سليل المملكة الفصل 138 — سليل المملكة 138

اقرأ سليل المملكة الفصل 138 — سليل المملكة 138 باللغة العربية على مانجا تايم.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

Arisu-san

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

الفصل 138: يدين مخدَّرتين

…

(البرد قاسٍ إلى حدّ لا يُحتمل… أين أمّي؟ وأين الخالة فينا؟ ستعودان إليّ، أليس كذلك؟)

جالت هذه الأفكار في ذهنها وهي ترتجف فوق الأرض المغطّاة بالثلج. كانت الريح تعصف بوجنتيها وعنقها، وتلسع بشرتها بوخزٍ يشبه حدَّ السكين.

حتى أطرافها أخذت تفقد إحساسها بسرعة.

(وأين أخي وأختي الصغيران؟ وماذا عن العمّ إنزو؟)

وخطر لها أنها تشتاق إلى فطائر تالِيا الساخنة، رغم أنّها كانت تكره الثوم الذي تفوح رائحته منها.

ومرّت بجانب رجلٍ مستلقٍ فوق الثلج. كان غارقًا في نومٍ عميق، وجسده ملتفّ على نفسه دون أن يتحرك، وعلى وجهه ابتسامةٌ وادعة.

كان حاجباه وشعره مغطيين بطبقةٍ من الصقيع، دون أن يشعر بذلك.

(هذا "شخص مبتسم") هكذا قالت لنفسها.

في الأمس، حين حاولت مسح الجليد عن وجوههم، ابتسم العمّ إنزو وأخبرها أنّ هؤلاء يسمَّون "المبتسمين". إنهم ينامون في العراء شتاءً وهم يبتسمون، ولا يستيقظون إلا حين يأتي الربيع. والفتاة الصالحة لا ينبغي لها إزعاجهم، بل الأفضل أن تبقى بعيدة عنهم.

فأطاعت وواصلت السير.

كان فستانها ممزقًا في موضعٍ ما، فأحزنها ذلك؛ فقد أهدتها إيّاه الخالة ليسيا قبل أن تغادر إلى العاصمة.

ثمّ مرّت بجوار "مبتسمٍ" ثانٍ: امرأة في عمر تالِيا تقريبًا، ترتدي ثيابًا قليلة، مستندة إلى صخرة، وعلى شفتيها انحناءة ابتسامة خفيفة. وفي حضنها طفلٌ صغير.

لكنّ الطفل لم يكن مبتسمًا؛ كانت عيناه وشفاهه منطبقة بإحكام، دون أي حركة.

فشعرت بالضيق.

(لماذا لا يبتسم الطفل؟ أليس أهل الإقليم الشمالي يُفترض أن يبتسموا جميعًا؟) هكذا قال لها العمّ نولانور ذات مرة.

تذكّرته عند اسطبلات القلعة الباردة، حين ضحك بصوتٍ عالٍ قبل رحيله مع أعمامها، واحتضنها كعادته، ثم حكّ ذقنه الخشنة على خدّيها رغم احتجاجها.

(حسنًا يا نولانور…) ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ ضعيفة وهي تستعيد صورته.

(لو تظهر الآن… سأعفو لك عن لحيتك.)

واصلت السير، فمرّت بثالثٍ ورابع وخامس وسادس… كثيرين، بلا عدد، من "المبتسمين".

ثمّ رأت شخصًا ليس واحدًا منهم.

رفعت رأسها بعينين مطفأتين، فرأت صبيًا غريبًا عنها.

كان يرتدي ثيابًا ممزقة، منحنيًا فوق أحد "المبتسمين"، يبحث عن شيءٍ ما. وما إن شعر بها تقترب، حتى رفع رأسه كوحشٍ مفترس.

كانت عيناه الحمراوان الداكنتان مرعبتين.

"ابتعدي!"

قبض الصبيّ بشراسةٍ على ما يحمله في صدره، وحدّق فيها بنظرةٍ وحشية: "لقد وجدته أولًا! الطعام، والثياب، وكل شيء… لي!

"اذهبي الآن! ابتعدي! اذهبي وابحثي في جثةٍ أخرى!"

شهقت بضعف، وقد آلمتها الريح القاسية على وجنتيها.

