بالكامل.
بعد بضع ثوانٍ، أدركت أخيرًا معنى كلمات الملك نوڤين. رفعت الفتاة ذات النظّارة المرتجفة خاتم "النصر" بيدين مرتعشتين، وخطت خطوة إلى الوراء خوفًا.
أفلت نيكولاس تاليس، وترك الخنجر الذي كان تاليس قد وجّهه إليه، وزفر بازدراء بارد. لكن تاليس لم يكن لديه وقت للاهتمام به.
نهض تاليس عن الأرض وتطلع في صدمة إلى الملك نوڤين، ثم إلى الشقية الصغيرة، التي كانت شاردة وخائفة حتى العجز.
"يجب أن تنسي ماضيك، سواء أصلك أو تلك الفتاة التي خدمتِها." واصل الملك نوڤين بصوته الخالي من الانفعال، القويّ رغم ذلك. "ستُصغين لأوامري، وتصبحين سيّدة من عائلة والتون."
"ستتزوجين ذلك الفتى وتصبحين سندًا لعائلة جيدستار. ستحفظين شروط عائلة والتون والاتحاد بين العائلتين. ستُجلّينه، وتُطيعينه، وتخدميه، وكـ(ساروما والتون)، ستدعمينه وتؤازرينه."
أرسلت الشقية الصغيرة نظرة مرتجفة نحو تاليس، وامتلأت عيناها خلف النظارات بالدموع. "لا—"
لكن الملك نوڤين قطع توسلاتها.
"تذكّري اسمك الأوسط الأول ’أليكس’. سيبقى إلى الأبد يذكّرك بهويتك الحقيقية. سيذكّرك بتلك الليلة التي غيّرت مصيرك."
"لكنه أيضًا تحذير." سطع نور لامع في عيني الملك نوڤين. "إن شكّلتِ تهديدًا لمصالح عائلتي جيدستار ووالتون، فذلك الفتى يستطيع في أي وقت كشف هويتك. طقس سلالة واحد كفيل بتدمير كل شيء. وصدقيني، لن يعجبك ذلك."
كانت الشقية الصغيرة قد استبدّ بها الرعب. حتى أنها نسيت أن تتنفس. ولمّا بدأت قواها تتلاشى، التقطت نفسًا مرتجفًا.
أدار الملك نوڤين رأسه نحو أمير الكوكبة وحدّق فيه بتعبير عميق. "وأنتَ، تاليس. اليوم، كشفت لك أعظم أسرار عائلتي، وأبشع ماضٍ لها."
"النصر ليس إلا القفل الأول. هذا هو القفل الثاني: يمكنك الآن، مطمئنًّا، أن تتسلّم عائلة والتون."
"تحالفنا لا يزال قائمًا."
ارتجف تاليس. نظر نحو الشقية الصغيرة.
"لا يهمّ إن كان بدافع المنفعة، أو تلك الشفقة السخيفة التي فيك، ستُحافظ على حياتها وهويتها." صار صوت الملك نوڤين فجأة متعبًا أجشّ. "تمامًا كما ستحفظ عائلة والتون."
أفاقت الشقية الصغيرة من ذهولها وحدّقت في الخاتم على راحة يدها قبل أن تعاود الارتجاف.
"لا، أرجوك يا جلالتك…" قالت الشقية الصغيرة بارتجاف يكاد يصل إلى البكاء. "أنا خائفة. لا أعرف شيئًا. لا أستطيع—"
"لم أسألكِ عن رأيك!" التفت الملك نوڤين بعنف وحدّق فيها، فتلاشت كلماتها في حلقها. اشتعلت نظرة حادة في عيني الملك. "هل فهمتِ؟"
كانت الشقية الصغيرة خائفة للغاية حتى إن نظارتها قد انزلقت من موضعها. لم تستطع سوى هزّ رأسها بجمود.
ارتسمت ابتسامة خافتة على شفتي الملك نوڤين.
حدّق تاليس في هذا المشهد بنظرة خاوية. هاجت في صدره عواصف من العواطف.
تنهد الملك العجوز وقال ببطء: "حسنًا. تاليس، لقد علمتَ كل ما ينبغي أن تعلمه."
رفع الملك نوڤين عينيه وتحدث بصوت مرهقٍ للغاية. "عُد إلى غرفتك."
شهق تاليس بأنفاس مضطربة وقبض قبضتيه. ألقى نظرة أخرى نحو الشقية الصغيرة ورأى في عينيها نظرة الاستغاثة والعجز، ثم قبض أسنانه، واستدار، وغادر.
خلف تاليس، تحدث الملك نوڤين للشقية الصغيرة بصوت منخفض: "وأنتِ، من هذه الليلة فصاعدًا، ستنامين في غرفة أليكس."
اشتدّ طحن تاليس لأسنانه مع كل خطوة. سُمعت خلفه صرخات الشقية الصغيرة المرتعبة.
"كلما شعرتِ بالضيق من هذا كلّه، تذكّري هذا اليوم، وتذكّري سيدتك السابقة على سريرك."
تسارع نفس تاليس تدريجيًا. كان بمقدوره أن يتخيّل ملامح الشقية الصغيرة الآن.
"تذكّري ما حدث لأليكس. تذكّري تشنّجات جسدها، وتلك النظرة المفعمة بالألم قبل موتها."
أطبق تاليس جفنيه برفق. تباطأت خطواته. حمل الهواء خلفه أنين الشقية الصغيرة.