(يا له من فظّ…) فكّرت في نفسها، وبصرها يتشوّش شيئًا فشيئًا.

اندفع الهواء المثلّج إلى رئتيها، فاضطرب قلبها ارتجافًا.

ومع ذلك، تقدّمت نحوه.

"أيتها الحقيرة الصغيرة، لو خطوتِ خطوةً أخرى…" زمجر الصبيّ، كاشفًا أسنانه المرتجفة، "سأمزّقك بأسناني!"

لم تعره اهتمامًا؛ كان وعيها يخبو رويدًا.

وبدأ بصرها يتعتّم.

ومع هذا، تابعت السير فوق الثلج بخطواتٍ متهاوية. كانت تعتمد على بصرها لتعرف موضع قدميها، إذ لم تعد تشعر بأطرافها منذ مدة.

انحنى الصبيّ فوق الأرض، مطلقًا صوتًا خافتًا يشبه هدير الحيوان، كأنه يستعدّ للهجوم. لمّا رأت ملامحه المشوّهة بالغضب، تنفّست بعمق فاهتزّت رئتاها من ألَم البرد.

لكنّها لم تتوقف.

وتحوّل وجه الصبي من الحذر إلى البغض، ثم إلى القسوة. مد ذراعه اليمنى من خلف ظهره، ممسكًا بمِخرزٍ صدئ.

(قالت أمّي: إن صادفنا غريبًا…)

انقضّ الصبيّ عليها فجأة، وطرحها فوق الثلج.

(حين نلتقي غريبًا…)

قرصت خدّها المتجمّد محاولةً استعادة وعيها.

ثمّ رأته يرفع المِخرز عاليًا، وهو يحدّق في وجهها بنظرةٍ متوحّشة، بينما هي تحاول أن ترسم ابتسامةً باهتة.

(يجب أن نبتسم… أليس أهل الإقليم الشمالي جميعًا يبتسمون؟)

وفي اللحظة التالية، فتحت "ميراندا أروندي"، البذرة الأولى بين سَيّافي الإبادة، عينيها فجأة في أحد أزقّة مدينة سحب التنين.

كان سيفٌ أخدود محفورٍ في نصله قد اخترق درعها، وغاص بوصةً في جلدها عند يسار صدرها. وتوقّف قبل قلبها الذي ينبض بلا انقطاع.

تجمّدت ملامح سَيّاف الكارثة الذي أمامها.

كان يحدّق في طرف سيف ميرندا المغروس في مجرى سيفه الغريب الممتدّ من رأس النصل إلى منتصفه—ذلك المجرى الذي منعه من اختراق قلبها.

قبل لحظات، وفي لحظةٍ فارقة، دفعت ميراندا سيفها بقوة، لتُدخله داخل ذلك المجرى، تمامًا كما يدقّ النجار الوتد في شقّ الخشب.

قبضت ميرندا على مقبض سيفها بقبضتين مكسوّتين بقفازين أسودين، بلا تراجع، وعرقٌ بارد يتصبّب من جبينها من الألم والخوف.

(يتحرك بسيفه بسرعة جنونية… وذلك الإحساس بأن الهرب مستحيل—أهو من قوة الإبادة لديه؟)

قال الرجل متوسط العمر، بصوتٍ ملؤه الإعجاب المكتوم: "أحسنتِ. ردود فعلك، وحِدّة ملاحظتك، ورباطة جأشك… كلها ممتازة. وأنتِ صغيرة السن، وهذا نادر. تلميذي ذكي، لكنه يفتقر للخبرة. سيحتاج خمس سنوات ليبلغ مستواك."

"ولكن… لقد كنتِ على شفير الموت منذ البداية…" غمغم، ثم دفع السيف المغروس في صدرها بقوة أكبر.

تغيّر شكل السيفين المتشابكين قليلًا تحت الضغط، وتعالى صوت احتكاك الحديد حادًّا.

اندفع الألم في صدرها كالسهم، فاحتقنت تقاسيم وجهها.

لم يبقَ للسيف إلا بوصة واحدة ليغوص في جسدها ويسفك دمها.

عَضّت على أسنانها، وحبست أنفاسها، فلا الألم الجسديّ ولا الخوف النفسيّ يُسمح لهما بأن يربكاها.

أرهفت حواسها لإيقاع حركة خصمها، وأجبرت نفسها على الدخول في أقصى درجات التركيز.

كانت في وضعٍ قاتل منذ الضربة الأولى. كان عليها أن تجد ثغرة تقلب بها الموقف.

وبكل ما أوتيت من قوّة، قاومت سيفه، وفتحت عينيها على اتساعهما، تراقب خصمها تحت وهج الغروب.

أطلق الرجل متوسط العمر تنهيدةً عميقة. "لم أرد هذا. لكن… كما يبدو الآن، فإن السيف والسرعة وحدهما لا يكفيان لإسقاطك بضربة واحدة، ودوريات الحرس ستصل خلال أربع دقائق."

ثمّ ارتسمت على وجه الرجل متوسط العمر ملامح ألم واضطراب.

اندفعت قوّة الإبادة العنيفة من عضلات ذراعه وتسرّبت إلى السيفين المتشابكين!

تغيّر وجه ميراندا.

(أهذا… هو ذاك النوع من قوّة الإبادة المتوحّشة المنفلتة الذي تحدّث عنه كوهين؟)

ومع ارتجاف ذراع الرجل متوسط العمر، تفجّرت من سيفه طاقة هادرة، كأنّ وحشًا ضاريًا مفترسًا قد أُطلق من عقاله.

واهتزّ السيفان بسرعة متزايدة، مُطلقَين أصواتًا تشبه أنين مرضى عاجزين عن احتمال أوجاعهم.

شعرت ميراندا بطرف السيف المغروز في جسدها يهتزّ ويتقدّم نحو قلبها!

(تبا.)

وفي اللحظة التالية…

تمزّق!

تناثر الدم في كل اتجاه.

وضعت ميراندا يدها اليسرى على صدرها متألّمة.

لكن الأمر لم ينتهِ بعد.

طنين!

ارتطم السيفان ببعضهما فتطاير الشرر، وانفصلا عن بعضهما في الهواء.

اختفى سيف الرجل متوسط العمر… ثمّ ظهر فجأة من جديد، كنجمة توهجت في ليلٍ دامس!

واندفع بطعنته نحو ميراندا الجريحة.

رفعت السيّافة سيفها بيدين مرتجفتين ولوّحت به بلا وعي.

تنينغ! تينغ!

لم يمضِ على انفصال السيفين سوى أقل من ثانية حتى اصطدما مجددًا في الهواء!

أوقفت ميراندا هجوم خصمها مرّتين.

وتراجع كلاهما خطوة واحدة في اللحظة نفسها.

شاحبة الوجه، أسندت ميراندا ظهرها إلى الجدار خلفها وحدّقت بالرجل متوسط العمر بعينين متسعتين.

قال الرجل متوسط العمر، وهو يزفر ويقذف الدم عن سيفه، "آمل أن تحظَي بموتٍ هادئ، أيتها السيّافة."

لكن تعابيره تجمّدت فجأة. فقد لاحظ الدم على سيفه… ولم يكن عليه سوى قطرات قليلة.

(كيف يكون هذا ممكنًا؟ لقد اخترقتُ قلبها يقينًا… لكنها…)

(هل قلبها في الجهة اليمنى؟ أم أنّ لديها حماية قادرة على صدّ قوى الإبادة؟ درع الكريستال المصقول عند الأقزام؟ درع الفضة الرفيعة لدى عائلة الجان الملكية؟ أم هلام السيليكا؟)

رفع الرجل رأسه غير مصدّق، وحدّق بذهول في ميراندا التي استندت إلى الجدار واهنة.

"لم تنفع قوّة الإبادة الغريبة تلك، أليس كذلك؟"

شهقت السيّافة بعمق ورفعت يدها اليسرى عن صدرها.

كان جرحٌ طويل يمتدّ من صدرها إلى كتفها، لم يزد على خدش اخترق درعها الخفيف، وسال منه دمٌ يسير فقط.

ساد الذهول وجه الرجل متوسط العمر.

فبحسب الخطة الأصلية، كان يفترض لقوّته المتوحّشة أن تغزو جسدها بلا قدرة لها على صدّها، وأن تمزّق أحشاءها وتشوّش حركتها، بل وأن تلتهم قوّة إبادة ميراندا نفسها كضارٍ يتغذّى على فريسته.