"تذكّري جميع من مات بسبب هذا، ثم فكّري كيف أنك محظوظة."
توقف تاليس. وسحب نفسًا عميقًا.
"لقد جرى تطهير الخدم والطهاة، لكن من المفترض أن يكون لديك خدم جدد قريبًا. سيكون من الأفضل أن تُقلّديها بأفضل ما تستطيعين."
"كفى!"
تحت نظرات الجميع المندهشة، استدار أمير الكوكبة وحدّق في الملك نوڤين وفي الشقية الصغيرة الباكية بعينين مشتعلتين بالغضب.
قبض تاليس أسنانه وتقدّم بخطوات عاصفة، ثم أمسك بمعصم الشقية الصغيرة.
وبطريقة لا تسمح لأحد بأن ينبس ببنت شفة، جذبها إليه.
استطاع أن يشعر بارتجاف معصمها.
"لا تكن متسرعًا، تاليس." صرف الملك نوڤين نيكولاس الذي كان على وشك التقدم، ثم قال بفتور: "سيكون لديك الكثير من الوقت لاحقًا لتتعرّف على خطيبتك."
"هذا يكفي." حدّق تاليس في الملك نوڤين بحدّة باردة. "ستبقى معي الليلة!"
ما إن قال ذلك، حتى جرّ الشقية الصغيرة وتوجّه إلى القاعة بوجه متجهّم.
دفعت الشقية الصغيرة نظارتها التي كانت على وشك السقوط، وتركت تاليس يجرّها خلفه، وقد كانت تلتفت بين حين وآخر نحو الملك نوڤين بخوفٍ وفزع.
قال الملك نوڤين من ورائه بنبرة خالية من الانفعال: "تاليس، إلى أين تأخذ حفيدتي؟"
"ما دامت ليست معك!" قال تاليس وهو مستمرّ في السير بصرامة: "يا لكم من مجانين!"
انفجرت قهقهة الملك نوڤين خلفهما، لكنها لم تزد تاليس إلا اضطرابًا وغضبًا.
"تاليس جيدستار." جاءت ضحكة الملك الصاخبة من خلفه. "هذه ليلتك الأولى… كُن لطيفًا مع خطيبتك!"
لم يلتفت تاليس حتى. جرّ الشقية الصغيرة خارج القاعة دون أن يعير التكهّمات ولا وجوه حرس النصل الأبيض الجادّة أي اهتمام. كان يمضي قدمًا بلا تردد.
تابع السير حتى نطقت الشقية الصغيرة بصوت خافت بعد أن استعادت وعيها قليلًا وسط الخوف.
"أم…" جذبت الشقية الصغيرة قميصه بخجل. "أنت…؟"
"أنا تاليس," أجاب تاليس ببرود.
"هل السيدة أليكس… حقًا…؟" تمتمت الشقية الصغيرة وهي تشهق، شبه منهارة. "هل هي حقًا…؟"
"نعم." قال تاليس بعبوس وبحسم، "لقد ماتت… سُمِّمَت."
هزّة عنيفة اجتاحت جسد الشقية الصغيرة. عبس تاليس.
"سُمِّمَت…" شردت نظرة الشقية الصغيرة، وبدأت تتمتم لنفسها باضطراب عصبي:
"سنة 207 من تقويم الإمبراطورية، الدوق سيكاركي سمّم فارسه الرابع بسهام مسمومة… سنة 489 من تقويم الإمبراطورية، قُتِل الكونت كايت ناندر والأميرة ليزلي بالسمّ يوم زفافهما… سنة 721 من تقويم الإمبراطورية، الإمبراطور آيدي الثالث وقع في غيبوبة بسبب السم… سنة 1171 من تقويم الإبادة، ’إمبراطور السم سمّم السيادي رايدي زودرا على طاولة المفاوضات… سنة 359 من تقويم الإبادة، مات الآرشيدوق الجذاب ليسيل آنلينزو بسبب فنجان من شاي الأزهار… سنة 418 من تقويم الإبادة، قُتِل الكونت لُويد أولسيوس بالسمّ على يد ’الآرشيدوق النائح’… سنة 660 من تقويم الإبادة، بسبب نبتة الكرمة الزرقاء، العائلة الملكية في الكوكبة كانت—"
"كفى!" قاطعها تاليس بحزم شديد. "توقفي عن التفكير في هذا!"
عندها فقط أدركت الشقية الصغيرة ما يجري. واصل تاليس جرّها إلى الأمام.
"أم، ينبغي أن نعود," قالت الشقية الصغيرة بتردد.
"لا يمكنكِ العودة." قطعها تاليس بقسوة وهزّ رأسه قبل أن يتابع: "بحسب ما قاله نوڤين، هناك كومة من الجثث هناك. من المستحيل أن تبقي في مكان كهذا."
ارتجفت الشقية الصغيرة قليلًا.
زفر تاليس في داخله بصمت وهو يتابع السير.
نطقت الشقية الصغيرة مرة أخرى بتردد: "لكنني خائفة أن—"
"لا داعي للخوف. لا يوجد أوغاد مثل نوڤين هنا," قال تاليس بهدوء، "لكنني لا أستطيع حمايتك إلا لفترة معيّنة—"
"كلا، ما أعنيه هو…" قالت الشقية الصغيرة بخفوت، والدموع في صوتها: "لقد سلكنا الطريق الخطأ…"
“…”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اميرنا العزيز هل انت زورو من ونبيس؟