ثمّ، حين تعجز عن الحركة أو تئنّ تحت الألم، كان سيدفع نصله بقوّة الإبادة إلى داخل جسدها، مخترقًا قلبها مباشرة. وربما لن يغوص السيف بعمقٍ كبير، لكنّه كان سيغوص بما يكفي لينزف دمها بغزارة.

بعدها، كان سيهوي بسيفه بسرعة مرعبة، محركًا دمها كلّه، وفي أجزاء من الثانية ستندفع الدماء الشريانية القانية من صدر "سيّافة الإبادة" حتى اللحظة التي تفارق فيها الحياة.

لكن خلافًا لكل توقّعاته… استطاعت أن تصدّ الهجمة التي كانت لتثقب صدرها ثقبًا مباشرًا…

حدّق الرجل متوسط العمر بالفتاة مذهولاً.

"منذ أن بدأتُ هجومي، كانت حركاتك طبيعية تمامًا، واستطعتِ أن تلوّحي بسيفك بانسياب. صدَدتِ ضربتي من دون تردّد. وهذا يعني أنّ…"

وبعد ثوانٍ قليلة، بدا وكأنّه أدرك شيئًا، واتّسعت عيناه بدهشة: "مستحيل…"

قطّب الرجل حاجبيه بإحكام.

"أنتِ… أنتِ لا تتأثرين بـ‘لمسة الجشع’ إطلاقًا!"

استنشقت ميراندا بعمق وعدّلت وضع سيفها.

"‘لمسة الجشع’؟ هذا اسم قوّة الإبادة خاصتك؟ اسم دنيء كهذا." قالت ميراندا ببرودة.

"لقد أخبرني رفيقي عن ذلك الشعور من قبل. قوّة إبادة منفلتة، متوحشة، هدفها التوغّل والفتك والتدمير." رفعت سيفها وأشارت به إلى خصمها. "سيّافٌ عادي من سيّافي الإبادة سيجد نفسه عاجزًا أمام قوّةٍ مرعبة كهذه."

"لكن حين تظهر حالة لا تعمل فيها هذه القوّة… ماذا تفعلون عندئذٍ؟"

لم ينطق الرجل متوسط العمر كلمة. بل رفع سيفه بسرعة خاطفة.

صفّر السيف ذو الأخدود وهو يشق الهواء، مُصوِّبًا نحو حنجرة السيّافة.

مستعدّة تمامًا، أظهرت ميراندا صرامة في ملامحها، وأدارت معصمها. اندفعت قوّة الإبادة في جسدها مع الحركة، معزّزةً قوّة يدها وهي تصوّب سيفها نحو خصمها.

طنين! صفير!

اندلعت شرارتان من شدّة التصادم. وفي لمح البصر التحم السيفان مرّتين. تحرّك الجسدان بسرعة، وبعد اصطدامٍ أخير بين السيفين، تراجعا فورًا، فاصطنعا مسافة خمسة خطوات بينهما.

تراجعت ميراندا، شاعرةً بالارتجاف في سيفها العريض، وتفكّرت بهدوء في خصائص عدوّها.

قال الرجل بهدوء، "لقد هاجمتُك بسيفي ثماني مرّات للتو. لم تستطيعي صدّي سوى مرّتين، وقد أصبتُك مرّة."

ثم نظر إلى ساقها اليسرى المشقوقة وأردف، "أسلوبك في السيف مهلهل وعادي، ولا يمكنكِ اللحاق بسرعتي. جسدك خفيف، نعم، لكنكِ لستِ رشيقة حقًا. بل تعثرين أحيانًا وأنتِ تتفادين ضرباتي."

"والمريب أنّ سيفك كان يرتجف قليلًا حين يلتقي بسيفي، حتى أثّر ذلك في حرفتك. وذلك خطأٌ يُرتكب في بدايات التعلّم."

"ما عدا تلك الصدّة المذهلة في البداية… فحرفتك بالسيف تكاد تكون عديمة الجدوى." هزّ الرجل رأسه. "بقدرتك هذه على حمل السيف، كان ينبغي أن تموتي عشرة آلاف مرة. كيف عشتِ حتى الآن؟"

لم تجبه ميراندا. بل راحت تتفحّص الرجل متوسط العمر بعناية.

ثمّ انفرجت شفتاه عن ابتسامة مفاجئة.

"لكن، من بين الهجمات الثماني التي شننتُها عليكِ، استطعتِ تفادي أكثر خمس ضربات قاتلة بدقّة، إمّا بالابتعاد أو بالمرور بمحاذاتها."

"وهاجمتِني في اللحظة الأدق."

ونظر إلى ذراعه اليسرى المشقوقة وقال بدهشة، "وقد أصبتِني فعلًا."

تقلّصت ملامح ميراندا بعبوس.

"لا تفسير سوى واحد."

قال الرجل متوسط العمر وهو يخطو ببطء، فانتقل سيف ميراندا معه، يراقب تحرّكه خطوةً بخطوة.

"أنتِ لا تعتمدين على حركات سيفٍ بارعة ولا على خُطا رشيقة عند القتال. بل تعتمدين على مهارتكِ في الملاحظة وحِسّكِ الدقيق." انكمش بؤبؤا الرجل متوسط العمر قليلًا. "تُميّزين أنماط العدو وتوقيت ضرباته. وحتى بأسلوبٍ واهنٍ وحركاتٍ أقل شأنًا، إن ظهر المرء في الموضع الأنسب في اللحظة الأنسب، أمكنه توجيه أبرع الهجمات."

زفرت ميراندا في سرّها. (لقد اكتشف الأمر).

"إنكِ تمارسين واحدة من القوى الأربع الأصلية للإبادة — اغنية بيغاسوس. وهي مشهورة بدقّة التوقيت وسيطرة الإيقاع." أطلق الرجل متوسط العمر زفرة طويلة. "لقد مرّ زمن طويل منذ رأيتُ هذا الميراث من داخل برج الإبادة… وهو أيضًا السبب في أنّكِ لا تخافين من ‘لمسة الجشع’." رفع رأسه. كان نظره ضاغطًا. "وأظنني قد خمّنت السبب كذلك."

توقف ذهن ميراندا لحظة دهشة.

وثب بصر الرجل متوسط العمر إلى يديها المكسوّتين بالقفّازين الأسودين.

"إنّها يداكِ… أليس كذلك؟"

حدّقت فيه ميراندا غير مصدّقة.

(دَعْك من اغنية بيغاسوس… لكن ليدرك حتى… هذا؟)

قبضت ميراندا على سيفها بقوّة.

"كانت يداكِ أول من لامس ‘لمسة الجشع’." ضيّق الرجل متوسط العمر عينيه وهو يتفرّس في خصمه. "لكن لم يظهر أي ردّ فعل… أهو بسبب تلك القفازات؟"

لم تنطق ميراندا لبضع ثوانٍ.

وبرز في ذهنها مشهدٌ قديم في البراري.

ذلك البرد الذي ينهش العظم…

"لا، ليست القفازات." زفرت ميراندا بهدوء ورفعت رأسها وقالت الحقيقة مباشرة: "إنّها يداي فحسب."

تقطّب جبين الرجل متوسط العمر.

"منذ زمن بعيد… أصيبت يداي بقضمة صقيع شديدة."

وانتشر في ذاكرة ميراندا منظرُ حقول الثلج البيضاء.

"وحين تعافيت، فُقد معظم الإحساس والوجع." قالت ذلك ببرود، كأن الأمر لا يمتّ لها بصلة.

"لا أقدر على تدريب أو استعمال تلك الأساليب البديعة الغامضة للسيف. في البداية… لم أكن أقوى حتى على رفع فِنجان شاي."

"ومهما كان الألم الذي تسبّبه قوّتك مرعبًا، فإنّ يديّ لا تشعران به."

"فأمام هاتين اليدين المخدَّرتين منذ سنين، ماذا بوسع قوّة إبادةٍ متوغّلةٍ أن تفعل؟" رفعت ميراندا سيفها ببطء. وكان الرجفان في يديها ظاهرًا للعين المجرّدة.

حلّ الصمت.

حدّق الرجل متوسط العمر بيديها الممسكتين بالسيف بذهول.

(هاتان اليدان… اليدان اللتان تلوّحان بالسيف… لا تشعران بالألم، ولا بالإحساس أصلًا؟)

وامتلأ نظره بالشفقـة…

والتقدير.

"أن تمسكي السيف بهاتين اليدين اللتين لا إحساس فيهما حقًا؟" قال ببطء وقد غصّ صوته بالإعجاب.

(هذه الفتاة… لتتمكن يداها المنعدمتا الحس من قبض قبضة السيف، والتلويح به آلاف المرّات… فلا بد أنّها ذاقت عذابًا كثيرًا.)

"لهذا نُقلت إليكِ «اغنية بيغاسوس». وهي بالفعل قُوّة الإبادة الأنسب لكِ." أومأ الرجل متوسط العمر. وامتلأ نظره بإقرارٍ صريح واندفاع. "أن تتخلّي عمّا تستشعره يداكِ، وتعرضي عن الحركات المحدّدة، وتتبعي إيقاع المعركة بدلًا من ذلك… أن تعهدي بسيفك إلى الملاحظة والحدس والحكم. معلّمكِ… لا بد أنّه عبقري."

لم تتكلم ميراندا. لم تفعل سوى أن حدّقت في يديها المغلّفتين بالقفازات، بذهول.

"رجاءً… انسَي قلّة احترامي السابقة." وضع الرجل متوسط العمر سيفه خلف ظهره وانحنى أمامها باحترام بأسلوب السيافين القدماء. "أنتِ سيّافة تستحقّ الإعجاب…

"أنا ساراندي كلاين، سيّاف إبادة من خارج برج الإبادة. لقد كان شرفًا حقيقيًا أن أقاتلكِ وجهًا لوجه."

أعادت ميراندا سيفها إلى غمده وردّت التحية بوجه خالٍ من الانفعال.

"ميراندا آروند، البذرة الرئيسة الرابعة والثلاثون بعد المئة في برج الإبادة… وبسبب شيءٍ ارتكبتموه بحق يد صديقتي اليمنى، فمن الصعب جدًا أن أقول: «كان شرفًا لي أنا أيضًا»."

ابتسم كلاين قليلًا. "اليد اليمنى، إذن؟"

استقام الاثنان. وظهر سيفاهما من جديد قربهما.

وفي اللحظة التالية، اقتربا من بعضهما مجددًا!

تنينغ! تينغ!

تراقصت حركات كلاين السريعة، وحركات ميراندا البديعة، في تلك المساحة الضيّقة.

وفي أقل من عشر ثوانٍ، تفادت ميراندا أربع ضربات قاتلة من عدوّها، وشنّت هجمة مضادة في اللحظة الأكثر حساسيّة.

كان الدم ينساب من خصر ميراندا ومن خلف أذنها. وأمّا كلاين، فقد كان ساعده الأيسر ينزف.

"لقد تركتِ أثرًا لا يُنسى." ابتعد كلاين وهو يزفر. "مع الوقت… يمكنكِ بلا شكّ بلوغ الفئة الفائقة."

هزّت ميراندا رأسها قبولًا باعترافه.

(مهما بلغت سرعتك…) فكّرت ميراندا، (لا يمكنك تجاوز لحظة سحب السيف. ومع اللحظة يأتي الإيقاع — حركةٌ وسكون، هبوطٌ وصعود.)

(وتنشأ عندها ثغرات يمكنني التحكّم بها وكسر حركته).

"ولقد لاحظتُ أمرًا آخر أيضًا." رمقت ميراندا خصمها وهي تتراجع خطوة. وقالت بنبرة خافتة: "هذه التي تسمّيها ‘لمسة الجشع’… تلك الوحشية المتواصلة…"

تفاجأ كلاين قليلًا.

وثبتت نظرة ميراندا بثبات.

"إنّها «مجد النجوم»، أليس كذلك؟"

وتحت نظرة الدهشة في عيني كلاين، تابعت ميراندا بثقة: "عذرًا… لكن هذه قوّة إبادة… أعرفها جيّدًا."

استعاد ذهنها مشهدًا من داخل برج الإبادة، حين كان كوهين يمسك ذراعه المنتفخة ويصرخ من الألم.

تلاقى بصرهما لحظة.

"احترم فيك مهارتك في الملاحظة، لكن الأمر ليس كذلك فحسب." هزّ كلاين رأسه وضحك بخفوت. "‘لمسة الجشع’ ليست ‘مجد النجوم’."

وبينما علت نظرة الحيرة وجه ميراندا، وضع كلاين سيفه بمحاذاة خصره. "إن أردتِ قول ذلك، فهي نسخة مطوّرة من ‘مجد النجوم’… من خارج البرج."

تاهت ميراندا بين الذهول والشك.

(نسخة مطوّرة من… مجد النجوم؟ أهو يشير إلى تلك الوحشية؟)

(إذن… قوى الإبادة لدى «سيف الكارثة» مشتقّة من الأصول…)

"بقي ثلاثون ثانية." زفر كلاين. "انسَي الأمر… لم يعد هناك وقت."

حدّقت ميراندا فيه مصدومة.

"أراكِ لاحقًا، أيتها السيدة المخدَّرة." انحنى كلاين قليلًا.

عضّت ميراندا على أسنانها وركضت نحوه. "انتظر!"

استدار كلاين وضرب الجدار بجانبه.

دوّي!

وتحت ستار من الغبار، اختفى أثره من أمام ناظرَي ميراندا.

وفي تلك اللحظة، ارتفعت أصوات عناصر الدورية من خارج الزقاق: "إنه قريب… يُشتبه بوجود قتال مسلّح غير قانوني، وأنّ أولئك الأشخاص يطارد بعضهم بعضًا بلا سبب. ما كان ذلك الصوت؟"

تسعل ميراندا بلا انقطاع بسبب الغبار، وتحدّق بإصرار في الجهة التي غادر منها كلاين. وضربت الجدار بغيظ. ثمّ، ومع اقتراب خطوات رجال الدورية، أعادت سيفها إلى غمده وغادرت.

…..

تنينغ!

وبينما كان سيف كوهين على وشك أن يخترق حنجرة ذلك الشاب، ظهر سيف من العدم وردّ بقوة سيف الشرطي.

استدار كوهين بسرعة لمواجهة الوافد الجديد الذي كان جسده متجهًا نحو غروب الشمس.

لكن سلاح القادم الجديد هو الذي اجتذب انتباه كوهين كلّه.

كان سيفًا متوسط الطول، نصلُه بالغ الرقّة، وقبضته سوداء.

وكان ثقب دائري محفورًا في واقية القبضة، يسمح لحامل السيف أن يمرّر سبّابته من خلاله.

انكمش بؤبؤا كوهين. لقد عرف ذاك السيف. بل كان مألوفًا لديه إلى حدٍّ يفوق المألوف.

ومألوفًا أكثر… بصاحبه.

"اغرب عن وجهي!" قال القادم الجديد بصوتٍ صافٍ موجّهٍ إلى سيّاف الكارثة الشاب. "اذهب وابحث عن معلّمك."

تخبّط الشاب الجريح محاولًا النهوض وابتعد مترنّحًا، لكن كوهين لم يلقِ له بالًا.

فتح عينيه وحدّق بالقادم الجديد في ذهول.

فمجرّد رؤية هذا الشخص… جعلته لا يرغب في الاهتمام بأي شيء آخر.

ابتلع كوهين ريقه بصعوبة وسأل بأكثر نبرةٍ صادمةٍ ومندهشة: "ما الذي أتى بك إلى هنا؟"

"ولماذا… تفعل هذا الآن؟" حدّق في القادم الجديد وهو يعقد حاجبيه ويفكّهما مرارًا.

"أتساءل عمّا أفعل؟" أطلق القادم الجديد شخيرًا ساخرًا وتقدّم نحوه.

"لأصل قبل أن تفسدوا كل شيء يا حمقى." أظهر القادم الجديد عينين حمراوين داكنتين في العتمة وقال ببرود: "ولأوقفكم جميعًا."

"أو…"

خطا خارج ظلّ الزقاق.

"أقضي عليكم جميعًا؟"

كان زميل كوهين السابق في برج الإبادة وعضو جهاز الاستخبارات السرّي للمملكة الحالي، رافاييل ليندبيرغ، يحمل سيفه بيده اليسرى. وبعينين حمراوين تومضان، نظر إلى صديقه القديم الشرطي، كوهين كارابيَان، مبتسمًا.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